/

 

 

المقاصد الخمسة في الشرائع السابقة وفي شريعتنا

محمد عبدو

نكشف الغطاء عن هذه المسألة في مقامين، نبين في أحدهما : أن كافة الشرائع هل هي متفقة على حفظ المقاصد الضرورية الخمسة أم لا؟ ونبين في الثاني : أنها إذا كانت مطبقة على ذلك، فبماذا اختصت شريعتنا حتى صارت أفضل الشرائع وأتمها ؟

المقام الأول : في أن كافة الشرائع، هل هي متفقة على حفظ المقاصد الكلية الخمسة أم لا ؟

من القواعد المهمة التي كان للإمام الغزالي قصب السبق في إبرازها والتنبيه عليها؛ أن كافة الشرائع والملل قد أطبقت على حفظ الضروريات الخمس. وقد قال في هذا المعنى ما نصه : " وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها، يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق. ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسـرقة وشرب المسكر "(1 ).

وقد تكررت القاعدة نفسها في كتاب " إحياء علوم الدين " حيث قال الغزالي: " فحفظ المعرفة على القلوب، والحياة على الأبدان، والأموال على الأشخاص، ضروري في مقصود الشرائع كلها. وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل، فلا يجوز أن الله تعالى يبعث نبيا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم، ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله، أو يأمرهم بإهلاك النفوس(2 ) وإهلاك الأموال "(3 ).
وهذه القاعدة لم أصادفها عند أحد من قبله، وإن وجدت لها صدى عند من أتى بعده من العلماء، كالمدقق الآمدي(4 )، والعلامة ابن الحاجب(5 )، والمحقق الشاطبي(6 )، وغيرهم من الأعلام(7 )
غير أن الذي يسير إليه كلام بعض الأصوليين يقتضي إبطالها وعدم صحتها. من هؤلاء الإمام الزركشي؛ فبعدما حكى القول بأن الشرائع مطبقة على حفظ المقاصد الخمسة، وبعد ذكره لهذه المقاصد ووسائل حفظها، على نحو ما يوجد عند الغزالي في " المستصفى" و" شفاء الغليل"(8 )، قال ما نصه : " هذا ما أطبق عليه الأصوليون؛ وهو لا يخلو من نزاع، فدعواهم إطباق الشرائع على ذلك ممنوع :

أما من حيث الجملة؛ فلأنه مبني على أنه ما خلا شرع عن استصلاح وفيه خلاف ... والأقرب فيه الوقف.

وأما من حيث التفصيل؛ فأما ما ذكروه من القصاص، فيرده أن القصاص إنما علم وجوبه في شريعة موسى عليه السلام بدليل قوله تعالى: ( وكتبنا عليهم فيما أن النفس بالنفس)، وذلك لا يـوافق قولهم : يلزم من عدم مشروعية القصاص بطلان العالم.

فأما ما ذكروه في الخمر، فليس كذلك، فإنها كانت مباحة في صدر الإسلام، ثم حرمت في السنة الثالثة بعد غزوة أحد. وقيل : بل كان المباح شرب القليل الذي لا يسكر، لا ما ينتهي إلى السكر المزيل للعقل؛ فإنه يحرم في كل ملة، قاله الغزالي في " شفاء الغليل "، وحكاه ابن القشيري في " تفسيره" عن القفال الشاشي، ثم نازعه وقال : تواتر الخبر حيث كانت مباحة بالإطلاق، ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل. وكذا قال النـووي في " شرح مسلم " : فأما ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده أن السكر لم يـزل محـرما فباطل لا أصل له "(9 ).
هذا ما قاله الإمام الزركشي.

وقد تابعه الإمام الشوكاني؛ فإنه أطلق صريح المنع إطلاقا. وزاد:" وقد تأملت التوراة والإنجيل فلم أجد فيهما إلا إباحة الخمر مطلقا من غير تقييد بعدم السكر، بل فيهما التصريح بما يتعقب الخمر من السكر وإباحة ذلك، فلم يتم دعوى اتفاق الملل على التحريم، وهكذا تأملت كتب أنبياء بني إسرائيل فلم أجد فيها ما يدل على التقييد أصلا "(10 ).

وكذا قال صاحب " فواتح الرحموت ": " إن الخمر كان مباحا في الأمم السابقة بل في ابتداء هذه الشريعة الغراء "(11 ).

ويتبين مما ذكره هؤلاء الشيوخ – وخاصة مما أورده الإمام الزركشي- أن الدليل الذي تمسكوا به في طعنهم في دعوى اتفاق الشرائع على رعاية الخمسة المذكورة؛ الخلاف في مسألة مراعاة الشرائع السابقة لمصالح العباد ؟، و أن الخمر كانت مباحة فيها، وأن القصاص لم يعلم تشريعه إلا في شريعة موسى عليه السلام، مما يقتضي القول معه بأن الشرائع السابقة لم يكن القصاص مشروعا فيها.

و قبل الشروع في الرد على ما ذكروه بخصوص الخمر والقصاص، يتعين أولا، إثبات الأصل، وإقامة البرهان على صحته، وهو أن رعاية مصالح العباد أمر مقصود في الشرائع كلها.

والنظر أولا في أدلة الكتاب العزيز؛ إذ فيه آيات مبينات صرحت بحقيقة هذا المقام.

منها قوله تعالى " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين "(12 ). وهذه الآية؛ وإن كان الذي خوطب بها هو نبينا صلى الله عليه وآله وسلم؛ إلا أنه صلوات الله عليه لم يكن بدعا من الرسل، فما أوحي إليه إلا كما قد أوحي للنبيئين من قبله. وما أرسل إلا على طريقة الأولين، وإليه الإشارة بقوله تعالى :" شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" الآية(13 ).

وإذن؛ فإن جميع الرسالات الإلهية، التي اختتمت بالرسالة المحمدية ما هي إلا رحمة للعالمين، وما من رسول؛ إلا وكانت رسالته من أجل الرحمة وبهدف نشر الحق والعدل بين العباد، كما في قوله تعالى : " ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة" الآية (14 ). وهذا أدل دليل على أن شريعة موسى عليه السلام قد راعت مصالح الخلق، وعليها انبت.

ومنها قوله عز وجل : " ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل. وكان أمر الله قدرا مقدورا "(15 ).

فبين الله تعالى بهذه الآية؛ أن الحرج مرفوع في الشرائع السابقة مثلما هو مرفوع في شريعتنا، ورفع الحرج فيما فرضه الله سبحانه على عباده هو عين الرحمة والعطف والمصلحة، فظهر بهذا أن الشرائع قد راعت مصالح العباد، وأنها سنة الله في الأمم الخالية، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا.

ومنها قوله تعالى : " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس. وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوءة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون. ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة " الآية(16 ). 

وهذا أيضا دليل جلي، لن يدع وليجة، وبرهان قوي، لن يترك خليجة؛ في كون الحق سبحانه قد راعى مصالح عباده في جميع الشرائع، وأنزل لهم ما فيه منفعتهم وخيرهم.

وقوله تعالى : " وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة " في شأن عيسى عليه السلام، على غرار قوله عز وجل، في حق نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم "(17 ).

وفي الآية الأولى تصريح، وفي الثانية تلويح؛ إلى أن الرأفة والرحمة إنما تحصلان للمؤمنين التابعين للأنبياء عليهم السلام.

وإلى هذا المعنى الإشارة بقول الغزالي، بمناسبة الآية الكريمة: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " ما نصه : " فمن قبل شرعه واتبع دينه وأطاع أمره، فهو في الدنيا مرحـوم، وفي الآخرة مسعود مكرم أبد الآبدين برحمة رب العالمين .." (18 ).

فإذا اتضح الحق وحصحص، وزال الإشكال من جهة القرآن، فلننظر الآن؛ في أقوال أهل العلم، الذين أجمعوا على أن مراعاة مصالح الخلق أمر واقع في الشرائع السابقة قطعا، وحاصل يقينا.

قال الأصفهاني في " شرح المحصول " : " ندعي شرعية الأحكام لمصالح العباد ...وندعي إجماع الأمة، ولو ادعى مدع إجماع الأنبياء على ذلك، بمعنى أنا نعلم قطعا أن الأنبياء صلوات الله عليهم بلغوا الأحكام على وجه يظهر بها غاية الظهور مطابقتها لمصالح العباد في المعاش والمعاد ..." (19 ).

وهكذا ذكر الهروي أن رعاية المصالح لم تخص شريعتنا، بل كان معهودا في الشرائع المتقدمة وعليها انبنت(20 ).

وجريا على ما علم من الشرائع الإلهية وقواعدها الكلية الراسخة أنها وضعت لمصالح العباد؛ قرر الغزالي في " إحياء علوم الدين " أن " التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف موسى وإبراهيم وكل كتاب منزل، ما أنزل إلا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد، والمراد منهم أن يكونوا ملوكا في الدنيا ملوكا في الآخرة، أما ملك الدنيا فالزهد فيها والقناعة باليسير منها. وأما ملك الآخرة فبالقرب من الله تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه، وعزا لا ذل فيه، وقرة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس"(21 ).
وهذا هو الذي استقر عليه رأي الإمام فخر الدين الرازي في" المحصـول "، وعبارته : " الإجماع منعقد على أن الشرائع مصالح ..." (22 )

وكلام الإمام الشاطبي في " الموافقات " يقتضيه ، ومن عباراته : " أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا "(23 ).

وأكتفي بهذه الطائفة من الأقوال؛ فإن كتب الأئمة الثقات، وأهل الأثبات محشوة من هذا. 
وهكذا؛ وكما يظهر من الأدلة القرآنية المسوقة للإثبات، ومن مقالات العلماء الثقات، أن رعاية مصالح العباد ليس من اختصاص شريعتنا، وإنما هي مسألة شائعة في الشرائع كلها.

وإذا كان المراد للعباد هو مصلحتهم في الدنيا وسوقهم إلى السعادة الأبدية في العقبى؛ فإن هذا يستدعي من الشارع – بلا بد – سد أبواب الفساد المفضية إلى تفويت دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم التي بها قوامهم ومعاشهم وبها يتوصلون إلى النعيم المقيم.

وقد بين الإمام الغزالي هذا الأمر تبيينا بليغا لا مزيد على حسنه، وهو : " فلا يجوز أن الله تعالى يبعث نبيا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم، ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله، أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال "(24 ).

ومن هذا المنطلق؛ فإن الذين ينكرون إطباق الشرائع على هذا الأصل، إنما ينكرون ما هو ضروري وحق، وإن الذين يتوقفون في الحكم فيه، إنما يتوقفون في أمر ظاهر لا مرية فيه.

وإذا تقرر هذا الأصل؛ فإن الإشكال باق من جهة ما ذكروه في القصاص والخمر.
أ – القصاص : 
فأما ما ذكروه من القصاص من أنه إنما علم وجوبه في شريعة موسى عليه السلام؛ بدليل قوله تعالى: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس" الآية(25 )، وذلك لا يوافق قول الأصوليين : يلزم من عدم مشروعية القصاص بطلان العالم، فالجواب عنه من جهات :

إحداها : أن قوانين الأنبياء في الأعصار اختلفت بالإضافة إلى التفصيل، ولم تختلف في الأصول والقواعد والكليات. وحفظ النفوس بشرعية القصاص أصل كلي، فلا يتصور اختلاف شرائع الأنبياء فيه.

الثانية : أن قوام الشرائع بالعدل، وخلو بعض الشرائع عن تشريع القصاص يعني أنها لم تراع في تشريعاتها هذا المبدأ العظيم، وحاشا شرائع الأنبياء من ذلك.

الثالثة : أن ما ذهب إليه الأصوليون من أنه يلزم من عدم مشروعية القصاص بطلان العالم، مذهب صحيح يشهد له قول الكتاب العزيز : " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون " (26 )، فالعدوان على الناس في دمائهم يفضي إلى الخلل والفساد، وينتقض العالم، بما ينشأ عنه من الهرج المفضي إلى الانتقاض. ومن أجل هذه المفاسد كان في القصاص حياة للناس.

الرابعة : أنه تعالى علل مشروعية القصاص بأن فيه حياة للناس، وهذه العلة حاصلة في الأمم السابقة.

الخامسة : أنه على الرغم من أن القصاص لم يعلم وجوبه إلا في شريعة موسى عليه السلام؛ إلا أن هذا لا ينتهض دليلا للقول بخلو الشرائع السابقة من القصاص؛ لأن الله تعالى لم يقصص علينا أخبار جميع الرسل، بدليل قوله تعالى : " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك " الآية(27 ).
وإذن؛ فإنه لم يطلعنا على جميع أحكام الشرائع المنقرضة، فلا يبعد أن يكون القصاص مشروعا فيها.

الجهة السادسة : ما صرح به المحققون من هذه الأمة؛ من أن القصاص لم يزل مشروعا في الأمم السابقة، وحسبك منهم القاضي ابن العربي؛ فإنه قال في " تفسيره " : " ولم يخل زمان آدم ولا زمن بعده من شرع، وأهم قواعد الشرائع حماية الدماء من الاعتداء، وحياطته بالقصاص كفا وردعا للظالمين والجائرين، وهذا من القواعد التي لا تخلو عنها الشرائع، والأصول التي لا تختلف فيها الملل "(28 ).
ب – الخمر :
وأما ما ذكروه في الخمر من أنه كان مباحا في الأمم السابقة بل في ابتداء شريعتنا، وأن التحريم لم يقع إلا في السنة الثالثة بعد غزوة أحد؛ فالجواب عنه بأمور :

أحدها: أن إباحة الخمر مع العلم بما ينطوي عليه من المفاسد، يناقض القاعدة الشرعية التي انبتت عليها كافة الشرائع وهي جلبها للمصالح ودرؤها للمفاسد، ولذا فالواجب يحتم تحريم الخمر في كل شريعة، لما فيه من عظيم المفسدة. وقد نبه عليه تعالى بقوله : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون "(29 ).

وقال الغزالي يبين علة تحريم الخمر: " حرم شرب الخمر لأنه يزيل العقل، وبقاء العقل مقصود للشرع؛ لأنه آلة الفهم، وحامل الأمانة، ومحل الخطاب والتكليف، فالعقل ملاك أمور الدنيا والدين، فبقاؤه مقصود وتفويته مفسدة "(30 ).

ويشاكل هذا المعنى ما ذكره الألوسي : " لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حد الاستقامة لكفى؛ فإنه إذا اختل العقل حصلت الخبائث بأسرها "(31 ).

ونظرا لهذه المفاسد التي قد لا تقتصر على ضرورة العقل، بل تتعداها لتشمل ضرورات الدين والنفس والمال والنسل، فقد رأى غير واحد من الأئمة وجوب تحريم الخمر في جميع الملل، كالإمام الغزالي في كتابه " المستصفى " (32 ). والإمام ابن عبد السلام الذي صرح بأن المفسدة إذا عظمت وجب درؤها في كل شريعة، وذكر من ضمنها إفساد العقول (33 ).

وبه جزم القرطبي في " تفسيره " فقال : " إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم. وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه "(34 ).
وبه قطع العلامة ولي الله الدهلوي، وقال بعد كلام بين فيه مفاسد الخمر : " ولذلك اتفقت جميع الملل والنحل على قبحه "(35 ).

الأمر الثاني: أن ما ذكروه من أن الخمر كانت مباحة في ابتداء شريعتنا فصحيح، لكن هذا لا يعني أنها في نفسها كانت مباحة، فالأصل فيها هو التحريم ، وإنما أبيحت ولم تحرم في بادىء الأمر لسر وحكمة يعرفها ذوو الكشف والبصائر، وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان منصرفا إلى الدعوة إلى عبادة الله تعالى، وهي أهم وأولى من حفظ العقل بتحريم المسكر. وذلك انسجاما أيضا مع مبدإ التدرج في تشريع الأحكام.

وثم دليل آخر على أن الخمر في أصلها لم تكن مباحة؛ وهو ما نبه عليه الإمام الشاطبي في " الموافقات " من أن مقاصد الشريعة العامة وأصولها الكلية الخمسة، قد تأصلت في القرآن المكي، ووضع لها من التشريعات ما يكفل لها الحفظ. وبهذا النظر فالعقل باعتباره أصلا كليا، قد تم حفظه بمكة بالنهي عما يفسده، إن لم يكن ذلك تصريحا فإشارة وتلميحا. قال الإمام الشاطبي في تقرير ذلك: " وأما العقل فهـو وإن لم يـرد تحريم ما يفسده وهو الخمر إلا بالمدينة، فقد ورد في المكيات مجملا، إذ هو داخل في حرمة حفظ النفس كسائر الأعضاء ومنافعها من السمع والبصر وغيرهما، وكذلك منافعها. فالعقل محفوظ شرعا في الأصول المكية عما يزيله رأسا كسائر الأعضاء ساعة أو لحظة، ثم يعود كأنه غطي ثم كشف عنه، وأيضا فإن حفظه على هذا الوجه من المكملات ..." (36 ) 

الأمر الثالث : يبقى مما ذكره الإمام الشوكاني من أنه قد تأمل التوراة والإنجيل؛ فلم يجد إلا إباحة الخمر مطلقا من غير تقييد بعدم السكر(37 )؛ فكلامه هذا غير مسلـم من وجهين: 

أحدهما : فقدان الثقة بهذه الكتب، لتعرضها للتحريف، وتغيير الكلم عن مواضعه كما نبه عليه الكتاب العزيز بقوله : " وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون " (38 ) ، وقوله : " ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ..." الآية (39 ).
ونظائر هذا في القرآن كثيرة. 
وهؤلاء قد ضيعوا عقيدة التوحيد، فهم لما سواها أضيع. ولست أدري كيف غاب هذا عن ذهن الإمام الشوكاني، مع أنه فطن لمثل هذه الأمور.

وثانيهما : أن هذا الذي تحرى عنه الإمام الشوكاني ولم يظفر فيه بنقل، قد وجدت النقل فيه، فقد ورد في الإنجيل العبارة التالية : " فقد كتبت إليكم بأن لا تعاشروا من يسمى أخا إن كان زانيا أو طماعا أو عابد أصنام أو شتاما أو سكيرا أو سراقا "(40 ).

وهذا من بعض الحق الموجود في الإنجيل، وهو يشتمل إلى جانب النهي عن السكر، النهي عما يفسد باقي الضروريات أيضا، مما يؤيد ما ذكرت من إطباق الشرائع على حفظ الأصول الخمسة.
وجملة الأمر فإن جميع الدلائل تشير إلى أنه ما خلا شرع عن استصلاح، وأن كل شريعة قد حفظت الأصول الخمسة، فمن زعم أن الشرائع لم تراع مصالح العباد، وأنها غير مطبقة على حفظ الضروريات الخمس فقد أكبر القول.
خيال وتنبيه :
قال بعض الجدليين : " إن جميع الديانات حتى اللائكية والشيوعية والاشتراكية والكافرة الملحدة والمتزندقة والفاسقة، كل هذه الديانات تحترم الضروريات وتصونها وتعمل للمحافظة عليها، وتشرع لها تشريعات وقوانين لإرسائها في مختلف المجتمعات المعتنقة لها ثم لصيانتها " انتهى (41 ).

وهذا تحكم من قائله؛ واعتقاد فاسد لا بد من التصدي لإبطاله، فأقول وبالله أهتدي: إن الشرائع والملل التي عملت على صيانة الضروريات الخمس، وحرصت على حفظ مقاصد الشارع في الخلق، هي شرائع الأنبياء عليهم السلام.

وعلماء الأمة حينما نصوا على أن حفظ الضروريات الخمس لم تخل منه شريعة ولا ملة؛ فإنهم كانوا يقصدون بذلك الشرائع الإلهية والملل الربانية.

وهنا أنوه مرة أخرى بفكر حجة الإسلام الذي نص في" المستصفى " على أن تحريم تفويت الضروريات الخمس " يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق "(42 ).

وكما يلاحظ من خلال هذا النص؛ فإن الإمام الغزالي قد استعمل عبارة في غاية الدقة، وهي قوله : " الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق "، إشارة إلى أن الشرائع الإلهية هي التي أرادت إصلاح الخلق. وقد تأملت عبارات الأصوليين، فلم أجد منهم من يقيد أصلا، إلا أنهم رحمهم الله لم يريدوا إلا ما أراده حجة الإسلام.

فالشرائع الإلهية؛ هي الشرائع الكاملة، التي لا يلحقها نقص ولا يشوبها قصور، والوافية بمصالح الخلق كلها دينية ودنيوية، ضرورية وحاجية وتحسينية، وغيرها من الشرائع البشرية لا تفي إلا ببعض المصالح، وإذا أحاطت بجهة واحدة قصرت في الجهة الأخرى، علاوة على ما تقوم عليه من قوانين جائرة، فالنقصان والقصور شامل لجميعها.

ومن هاهنا نظر حجة الإسلام وقال في " الإحياء " : " فالجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدنيا والدين، لا يكاد يتيسر إلا لمن رسخه الله لتدبير عباده في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء المؤيدون بروح القدس، المستمدون من القوة الإلهية التي تتسع لجميع الأمور ولا تضيق عنها "(43 ). 

فتأمل هذا ما أحسنه !
ولأن الشرائع الإلهية هي التي راعت مصالح الخلق، جاء العلامة ابن خلدون وقال : " وأحكام الله في خلقه وعباده إنما هي بالخير ومراعاة المصالح، كما تشهد به الشرائع ، وأحكام البشر إنما هي من الجهل والشيطان ..."(44 ).

وأزيد على هذا فأقول : إن القول بأن الشرائع الوضعية قد حفظت الضروريات الخمس مثلما حفظتها شرائع الأنبياء، قدح في هذه الأخيرة، وهبوط بها إلى أسفل سافلين . وقد نطق الكتاب العزيز في مواضع لا تحصى كثرة بأفضلية الإسلام وأنه الحق، وأن غيره الباطل، وقوله تعالى : " ليس كمثله شيء " الآية(45 )، صريح في منع المماثلة، سواء في ذاته سبحانه، أو في تشريعه. وأيضا قوله عز وجل : " فلا تجعلوا لله أندادا " الآية(46 )، يمنع من ذلك.

فليتأمل هذا القائـل كتـاب الله قبـل إصدار الأحكام، " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (47 ).

ثم أقول أيضا؛ من ذا الذي ينكر أن الشرائع البشرية والقوانين الوضعية قد تعاملت بالربا وأقرته في معاملاتها، وكفى بهذا إفسادا للأموال، وأباحت الخمر في مجتمعاتها وفي ذلك جناية على العقول، وشجعت على الزنا وفيه من الفساد ما قد عرفت، وكفرت بأنعم الله وأشركت به وأهدرت حفظ الدين.

فأيـن هذا من الحفـظ ؟ وعن أي حفـظ يتحدثـون ؟ " وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا " (48 ).

وإذن؛ فقد ثبت وتحقق بالبراهين السواطع، والحجج القواطع، أن الشرائع الإلهية هي الوافية بمصالح الخلق، وفي مقدمة هذه المصالح : المقاصد الخمسة، وأن القصور شامل لغيرها من أحكام البشر. فلا يوضعان في ميزان واحد، ولا يقرن بينهما في كفة واحدة.

وإذا كان كذلك؛ لا جرم أن ما يدعيه ذلك القائل ويدعو إليه، ليس له نصيب من الحق؛ " إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا "(49 ).

المقام الثاني : في أن الشرائع إذا كانت كلها انبنت على مصالح الخلق إذ ذاك، فبماذا اختصت شريعتنا حتى صارت أفضل الشرائع وأتمها ؟ 

هكذا ترجم الإمام بدر الدين في"البحر المحيط " لهذه المسألة.وقال في الجواب عنها : " قلت: بخصائص عديدة؛ منها : نسبتها إلى رسولها وهو أفضل الرسل، ومنها : نسبتها إلى كتابها وهو أفضل الكتب، ومنها : استجماعها لمهمات المصالح وتتماتها، ولعل الشرائع قبلها إنما انبنت على المهمات(50 ). وهذه جمعت المهمات والتتمات، ولهذا قال عليه السلام : ( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) و( مثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا ) إلى قوله : ( فكنت أنا تلك اللبنة)، يريد عليه السلام، أن الله عز وجل أجرى على يده وصف الكمال ونكتة التمام، ويلزم من حصول نكتة الكمال حصول ما قبلها من الأصل دون العكس " (51 ).

 

 

05-11-2007 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=159