/

 

 

ظاهرة التكفير في الأدبيات الفقهية

عبد الرحمن حللي

تعود جذور ظاهرة التكفير من حيث التاريخ إلى الخلاف بين على ومعاوية وظهور فكرة التحكيم والخروج على الإمام وادعاء أن التحكيم كفر لأنه احتكام إلى الرجال فكانت الخوارج هي رائدة الفكرة ( 1) ، واتسعت الظاهرة مع تشعب الأفكار وظهور الفرق الإسلامية حيث شكلت مناخاً خصباً لها فاتخذت طرقاً أخرى متعددة تبدو واضحة من خلال كتب التراث الفقهي والكلامي ـ لا سيما تلك التي كتبت في عصور التعصب المذهبي العنيف ـ فتبادل الفقهاء نوعاً من التهم ، وتبادل أصحاب العقائد مثل ذلك وتلقف البسطاء من الخلف هذه التهم وأسرفوا في الاعتداد بها حتى جعلوها معيار ما يقبل من الآراء ويرفض ( 2) .

هذا التوسع في التكفير - الذي يعني بطبيعة الحال الحكم بالردة على من اتهم بالكفر - يعتبر وجهاً من وجوه التناقض في اجتهادات الفقهاء حيث إن الرؤية السائدة في الفقه الإسلامي تبدو ظاهرة في الميل إلى تضييق توقيع العقوبات ويظهر التوسع في مختلف المذاهب الإسلامية في إعمال قاعدة درء الحدود بالشبهات ، لكن اتجاهاً مغايراً يظهر في شأن الردة فثمة توسيع في التجريم يترتب عليه توسع في تقرير وجوب العقاب ( 3) .

وقد ازداد الأمر سوءاً في العصور المتأخرة لا سيما مع ظهور خارطة جديدة للاتجاهات الإسلامية متمثلة بالمذاهب القديمة المتجددة بأثوابها ومظاهرها وأسمائها ، والتي دخل معظمها معترك السياسة مع أو ضد الحكومات ، واستخدامها العنف خدمة للسياسة وبغطاء ديني ؛ نتيجة لذلك ولردود أفعال مختلفة ولدت جماعات سياسية في أواخر القرن العشرين جعلت التكفير أساساً في تفكيرها ومقوماً لوجودها ، وكان أبرزها (جماعة المسلمين) والتي سمتها وسائل الإعلام ( جماعة التكفير والهجرة ) بناء على بعض أفكارها ودعوتها ، إذ تعتبر نفسها الفئة المؤمنة ومن هو خارج عنها غير منتسب إليها كافر ، ولم تكتف بتكفير مسلمي عصرها بل رجعت إلى التاريخ الإسلامي لتطلق الكفر على عصوره منذ القرن الرابع الهجري ، وقد كفرت من ارتكب المعاصي ومن لم يحكم بالكفر على من يرونه كافراً .. ( 4)، ولئن كانت هذه الجماعة ظاهرة التطرف في التكفير وقليلة الأتباع في وقتها فإن ظاهرة التكفير لا تزال تميز العديد من الجماعات السياسية الإسلامية .

وليست ظاهرة الإقصاء مقصورة على الجماعات السياسية بل هي تيار تعاني منه معظم المذاهب والطوائف الإسلامية ، وكانت الصبغة السياسة دافعاً مؤكداً له ، كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الظاهرة( التكفير= الإقصاء ) ليست مقصورة على التيارات الإسلامية بل تشمل معظم التيارات الفكرية والسياسية الأخرى وإن اختلفت الصيغ فالمحتوى واحد ، وهذه المقارنة مهمة إذ تكشف عن عقلية وثقافة اجتماعية واحدة اختلفت مظاهرها ، لكن هذه المقارنة ليست موضوع شغلنا الآن ، إنما ننتقل إلى سبر أغوار الظاهرة في التراث الفقهي بمختلف مذاهبه ثم ننظر فيما وضعوه من ضوابط للحد منها .

التكفير من منظور الفقهاء:

لعل فقهاء الحنفية من أكثر الفقهاء توسعاً في التكفير مما لم يقبله الحنفية أنفسهم ، فكانت لهم مواقف مختلفة من هذا التوسع بين مبرر له أو منكر ، لذا وضع بعضهم ضوابط لذلك لم نجدها عند غيرهم من الفقهاء ، فمنهم من عزا هذا التوسع إلى من ليس بفقيه ، وأنه لا عبرة بكلام غير الفقهاء ( 5)، ورفض آخرون هذا التوسع باعتباره خالياً من الأدلة وغير منسوب إلى قائل بعينه ولاحظ أن المسائل الاعتقادية تحتاج إلى أدلة قطعية وأن في تكفير المسلم مخاطر ومفاسد كبيرة (6 ) ، وقالوا إن المسألة المتعلقة بالكفر إذا كان لها تسع تسعون احتمالاً للكفر واحتمال واحد لنفيه فالأولى للمفتي والقاضي أن يعمل بالاحتمال النافي (7 )، وأنه لا يفتى بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في تكفيره اختلاف ولو رواية ضعيفة ( 8) و أضاف البعض : ولو كانت الرواية لغير أهل المذهب (9 ) .

لقد كان توسع الحنفية في المكفرات حافزاً للنقد وضبط هذا التوسع الذي جرى تناقله في المدونات حتى العصور المتأخرة ؛ بينما أحجم فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة عن التوسع في المكفرات إلى حد ما مقارنة بالحنفية ، بل كانت لهم مواقف نقدية منهم ، وأكدوا في نصوص عديدة على ضرورة الحذر في التكفير وعدم إطلاقه إلا عند وجود دليل قطعي عليه (10 ).

أما فقهاء الإمامية فبالرغم من أنهم اشترطوا فيما يكفر جاحده أن يكون ثابتاً في دين الإسلام بطريق القطع والجزم عند جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم أصلاً كان هذا الشيء أو فرعاً أو إنكاراً لما علم من الدين بالضرورة (11 )، فإن مصادرهم تذكر من المكفرات مسائل خاصة ربما لم تثبت إلا بمنظورهم فضلاً عن أن تصل إلى مرتبة الجزم والقطع الذي اشترطوه ، كما فعل صاحب ( مستدرك الوسائل ) فقد ذكر فيما يزيد على عشرة صفحات مسائل مؤيدة بنصوص تقرر تكفير منكر حديث الغدير وتكفير النواصب ومن نازع علياً الخلافة وتارك ولاية علي والمرجئة والقدرية ومنتقص الأئمة ومن زاد في عددهم ومن فضل واحداً من الصحابة على علي ، وتكفير من لم يؤمن بإمام الزمان ( 12)، والسؤال المطروح هنا هو الموقف من هذه النصوص وأمثالها في السند في مواضع أخرى ، وكذلك بالنسبة لغيرهم الذين لم يعدموا نصوصاً نسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكفر بعض الفرق والمذاهب مسبقاً قبل ظهورهم وبأسمائهم .

إن هذه الإطلالة على موقف الفقهاء من ظاهرة التكفير تكشف عن محور أساسي ينطلق منه الفقيه أو المتكلم في تكفير الآخر ، هذا المحور هو دائرة المذهب أو الفرقة ، يظهر ذلك من خلال منتقدي المذهب - من أتباعه - لتوسيع دائرة التكفير ، وترجيح كفة الرحمة والشمول بالإسلام لمن وافق مقولة مذهب آخر تحتمل وجهاً من الصحة.

وفي هذا الإطار يلاحظ على منهج الفقهاء في التكفير إحلال الألفاظ مكانة أساسية تفوق النية والقصد في الحكم بالكفر فهناك من الألفاظ ما هو صريح بالكفر وهناك أخرى محتملة ، والأمر نفسه بالنسبة للأفعال ، بينما يغيب الإنسان والقرائن الشخصية التي تحدد مدى تعبير تلك الألفاظ عن القصد للكفر من عدمه ، والغريب أن هذه القرائن قد اعتبرها الفقهاء في المعاملات والعقود المدنية وأهملوها في العقد الأهم وهو عقد الإيمان .

رغم هذا التوسع لاحظ الفقهاء أن التكفير فتنة وأمر خطير يهدد وحدة الأمة وهو ما يظهر من تحذيرهم من التساهل في إطلاقه ، ومحاولتهم وضع ضوابط للحد منه وتحديد السياج الذي إذا خرج المسلم منه فقد هويته الإسلامية . لكن السؤال الذي يطرح هنا هو هل يمكن الاعتماد على الضوابط التي ذكروها ؟ وهل ما ذكروه من ضوابط مضبوطة بذاتها ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال بحث تلك الضوابط التي أجملناها في أربعة :

1-لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة :

لما كان التكفير منتشراً أشد انتشار بين الفرق الإسلامية التي كان الخلاف بينها مبنياً على مسائل اجتهادية تتعلق بالعقائد ، وضع المتكلمون ضابطاً للفرق الإسلامية التي كان خلافها مما يحتمل الاختلاف فيه لئلا يقعوا في تكفيرهم وسموهم (أهل القبلة) أخذاً من قوله :  :"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تحقروا الله في ذمته " ( 13).

وقد بقي هذا الضابط عاماً ضبابياً لم يأخذ حقه من الوضوح ولم يخل من الاستثناء والقيود كما أن من المعاصرين من وسعه ليشمل كل من ادعى الإسلام ولو لم يؤمن بأساسياته ؛ فبينما يرى السابقون أن أهل القبلة هم من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء والمعاصي ما لم يكذب بشيء مما جاء به النبي  (14 )، أو هم الذين اتفقوا على ما هو من ضرورات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد وعلم الله بالكليات والجزئيات وما أشبه ذلك من المسائل ( 15) يرى بعض المتآخرين أن أهل القبلة هم الذين ينسبون إلى الدين الإسلامي جميع معتقداتهم سواء أكانت صحيحة أم باطلة ، ويُفهم ذلك من تعظيمهم معتقداتهم باسم الدين الإسلامي بينهم ، وبناء عليه يدخل في المسلمين من اعتقدوا الألوهية في شخص من البشر أو قالوا بتعدد الآلهة إذ إنهم لم يريدوا باعتقادهم الخروج من الدين بل وقعوا في ذلك بسبب تدينهم وتمسكهم بدينهم ( 16)..

وقد كانت نصوص القدامى حول هذا الضابط اكثر تقييداً واستثناء حتى إن بعضها كان يستثني أفكاراً كانت ترمز إلى تيارات ومذاهب بعينها ، وبالعودة إلى تلك النصوص نجدها تعود إلى تفسيرات لبعض الصحابة كالذي ورد عن ابن عباس في قوله تعالى : (( فإن تابوا وقاموا الصلاة فإخوانكم في الدين )) [التوبة : 11] قال : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة ( 17)، وقد نسب هذا الضابط إلى جمهور الفقهاء والمتكلمين ( 18)، وأنه قاعدة من قواعد أهل السنة ( 19)، وحدِّد أهل القبلة بأنهم من اعترفوا بما جاء به النبي  وصدقوا بما قال به وأخبر ، وبهذا يسمون مسلمين مؤمنين (20 ).

إلا أننا نجد في بعض النصوص ما يفرغ هذا الضابط من أن يكون ضابطاً إذ "المراد بعدم تكفير أهل القبلة عند أهل السنة أنه لا يكفر ما لم يوجد شيء من أمارات الكفر وعلاماته"( 21) وربما عُدِّدت بعض المكفرات لأهل القبلة كنفي الصانع أو إنكار النبوة أو ما علم مجيئه  به ضرورة أو لمجمع عليه كاستحلال المحرمات أو استحلال بعض الذنوب أو إنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها فإنه حينئذ يكون مكذباً للشرع ( 22).

هذه النصوص تدلنا على أن هذا الضابط قد نشأ لاعتبارات كلامية تتعلق بمنهج البحث في العقائد إذ إن المسائل التي اختلف فيها من كون الله عالماً بعلم أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيز .. وغيرها من المسائل لم يبحث فيها النبي  عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ، فعلم أن الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام (23 ) فأصبح مصطلح أهل القبلة غطاء للاجتهاد في القضايا الخلافية في علم الكلام ؛ لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً ما هي حدود ضابط أهل القبلة هل يشمل كل من اتجه إلى الكعبة في عبادته أياً كانت فرقته ومذهبه ؟ إذا كان الأمر كذلك كما يشير المصطلح فماذا تعني الاستثناءات ؟

إن هذا الضابط المتكرر في مختلف المدونات يؤكد الحرص على على الضبط وحماية المجتهدين في العقائد من تهم التكفير ، إلا أن الكثير من النصوص حوله تؤكد تفريغه من كونه ضابطاً حيث أصبحت الاستثناءات (المكفرات التي تلحق أهل القبلة) هي نفسها الي ترد على مصطلح الإسلام .

2-لا يُكَفَّر المتأول :

هذا الضابط ذو صلة بالضابط الأول من حيث الهدف منه ، إذ يمنع من تكفير من تبنى رأياً بناء على اجتهاد أو تأويل ، وإن كان اجتهاده فاسداً وهوضابط مختلف فيه ، يشرح القاضي عياض الموقف من هذا الضابط : "فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده .. وعلى اختلاف السلف اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك فمنهم من صوَّب التكفير الذي قال به السلف ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم عن سواء المؤمنين وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين … والذي يجب الاحتراز عن التكفير في أهل التأويل فإن استباحة دم الموحدين خطأ والخطأ في ترك ألف كافر أهون من سفك محجة من دم مسلم واحد .. "( 24) ويعزو اختلافهم إلى سببين : النظر لمآل كلام المتاول والنظر لما أصَّلوه من تأويلهم ، ويرجح ما ذهب إليه أكثر الفقهاء والمتكلمين من ترك إكفار المتأولين ( 25) .

وإنا لنجد بعض المواقف تؤكد هذا الاتجاه :

• عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا أشد المحرمات القطعية وهو قتل المسلمين وذلك بتأويل منهم ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما دفع بغيهم ( 26).

• يقول ابن تيمية : "وإذا كان هؤلاء – يعني الخوارج – الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم ، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فبها من هو أعلم منهم ، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة ، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أصلاً وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ ، والغالب أنهم جميعاً جهال في حقائق ما يختلفون "( 27)، والسؤال هنا حول حدود كلام ابن تيمية أي تأويل يقصد وأي الفرق يعني ؟ وهو المعروف بمواقفه من بعض الفرق .

• عدم تكفير مانعي الزكاة باعتبارهم من المتأولين في موقفهم ، وإنما سموا مرتدين لغة ، وتغليباً للمرتدين حقيقة لاشتراكهم في بعض ما منعوه (28 ).

• عدم تكفير عبد الرحمن بن ملجم مستحل قتل علي وقاتله ، فقد أوصى علي بالقصاص منه ولم يتحدث عن ردته أو قتله لكفره ( 29).

• عدم تكفير قدامة بن مظعون وأبو جندل بن سهيل وضرار بن الخطاب ، وهم من الصحابة قد شربوا الخمر مستحلين لها بتأويل ، لذلك أقام عليهم عمر عقوبة الشرب ، ولم يحكم عليهم بالردة ( 30).

• يقول الشوكاني مستنكراً تكفير المتأولين :"لو صح هذا لكان غالب من على ظهر البسيطة من المسلمين مرتدين ، لأن أهل المذاهب الأربعة أشعرية وماتريدية ، وهم يكفرون المعتزلة ومن تابعهم ، والمعتزلة يكفرونهم، وكل ذلك نزعة من نزعات الشيطان الرجيم ، ونبضة من نبضات التعصب البالغ والتعسف العظيم" (31 ).

إن هذه النصوص والمواقف تؤكد الحرص على حماية المجتهد وحق المخالف حتى لو جنح في رأيه بعيداً ضمن ما أطلقوا عليه التأويل ، لكنا لا نجد حدوداً لهذا التأويل ، فبينما يرى البعض أنه لا يجري إلا على غير قطعي الدلالة( 32)، نجد من الفرق الإسلامية من تأول النصوص القطعية الدلالة ، والموقف من تكفيرها هو موضوع النصوص والمواقف التي سبق ذكرها ، مما يدل على أن ظروف نشأة هذا الضابط تدل على أنه كان مساهمة في الحد من انتشار فتنة التكفير ، وهو ذو أهمية كبيرة من حيث تعويله على المنهج في تبني الآراء ، لا على الأراء نفسها ، لذا فهو جدير بالاهتمام والبحث .

3- لا يُكَفَّر بلازم المذهب:

هذا ضابط آخر يتعلق بالمسائل الاجتهادية العقدية ، ومفاده أنه لا يحكم على اصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه لا سيما إن كانوا ينفونه ، وهذا إنما يجري في الحكم بالكفر دون المحاجة والنقاش ، وهو ضابط غير متفق عليه ، وقد بسط الحديث فيه ابن دقيق العيد : " وقد اختلف الناس في التكفير وسببه حتى صنف فيه مفرداً والذي يقع النظر في هذا أن مآل المذهب هل هو مذهب أو لا ؟ فمن أكفر المبتدعة قال : إن مآل المذهب مذهب ، فيقول المجسمة كفار لأنهم عبدوا جسماً وهو غير الله فهم عابدون لغير الله ، ومن عبد غير الله كفر ، ويقول المعتزلة كفار لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها ، ومن أنكر أحكامها فهو كافر ، وكذلك المعتزلة تنسب الكفر إلى غيرها بطريق المآل " (33 ) ، وذكره الشافعية أيضاً عند الحديث عن الكفر باعتقاد النقص بالله : " إما أن يعتقد اتصاف الله عز وجل به صريحاً أو لازماً ، فالأول كقر إجماعاً والثاني كذلك على خلاف فيه الأصح منه عندنا عدم الكفر ، فعلم أن المجسم أو الجوهري لا يكفر بما يلزم من مقالته من النقص إلا إن اعتقده او صرح به"(34 ).

ويعتبر هذا الضابط ذا أهمية من حيث تحديده للمقولات التي يمكن التعويل عليها في معرفة مواقف الآخرين ، وإن كان المؤلف أو القائل مسؤولاً عن نصه أو مقولته أو لا ، فإن قصد المؤلف أرجح من لوازم مقولته في تحديد موقفه من قضية ما، من هنا فإن البناء على لوازم كلام مذهب ما لا يلزم أصحابه مالم يصرحوا بالتزامهم بما نسب إليهم من دلالة لمقولتهم ، ولعل الاختلاف حول هذا الضابط وعدم الالتزام به يفسر جانباً من الشطط في التكفير والإقصاء والمحاكمة بناء على أفكار لم يقل بها أصحابها ، وهذا ما نجده حاضراً في نماذج عديدة في التاريخ الإسلامي الماضي والمعاصر .

4- ضابط القطعي من العقائد والأحكام التي يُكَفَّرُ منكرها:

بشتمل الإسلام على مجموعة من العقائد والأحكام التي تميزه عن غيره من الأديان ، وقد اختلفت التعابير في تحدبد ما هو قطعي وأساسي منها بحيث يعتبر منكرها خارجاً عن دائرة الإسلام ، فالبعض يعتبر الضابط هو الإجماع ، وآخرون يعتبرونه التواتر ، والشائع هو ما عُلم من الدين بالضرورة .

وفي تقييم هذا الضابط نبدأ بالإجماع وحجيته التي هي محل اختلاف فضلاً عن أن تكون ضابطاً للقطعي ، يتساءل محمود شلتوت حول ذلك : " لا أكاد أعرف شيئاً اشتهر بين الناس أنه أصل من أصول التشريع في الإسلام ثم تناولته الآراء ، واختلفت فيه المذاهب من جميع جهاتها كهذا الذي يسمونه الإجماع ، فقد اختلفوا في حقيقته – واستعرض تعاريفه – واختلف الذين قالوا بجميع تعاريفه في تصور إمكان وقوعه أو لا ، واختلف الذين قالوا بإمكان وقوعه الاطلاع عليه حجة شرعية أو لا ؟ ، واختلف الذين قالوا إنه حجة شرعية هل تثبت حجيته بدليل قطعي يكفر منكره أو بدليل ظني لا يكفر منكره ؟ ، وهل يشترط في نقله التواتر ؟ ، وهل يشترط في عدد المجمعين التواتر ؟ ، وهل يشترط التصريح أو يكفي السماع والسكوت ؟ ، واختلفوا فيما يكون فيه من أحكام العمليات أم العلميات أيضاً " (35 )ثم يتايع محللاً ومعللاً : " .. ولعل اختلاف العلماء في الإجماع من جميع نواحيه يفسر لنا ظاهرة منتشرة في كتب القوم وهي حكاية الإجماع في كثير من المسائل التي ثبت أنها محل خلاف بين العلماء ، وذلك من جهة أن كل من حكى الإجماع في مسألة هي محل خلاف قد بنى حكايته على ما يفهمه هو أو يفهمه إمامه أو الطائفة التي ينتمي إليها في معنى الإجماع وما يكفي لتحقيقه وقد تأثر بهذه الظاهرة المتأخرون فتوسعوا فيها تأييداً لآرائهم في المسائل الخلافية سواء في علم الفروع أو أصول الأحكام ، ولقد كان في وسعهم أن يقيدوا ذلك بالإجماع الطائفي أو المذهبي ولكنهم قصدوا أن يرسلوا كلمة الإجماع ليسجلوا على المخالف لوازمها الشائعة بين الناس من مخالفة سبيل المؤمنين ومشاقة الله ورسوله وخرق اتفاق الأمة إلى غير ذلك .. "( 36).

نلاحظ من هذا التحليل أن الإجماع تحول من ضابط للتكفير إلى مثار له يكرس التمزق من خلال توسيع دائرته إلى مسائل خلافية جزئية ، لذلك نجد من الفقهاء من قيد الإجماع بأن يكون متواتراً ومنع التكفير لمجرد الإجماع كقول ابن عابدين : " والحق أن المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الخمس وقد لا يصحبها ، فالأول يكفر جاحده لمخالفة التواتر لا مخالفة الإجماع " (37 ) .

ويتجه فريق آخر من الفقهاء إلى اشتراط أن يكون المجمع علبه معلوماً من الدين بالضرورة ، حيث وصف الإجماع بأنه : " علم من الدين ضرورة ، أي علم ضرورة حال كونه من الدين، أي علم علماً يشبه الضروري في معرفة العام والخاص له لأن أحكام الدين نظرية في الأصل لا ضرورية ، فخرج ما أجمع عليه ولم يكن معلوماً بالضرورة كإعطاء السدس لبنت الإبن مع وجود البنت ، وما علم ضرورة وليس من الدين ولا يتضمن تكذيب قرآن أو نبي كإنكار قتل عثمان وخلافة علي " ( 38) ؛ أما نصوص المتكلمين فكانت أوضح فاستعملت مباشرة مصطلح ( ما علم من الدين بالضرورة ) باعتباره أشمل من الإجماع والتواتر (39 ) .

من مجموع ما ذكر نتبين أن الذي اتفق عليه ضابطاً للقطعي الذي يكفر منكره هو الإجماع المقترن بالتواتر المعلوم من الدين بالضرورة ، ويقصد به المسائل الدينية التي اشتهر أنها من الدين ويعلمها جميع الناس بحيث أصبح علمهم بها كعلمهم بالضروري الذي يعرف بالحس المباشر .

والسؤال الذي ورد مسبقاً حول الإجماع يرد هنا حول ما علم من الدين بالضرورة حيث نجد تفاوتاً فيما يطلق عليه هذا الوصف من الأحكام ، يختلف حسب المذاهب والفرق الإسلامية ، وحسب الثقافات التي تختلف من مكان لآخر في العالم الإسلامي ، إذ يلعب المجتمع دوراً كبيراً في ذلك التفاوت .

الخاتمـة :

إن الضوابط التي عرضنا لموقف الفقهاء منها إنما تشير إلى شعورهم بضرورة تحصين المجتهد من تهم التكفير والخروج من الدين ، لكن واقع الحال وما دونوه من استثناءات يفسر عدم فاعلية هذه الضوابط إذ هي مجرد محاولة للحد من فتنة التكفير ومواجهتها ، ولعل المأزق الحقيقي الذي يكتنف هذه الضوابط هو كونها وضعت لضبط ما يخدش هوية المسلم الغير مضبوطة أصلاً ، فجاء الضبط الفقهي يستند إلى الحاصل من التصورات التاريخية وضمن سياقاتها المذهبية والفقهية ، فكان ضبطاً لا باعتبار السؤال:من هو المسلم ؟ إنما:بم يصبح المسلم كافراً؟ وهذا ما يحيل على إشكالية الهوية وبم يتم تعريفها ، وهل هي فيما يخص المسلم هوية مغلقة كما تعينت في التاريخ وبالتالي هي هويات وليست هوية واحدة ، أم هي أفق مفتوح على الحق المتعالي كما يطرحه النص الإسلامي ويطلب من الإنسان السمو إليه بشكل دائم ؟، إن الإجابة عن هذا الإشكالية تقتضي مقاربة مصطلح الإسلام في النصوص وصلته بالمفاهيم القرآنية العديدة ذات الصلة والتي يمكن من خلالها بناء تصور متماسك لمفهوم المسلم كما يطرحه القرآن .

.................................................................

الهوامش

(1 ) انظر : البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ط . دار الكتب العلمية – بيروت ، ص: 49-50 . - سالم البهنساوي ، الحكم وقضية تكفير المسلم ، ط . دار البشير – عمان ، ص:15 .

( 2) انظر : محمود شلتوت ، الإسلام عقيدة وشريعة ، ط . دار الشروق – القاهرة ، ص : 70 .

( 3) انظر : محمد سليم العوا ، في أصول النظام الجنائي ، ط . دار المعارف – القاهرة ، ص : 161 .

(4 ) انظر: مستقبل الأصولية في العالم العربي /ملف من إصدار مركز المعلومات العربي – بيروت ، ص : 47 . - الحكم وقضية تكفير المسلم (م.س) ، ص : 10-12 ، 40-41 .

( 5) انظر : ابن الهمام ، شرح فتح القدير ، ط . دار إحياء التراث العربي – بيروت ، 5/334 .

( 6) انظر : السعد التفتازاني ، شرح العقائد النسفية ، د.ط ، ص: 154 .

( 7) انظر : ملا علي القاري ، شرح الفقه الأكبر ، ط . البابي الحلبي – القاهرة ، ص : 162 .

( 8) انظر : ابن نجيم ، البحر الرائق ، ط. دار المعرفة – بيروت ، 5/134-135 .

( 9) انظر : ابن عابدين ، رد المحتار على الدر المختار ، ط. البابي الحلبي – القاهرة ، 4/230 .

(10 ) انظر : القاضي عياض ، الشفا ، ط. دار الكتاب العربي – بيروت ، 2/1065 . - ابن حجر الهيتمي ، تحفة المحتاج ، ط. دار صادر – بيروت ، 9/88 .

(11 ) انظر : الحلي ، قواعد الأحكام ، ضمن موسوعة الينابيع الفقهية ، ط.دار التراث -بيروت ، ص : 435 . - العاملي ، اللمعة الدمشقية ، ط. دار إحياء التراث العربي – بيروت ، 9/333 . - محمد جواد مغنية ، فقه الإمام جعفر الصادق ، ط. دار الجواد – بيروت ، 6/309 .

( 12)مستدرك الوسائل ، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم ، 18/173-183 .

(13 ) البخاري ، ت:مصطفى البغا ، ط.دار ابن كثير – دمشق ، 1/153 (384) .

(14 ) انظر : أبو العز الحنفي ، شرح العقيدة الطحاوية ، ط.مكتبة دار التراث – القاهرة ، ص: 247 .

(15 ) شرح الفقه الأكبر (م.س) ص: 154 .

(16 ) انظر : علي قدسي ، الفرق الإسلامية كلهم مسلمون ، ط. الهاشمية – دمشق ، ص : 5-6 .

(17 ) انظر : الطبري ، التفسير ، ط. دار الفكر- بيروت ، 6/86 .

( 18)انظر : العضد الإيجي ، المواقف ، ط. عالم الكتب – بيروت ، ص: 392.

(19 ) انظر : شرح العقائد النسفية (م.س) ، ص: 260

(20 )انظر :شرح العقيدة الطحاوية ( م.س) ، ص: 247 .

( 21) شرح الفقه الأكبر (م.س) ص: 154 .

( 22) انظر : المواقف (م.س) ، ص:430 . - شرح العقيدة الطحاوية (م.س) ،ص : 247 . - ابن دقيق العيد ، إحكام الأحكام ، ط.دار الكتاب العربي – بيروت ، 4/77 .

( 23) انظر : المواقف (م.س) ، ص : 392 .

(24 ) الشفا (م.س) ، 2/1051،1056،1058 .

( 25) انظر : الشفا (م.س) ، 2/1085 .

(26 ) انظر : ابن قدامة المقدسي ، المغني : 10/85 ، ومعه الشرح الكبير :10/70 ، ط.دار الكتاب العربي – بيروت .

(27 ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، ط. السعودية 1398 هـ ، 3/282 .

(28 ) انظر : الرملي ، نهاية المحتاج ، 7/393 . -النووي ، شرح صحيح مسلم ، ط. دار إحياء التراث – بيروت ، 1/204 .

- ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، ط.دار الريان – مصر ، 2/288 .

(29 ) انظر : المغني (م.س) ، 10/85 . - ابن كثير ، البداية والنهاية , ط. دار الكتب العلمية –بيروت ، 7/339 .

(30 ) انظر: المغني (م.س) ،10/86 .- ابن حجر العسقلاني ، الإصاية ، 3/220 ، ومعه الاستيعاب :4/34 ، ط. دار الكتاب العربي– بيروت.

(31 ) الشوكاني ، السيل الجرار ، ط. دار الكنب العلمية – بيروت ، 4/373 .

( 32) انظر : محمد رشيد رضا ، تفسير المنار ، ط:4 ، دار المنار – مصر ، 8/602 .

(33 ) (إحكام الأحكام (م.س) : 4/76-77 .

(34 ) ابن حجر الهيتمي ، الزواجر ، ط . دار المعرفة – ببروت ، 1/29 .

( 35) الإسلام عقيدة وشريعة (م.س) ، ص : 80 .

( 36) ن.م ، ص : 82 .

(37 ) رد المحتار على الدر المختار (م.س ) ، 4/223 . وانظر : إحكام الأحكام (م.س) : 3/84-85 .

(38 ) الشرح الكبير : 4 / 303 . وانظر : الشفا (م.س) :2/1079 . -النووي ، روضة الطالبين ، ط. المكتب الإسلامي – بيروت ، 2/146 ، 10/65 . - شرح صحيح مسلم (م.س) : 1/205 . -ابن مفلح ، الفروع ، ط.عالم الكتب – بيروت ، 6/165 . - الزواجر (م.س) : 1/29 . - اللمعة الدمشقية (م.س) : 9/335. - المنار (م.س) :7/202.

(39 ) انظر : المواقف (م.س ) ص:388. - شرح العقائد النسفية (م.س ) ص: 258 .

 

 

24-01-2008 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=165