/

 

 

منهجية الرسالات ودلالات ختم النبوة

عبد الرحمن حللي

بدأت رسالة الإنسان عندما ختمت الرسالات وأصبح كل فرد رسالياً من غير رسول، وذلك بما يمتلكه من مؤهلات سما بها عن سائر المخلوقات، فعُلِّم الإنسان الأسماء وأنزلت عليه الكلمات والكتاب، وكُلِّف بالسير والنظر في آفاق الكتابين المسطور والمعمور، فآفاق المعرفة الكونية مفتوحة إذ النظام الكوني من الإحكام ما لا يحيط به الإنسان، وآفاق المعرفة القرآنية مفتوحة أيضاً فالنص القرآني محكم إحكاماً يجعله لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، وبالتالي فختم النبوة جعل آفاق الإنسان بلا حدود، وكل سعي لتطويق المعرفة الدينية أو الكونية هو قتل لآفاق الإنسان التي فتحها الإسلام للإنسان...


تمهيد: 
ارتبط الإنسان منذ النشأة بالوحي الإلهي، وظل طيلة التاريخ يتطلع لمعرفة الغيب ومساءلة الكون عن أسراره واكتشاف قوانينه، هذا التطلع هو فطرة الإنسان الباحثة عن الخالق ومسير الكون، وقد أُحكمت سنة الله في التاريخ أن يكون اتصال الإنسان المباشر بالله مؤقتاً، فبعث الأنبياء عبر التاريخ يبلغون رسالاتهم وهم يتطلعون إلى عهد نبي يختم النبوة ورسالة تختم الرسالات، ليكون العهد بعدها في ذمة الإنسان يبحث عن هدي الله وأسرار الكون من خلال ما أوتي من إمكانات وما امتلكه من مفاتيح الرسالات، فبختم النبوة انتهى دور الأنبياء المباشر وتم تحرير الإنسان من الوسطاء وربطه بالمطلق من خلال ما امتلكه من مفاتيح، هذا الأفق إنما بدأ باكتمال الدين وختم النبوة والرسالة الخاتمة التي استندت إلى خصائص تميزت بها جعلت من الدين أفقاً متعالياً يخاطب الإنسان ويشده إليه من غير وساطة مصطفين من البشر، فكانت ديناً يختزل الأديان ورسالة تختزل الرسل، وكتاباً يهيمن على الكتب ويسترجع تاريخ العالم الروحي ليصهره في خط واحد يؤول إلى مسؤولية الإنسان في علاقته بالإسلام.
هذه الروح الجديدة في عالم الأديان تستدعي مساءلة هذا الدين الخاتم الذي يطرح نفسه على أنه دين الله الواحد عبر التاريخ عن خصائصه التي أهَّلته لقلب مفهوم الدين في العالم وإلغاء الوساطة بين الله والبشر، ومن ثم محاولة فهم منهجية الرسالة الخاتمة في ضوء منهجيات الرسالات السابقة، ودلالات ختم النبوة في التاريخ الديني، وعليه ستركز هذه المقاربة على العناصر التالية:
1-الخصائص العامة للرسالة الخاتمة.
2-منهجية الرسالات والرسالة الخاتمة.
3-دلالات ختم النبوة.

1 - الخصائص العامة للرسالة الخاتمة:
الخصائص التي تميز الرسالة الخاتمة ودين الإسلام عن غيره من الأديان عديدة ومتنوعة وقد كثر الحديث عنها لكن سنركز هنا على عنوانين مركزيين، وهما التوحيد الإسلامي وعالمية الرسالة: 

التوحيد الإسلامي :
لعل أبرز خاصية يذكر بها الإسلام عندما يقارن بغيره من الأديان هي التوحيد، ولئن كان التوحيد كعنوان عام تشترك فيه مختلف الأديان لاسيما ذات الأصل السماوي، فإن للتوحيد في الإسلام خاصية تميزه عن غيره بل ربما تتنافى مع دعوى التوحيد لدى غيره وذلك بما له من بساطة وشمولية تؤسس للتفكير الإسلامي في النظر إلى الحياة والكون، فوحدانية الله ليست مجرد نفي للشريك أو الولد أو المثيل فقط، أو تعريف عددي لله، بل هي دعوة لجعل الواحد هو العامل المحرك في حياة الفرد والمجتمع بحيث يمكن رؤية وحدانية الله في الذات المتكاملة حقاً، وأسماء الله الحسنى في القرآن تلعب دوراً في التسامي في تصور وحدانية الله وشموليتها، وما كثرة الأسماء هذه إلا تعبير عن رفض التعريف المبسط لله، وما الشهادة كركن من أركان الإسلام إلا تأكيد من المسلم لوجود الله واعتراف منه بأنه الحقيقة الوحيدة، والوجود الكامل الحق الوحيد، فينبغي أن يجعل الله فقط بؤرة التركيز في حياة المسلم والأولوية الوحيدة، وسيغدو مفهوم وحدانية الله هو الأساس الأخلاقي في القرآن، والشرك هو الخضوع لسلع مادية أو وضع الثقة بمخلوقات دنيا(1) ، ويمكن لأي متأمل في آيات التوحيد في القرآن أن يلاحظ هذه المعاني لوحدانية الله وحضوره في حياة المسلم، ويمكن أن يلحظ هذا الحضور من خلال تواتر ذكر الله وصفاته في القرآن الكريم(2) .
والتنـزيه المطلق والتعالي هو أبرز ما يعرَّف به الله في التوحيد الإسلامي، والقرآن يرجع بهذا المعنى إلى التاريخ الإنساني ويعتبره تواصلاً مع التوحيد العام الذي جاء به الرسل(3) والذي تقبله فطرة الإنسان(4) ، من خلال هذا التعالي والتنـزيه في تصور الذات الإلهية يرجع القرآن إلى التوحيد الإبراهيمي الذي جاء به الرسل(59 متجاوزاً مفهومي الاختيار والعهد في التوحيد اليهودي ومحورية شخص عيسى المسيح في التوحيد المسيحي، معتبراً أن الإسلام هو التعبير الصحيح عن التوحيد الذي جاء به الرسل وإبراهيم –عليه السلام- بالأخص الذي ينسب إليه أهل الكتاب عقائدهم بطريقة حصرية(6) ، فعاد تصور الإله إلى التعالي والتنـزيه مع التوحيد الإسلامي بعد أن غدا إله الآباء في اليهودية والآب في المسيحية(7) ، ولم يقتصر التوحيد الإسلامي على العودة إلى التنـزيه المطلق بل تم تكريس ذلك من خلال نقد الموروث اليهودي والمسيحي فبين عصيان بني إسرائيل للأنبياء ونقضهم للميثاق الذي وسعه القرآن ليشمل محمداً وعيسى –عليهما السلام- وغيرهما، كما ركز القرآن على كسر مفهوم التثليث وما يتعلق به من اعتقاد في التجسد والتأليه وأكد بشرية المسيح(8) ، ((فالإسلام هو الشهادة القاضية بعبادة رب واحد أحد، وهو الشهادة أيضاً على تسليم الإنسان المطلق))(9) ، هذا التوحيد الإسلامي يفتح تطلع الإنسان إلى المطلق والحق المتعالي المسيطر على الكون والخالق المتصف برب العالمين(10) ، وصفاً يعكس طبيعة الإسلام الذي يدعو إلى هذا التوحيد ألا وهي العالمية التي يمتد بها القرآن إلى عمق التاريخ الإنساني وامتدادات الإنسان في الكون، بل تتعدى ذلك إلى جميع المخلوقات والكائناتوَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83] .

عالمية الرسالة الخاتمة :
بُعث الأنبياء في التاريخ وهم يحملون رسالة الله إلى الناس كلٌ من حيث بعث وأين وصل وبقدر ما أوتي من آيات وما امتلكه من مؤهلات، فكان الرسول لا يعدو حدود قومه وغيره تمتد دعوته إلى مساحة أوسع، وربما أسس دولة أو مملكة فنشر العدل بين الناس، وقد كانت مبادئ التوحيد والنبوات وأصول الشرائع واحدة في كل الرسالات مضموناً ومنهجاً إذ استند كل الرسل في دعوة قومهم إلى حثهم على النظر والتفكر والحوار في القضايا التي جاءوا بها واستثارة الفطرة لديهم وتحريك ضمائرهم، وقد خُصّت بعض الرسالات بآيات خاصة، فالدين الذي جاء به الرسل هو إنساني وعالمي بطبعه من حيث الأفكار والقيم المشتركة التي تشكل أسَّه، لكن عالمية هذه الأفكار في حينها كانت مقيدة بقدرات كل نبي والمساحة التي كلف بها والقوم الذين بعث فيهم أو وصل إليهم، وإن كان القرآن يحدثنا في دعوة كل رسول عن قومه ومعاناته فإنه لم ينف كون الرسول بلغ غير قومه، كما لم ينص أن دعوة الرسول مخصوصة بقومه، بل حدثنا عن رسل تجاوزت رسالتهم حدود القوم والبلد كما هو الشأن بالنسبة لموسى –عليه السلام- مع فرعون، وبشأن داود –عليه السلام- صرح القرآن بأمره بالحكم بين الناس، وسليمان –عليه السلام- وصل أمره إلى مملكة سبأ، ما نرنو إليه من هذا التأكيد هو بيان العمق التاريخي للرسالة الإلهية ببعدها الإنساني والعالمي الذي رافق الإنسان منذ تبليغه أول رسالة، فبقيت هذه الرسالة تتسع وتتكامل عبر التاريخ ومع تطور الإنسان وتجاربه في العلاقة مع الله، ولقد اكتسبت هذه التجارب خصوصيات تاريخية تستند إلى الجوانب التطبيقية والمنهجية والمضامين ذات الطابع النسبي المرتبطة بالزمان والمكان وقدرات الإنسان في عصر كل رسول، هذه الأبعاد التاريخية هي ما عبر عنه القرآن بالشرعة والمنهاج التي جُعلت لكلٍ، والمنسك الذي كلف أتباع كل رسول بنسكه، أو ما عبر عنه الفقهاء والأصوليون بالشرائع التي اختلفت باختلاف العصور إذ طابعها التغير حتى ضِمن دعوة كل رسول وفي نسق الرسالة العام الضابط لأصول الشرائع الثابتة، فكانت رسالة كل رسول حلقة تضاف في بناء دين الله الواحد العالمي، فكل رسول يأتي يسهم في هذا البناء من ناحيتين: الأولى بالتكامل مع نسق الرسالة الإلهية في حركة أفقية ذات بعدين الأول يرجع إلى التاريخ النبوي ويندمج مع الرسالات السابقة تصديقاً وتأكيداً وتواصلاً، والبعد الثاني لحركة الرسول الأفقية يستند إلى المستقبل وذلك بفتح آفاق الإنسان إلى غد يكتمل فيه دين الله وتختم الرسالات برسول ينهي دور الوسطاء بين الله والناس ويتولى الإنسان قيادة أمره والتعرف على المنهج الإلهي من خلال ما أُوتيه من كتاب وما امتلكه من عقل وفكر، هذه الحركة الأفقية لدعوة كل رسول هي ما عبر عنه القرآن بمفهوم التصديق والميثاق الذي أخذ على الأنبياء، أما الناحية الثانية التي تسهم بها دعوة كل رسول في بناء دين الله وتحقيق رسالته فتتم من خلال حركة عمودية تتميز بخصوصية تتمركز حول المحيط الذي باشر به الرسول دعوته وما يتطلبه من خصوصيات تؤهله لرفد الخط العام للرسالة الإلهية وتحقق خطوة عملية ترتقي بالإنسان ليرتقي ويتطور ويقدم تجربة دينية يبني عليها من يأتي بعده إلى أن يصل الإنسان إلى مرحلة يستغني بها عن الرسل ويتأهل لتقبل الرسالة الخاتمة التي بشر بها الرسل وتطلعوا إليها، فتكون بذلك دعوة كل رسول تشتمل على بعدين: عالمي من خلال الانخراط في خط الرسالة الإلهية العام والتكامل معها، وخصوصي يؤول إلى البعد الأول فيرتبط بمحيط الرسالة ويتم من خلاله تأهيل الإنسان ليشكل إضافة عملية تواكب مسيرة الرسالة نحو الختم، هذه المعادلة يُستثنى من بعض جوانبها طرفاها، أعني محور انطلاق الرسالة مع آدم باعتباره تأسيسياً إذ يغيب الجانب التصديقي إذ لا رسالة قبله، ومحور الختم إذ يعتبر مفصلياً يكمل الرسالة ويحول مجراها فيؤسس لمستقبل جديد مختلف عن النسق السابق.
فالرسالة الخاتمة تسترجع الرسالات وتنطلق ببعدها العالمي، لتكمل دين الإسلام الذي سيطرح على الناس باعتباره دين الله الواحد في التاريخ(11) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ[آل عمرن:19]، وفي المستقبلوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، وباعتبار أن دين الله واحد جاء به الرسل لكنه انحرف مع أتباع موسى وعيسى –عليهما السلام- ليشكل أتباعهما ديناً جديداً له خصوصيات - نقدها القرآن - جاء الرسول الخاتم ينتسب إلى سلسلة الأنبياء وإلى إبراهيم –عليه السلام- بالذات كونه المركز الذي لم تتحول دعوته إلى خصوصية بل بقي إبراهيم عالمياً يخاطب الناس وتنتسب إليه الأديان، فكان تجاوز القرآن النسبي لما بعد إبراهيم في الانتساب ليؤكد عالمية الرسالة الخاتمة ببعدها التاريخي(12) إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام:161] وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ[الحج:78]، وتكميلاً وتأكيداً لهذه العالمية نوَّه القرآن إلى فطرية الدين فهو مرتبط بخلق الإنسان وتكوينه  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[الروم:30]، وهذا البعد هو ما أشير إليه في بعد رمزي بأخذ الميثاق من بني آدم وهم في عالم الذر(13) .
العودة هذه إلى ما قبل اليهودية والمسيحية من الرسالة الإلهية والفطرة الإنسانية عبر عنها في القرآن بمفهوم الوسطية(14) الذي لا يعني التوسط بين حدين (اليهودية والمسيحية أو أي ثنائية أخرى) بل يحيط بهما تاريخياً ويهيمن عليهما مفهومياً، فالإسلام بالنسبة إلى غيره من الأديان هو من جنس الزاوية القائمة من حيث طبيعته المعيارية التي يقاس بالنسبة إليها الانحراف لأي من الجهتين، لذا فلا يمكن أن يعرَّف بأي من الانحرافين عنه(15) .
دين الإسلام هذا الذي التحم مع التاريخ الرسالي والفطرة الإنسانية كمعلَمين يؤكدان بعده العالمي، قد أكد هذه العالمية من خلال أبعاد رمزية تشير إلى اختلاف الرسالة الخاتمة عن النسق التوراتي للأديان الذي كان قد توهمه البعض من خلال التصديق لما قبل القرآن من رسالات، فتم تحويل القبلة من بيت المقدس مركز أهل الكتاب إلى المسجد الحرام والبيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل وأذن في الناس للحج إليه منذ عهد إبراهيم، في هذا التحويل إشارة واضحة إلى عالمية التوجه ومركزية الدين ووحدته، فتم القطع النسبي مع ما قد يوهم أو يوظف في توجيه الرسالة إلى مسار طائفي أو عنصري أو فئوي يبعدها عن تطلعها العالمي(16) .
تحويل القبلة هذا رمز مادي لتحول أهم يتمثل بالمنهج المعرفي الذي أسسه القرآن في ضوء نقد الموروث الروحي في التاريخ واسترجاعه في سياق ترميم ما طرأ على الرسالة الإلهية من تحريف، وإكمال الدين وختم النبوة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ ديناً  [المائدة:3]، ليتم بذلك ما تعهد به الله لهذا الدين من عالمية عبر نسخه للأديان والرسالات وإظهاره دين الحق من خلال الرسول الخاتم هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة:33، الفتح:28، الصف:9]، تكررت هذه الآية في القرآن ثلاث مرات بصيغة واحدة تأكيداً للعهد الإلهي بإظهار هذا الدين على سائر الأديان، ولأجل هذا الظهور كان خطاب التوجيه للرسول الخاتم –صلى الله عليه وسلم- يحمل هذا الطابع فغابت مفردة القوم(17) التي كانت تقترن بفعل أرسل المتعلق بالرسل السابقين ليحل مكانها لفظ الناس بالنسبة للرسول الخاتم مع تأكيد على إرساله إلى كافتهم ووصفت رسالته بأنها رحمة للعالمين(18) ، واتسمت رسالته بالشمولية التي تتناسب مع العالمية التي تتجه إليها(19) وهي شمولية لا ترجع إلى الكم التعليمي أو التشريعي إذ النص متناه والحياة متجددة، فآلت شمولية الكتاب والدين لكل شيء إلى المنهجية المعرفية القرآنية التي تميز الرسالة الخاتمة.


2- منهجية الرسالات والرسالة الخاتمة:
إن وحدة الدين وعالميته وعمقه التاريخي تجعل البحث في منهجية الرسالة الخاتمة مشروط بمعرفة منهجية الرسل السابقين، والبحث في منهجية الرسل مرتبط بشكل أساسي بما يعرف بالمعجزات لذا سنضبط منهجية الرسل في الدعوة أولاً لأنها جزء متداخل مع منهجية الرسالة الخاتمة.

منهجية الرسل في الدعوة :
يستعيد القرآن في تأسيسه المنهجي منهجية الرسل في الدعوة والتي تميزت بمحاور أساسية دالة عليها وهي:
• الدعوة إلى النظر والتفكر واستعمال العقل ونبذ التقليد(20) ، ويسلك القرآن لبيان ذلك تنبيه المتلقي إلى معارفه وتذكيره بما لديه من فكر وعلم بالدلائل على الله(21) ، فتكررت في القرآن مفردات من مثل (ألم تر / يروا ، ألم تعلم / يعلموا ..)(22) ، وكان مسلك الإسلام في الإصلاح الانطلاق من بيئة عصر النزول إقراراً لما هو صواب والتدرج في تغيير الخطأ.
• الدعوة للعودة إلى الذات والاحتكام إلى الفطرة والضمير(23) ، واعتبار التوحيد نتيجة طبيعية يؤول إليها تفكير الإنسان، باعتباره فطرة الله وصبغته التي خلق الناس عليها(24) ، فالدين هو عين الفطرة ، والإنسان مسلم بالطبع كافر بالمربى(25) .
• الدعوة إلى الحوار والجدل ونقد الأفكار وتحمل المسؤولية الفكرية تجاه المعتقد والدين الذي يتبناه الإنسان(26) ، ويمثل هذا الحوار جوهر الدعوة الإسلامية ومعيار مصداقية فطريتها واستنادها إلى العقل وحرية الانتساب إلى الدين، فدعوة الإسلام الأديان إلى الحوار إنما هي من منطلق البحث المشترك عن الحقيقة وإرجاء الفصل المطلق بين المختلفين إلى يوم الدين(27) ، ولا تقتصر الدعوة إلى الحوار على أهل الأديان إنما هي بداية الخطاب لكل متلق يدعى إلى الإسلام، وطرح الدين أفكاره المركزية للحوار والجدل ودعوة مخالفيه لنقدها إنما تمثل التحام الدين بالحقيقة المطلقة والتزامه بقوانين البحث عنها.
هذه المحاور هي الأسس التي بنيت عليها منهجية الرسالة الإلهية في التاريخ وتجلت أبرز ما تجلت في الرسالة الخاتمة، لكن إشكالاً يطرح نفسه حول هذه المحاور وهو: كيف يكون التفكر والنظر والحوار هو منهج الرسل في الدعوة وتاريخهم حافل بالمعجزات والخوارق وهي حجة غيبية تتنافى فيما يبدو مع المنطق والجدل الذي تفرضه المحاور التي أشرنا إليها؟.
ما نود التأكيد عليه في بداية الإجابة على الإشكال هو أن المحاور التي أشرنا إليها هي الأصل الثابت في دعوة كل الرسل، وقد حفل القرآن بالدلائل عليها نظرياً بأمر الرسل بها وبيان وظائفهم، وعملياً بقص أخبارهم وبيان ما قاموا به وما عانوه من أقوامهم، هذا يحتم علينا قراءة الخوارق والمعجزات التي نسبها القرآن للرسل في ضوء تلك المعطيات.
ثبوت المعطيات التي أشرنا إليها، وانسجام الرسالة الإلهية مع العقل وتناسبها مع الفطرة دفع البعض إلى النظر إلى المعجزات نظرة تنافٍ مطلق، فنفاها من الأساس واعتبر الإعجاز لا وجود له في الواقع وأنه يروى فيغدو تقليداً فمعتقداً، وأن القرآن نفى المعجزات أساساً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا[الأحزاب:62]، وأن القرآن –حسب هذه الرؤية- إنما يسترجع الأساطير القديمة للالتحام بالتقليد التوحيدي وتصديقه، وبالتالي فالمعجزات هي تاريخية (موسى) أو هي إبراز للحجة في ادعاء وضع خاص فوق النبوة (عيسى)(28) ، فهذه الرؤية تستند إلى أن المعجزات مجرد أساطير وورودها في القرآن ليس إقراراً بوجودها في الواقع إنما الهدف منها التقرب من أهل الكتاب، رغم أن هذه الرؤية لا تنفي غيبية النص القرآني، ومربط الفكرة في نفي المعجزات تنافيها مع العقل والسنة الإلهية في الكون.
هذا النفي لتلك الخوارق وما تضمنته القصص القرآنية من معجزات وجد من رأى له تفسيراً آخر غير الاقتباس والتناص واسترجاع ما في كتب أهل الكتاب، وذلك بتفسيره بمنهج أدبي وفني يُرجع تلك القصص إلى بعد رمزي، فهي لا تعكس ما جرى في التاريخ من معجزات إنما هي حكايات رمزية أو أسطورية لها أهدافها في سياقاتها القرآنية، ومستند هذه الرؤية ابتعاد القرآن عن منهج التأريخ الذي كان سائداً في كتب أهل الكتاب وسلوك القرآن المسالك الأدبية في البيان(29) ، هذه الرؤية إن كان الدافع لها ما وجد في القصص من خوارق وغرائب فإن ما طرحته لا يخص هذا الجانب بل سيشمل كل مضامين القصص، ولئن كان القرآن يلجاً صراحة إلى الرمز والأمثال في القصص من أجل العبرة وإيصال المعنى، فإنه فيما يخص قصص الأنبياء يخصها باحتراز وتوضيح وتأكيد على كونها من الوحي الإلهي ولا داعي لهذا التأكيد إن لم يقصد منه الرد على منكريها إذ الجانب الرمزي لا يحتاج إلى هذا التأكيد، ومن ناحية أخرى فإن من مقاصد القصص القرآني التي صُرح بها تصديق ما لدى أهل الكتاب من معارف حول الرسل وتصحيحها، فلو كانت القصص مجرد أساطير أو رموز فكيف سيكون التصديق بها(30) . 
هذه الإجابات عن المعجزات التي وردت عن الأنبياء تثار في إطار الحديث عن طبيعة الدين وتناسبه مع العقل، لذا فلا بد من بيان أبعاد هذا التعارض، وهل المعجزات تنافي استناد الفكر الديني/الإسلامي إلى الفطرة والعقل؟، فلا بد من التعرف على مفهوم الإعجاز كما طرح لنعرف الهدف والمقصد الذي توجهت إليه الخوارق.
يشترك معظم من تحدث عن الإعجاز في اشتراط التحدي ليصح الإعجاز(31) وهو شرط يقتضيه المعنى اللغوي للمصطلح، والتحدي إنما يرتبط بموضوع وفكرة هي محل الخلاف والجدل الذي اقتضى التأييد بالمعجزة(32) ، وبالتالي فإن تناقض المعجزة مع القول باستناد الدين في دعوته إلى مبادئه على العقل والفطرة والحوار إنما يصح فَرَضه لو كانت المعجزة حجة للرسل على صحة الأفكار التي جاءوا بها، فلو كانت المعجزة دليلاً للرسول على صحة التوحيد الذي جاء به أو القضايا الأخلاقية التي دعا إليها لكان ذلك تناقضاً، لكن التأمل في ما ورد من معجزات الرسل في القرآن يدلنا على أنها كانت بمعزل عن دعوتهم والأفكار التي جاءوا بها وأنها جاءت تَبَعاً وبشكل تدخل إلهي لإنقاذ الرسالة من مأزق انتهاء الرسالة أو اغتيال الرسول، وبعضها جاء استجابة لطلب أقوام الرسل واستجابة من الغيب لإبطال موقف من خصوم الرسالة قد يؤول إلى تردٍ في مسيرتها، فجاءت المعجزات - الآيات كما يسميها القرآن – لتثبيت المؤمنين، وكانت هذه المعجزات تأتي متسقة مع روح العصر والعقلية السائدة فيه ونفسية متلقيها والمعني بها، فهي حجة نسبية تتسق مع عصرها ومن طلبها وتنحصر بموضوعها(33) .

فماذا كان موضوع المعجزات ؟ 
إن التأمل فيما ورد منها يشير إلى كونها تأتي في مرحلة متأخرة من دعوة كل رسول فيأتي الرسول يدعو قومه ويحاورهم ويجادلهم فيجحدون ويكيدون للرسول والمؤمنين ثم يعاجزون ويتحدون الرسول أن يثبت صدقه بخارقة من جنس ما هو سائد في عصرهم من معارف وفنون، وقد يهددون حياة الرسول أو يشكلون خطراً على ما حققه الرسول من خطوات فتتدخل العناية الإلهية لإنقاذ الموقف بخارقة تبطل كيد المعاندين للرسالة، يمكن ملاحظة ذلك من خلال ما حكي عن كل رسول من آيات(34) ، وبالتالي فموضوع أي من المعجزات التي وردت لم يكن إثبات صحة ما جاء به الرسل من أفكار إنما هو إثبات صدق الرسول في ادعائه الوحي، وهي تتفق مع ما يطلبه الأقوام من أدلة، وهذه الأدلة الحسية إنما تأتي لغير المؤمنين، فمن يؤمن بما جاء به الرسول من أفكار استناداً إلى محاكمة عقلية لن يحتاج إلى معجزة تثبت صدق الرسول لأن ذلك سيكون أمراً ثانوياً، إنما المعجزات أتت للجاحدين والمجادلين وفي سياق مرحلة صدام يستجيب فيها الله لحاجة الرسل إلى دعم مادي ومعنوي يساعدهم في الاستمرار في أداء مهمتهم.
بناء على هذا التأطير لموضوع المعجزة فإنها بمعزل عن أن تكون متناقضة مع المبادئ الأساسية في منهجية الرسل في الدعوة إلى أفكارهم إذ موضوعها مفارق لمضمون الرسالة ولها وظيفتها الزمنية والجدلية، أما تفسير الخوارق بالأساطير والبعد (الميثي) فإنما ينسجم مع استبعاد الجانب الغيبي المفارق فيها، فالخارقة للمألوف كحدث محسوس ليس من موضوع العقل أن يثبتها أو ينفيها إنما هي ظاهرة ينبغي البحث عن تفسير لها، والتفسير الغيبي لدى المؤمن هو الحل لعجز التفسير العلمي عن الكشف عن القانون المادي الذي تمت به الظاهرة وهو حل يقتضيه العقل الذي يرى أن وراء الكون قوة تحركه وفق سنن ونظام لا يعلم عنه الإنسان إلا القليل، بل إن هذا النظام هو المعجزة الحقيقية التي يغفل عنها الإنسان(35) .
في ضوء هذا الاتساق بين منهج الرسل في الدعوة وما ورد عنهم من آيات وخوارق للعادات يأتي التساؤل عن آية الرسالة الخاتمة وتفسير علاقتها بالآيات السابقة وعلاقة ذلك بمنهجية الرسالة الخاتمة وتوجهاتها الكونية .

منهجية الرسالة الخاتمة :
ما لاحظناه من كون المعجزات الحسية الواردة عن الرسل السابقين كانت ترد استجابة للأقوام لإثبات صدق الرسول أو إنقاذاً له أو إكراماً أو عقاباً لقومه..، كان له تفسير آخر لدى آخرين لا بنفي ما ذكرناه إنما يربطه بتفسير تاريخي لطبيعة التدخل الإلهي في الكون وعلاقة الغيب بالشهادة والدفع الإلهي بالإنسان نحو عالمية الرسالة.
ملخص نظرية المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد التي أشرنا إليها تستند إلى تقسيم تاريخي لتطور الإنسان وتجاربه الدينية التي يقسمها إلى ثلاث مراحل لكل منها خصائصها ومنهجيتها ووعيها الحضاري المرتبط بالتكوين الإنساني، وذلك بدءاً من الفردية / العائلية (نموذجها الآدمية)، إلى القبلية / القومية (أبرزها الشكل الإسرائيلي)، وانتهاء بالمرحلة العالمية المرتبطة بالرسالة الخاتمة، هذا والمرحلة الإسرائيلية نفسها تشتمل على مراحل ضمن تجربتها نفسها، كما تشتمل المرحلة العالمية على مرحلتين أولى ترتبط بالأميين في عصر الرسالة وثانية شاملة لم تتحقق بعد، ما يهمنا من هذا التقسيم التاريخي بغض النظر عن تقييمه هو خصائص المراحل السابقة فيما يخص منهجيتها وعلاقتها بالمعجزات، إذ يرى أن الفارق الجوهري بين المرحلة العالمية وما قبلها هو طبيعة تدخل الغيب في حياة الإنسان، فالتجارب الإيمانية السابقة كانت تتميز بالإيمان الحسي والتدخل الإلهي المباشر في مسيرة الرسالات بينما هي في التجربة المحمدية الخاتمة تتسم بالإيمان الغيبي والتدخل الماورائي، ويعرض للتجربة الإسرائيلية كنموذج مفصل ومتدرج للتجارب السابقة، فالمعجزات والخوارق هي عنوان التدخل الإلهي الحسي في التاريخ، بينما في الرسالة الخاتمة بدأت غيبية من غير تدرج في عالم الحس فلم يكن فيها خوارق ومعجزات إنما كان تدخل الله من وراء حجاب وغير حسي، وكلف إنسان عصر الرسالة الخاتمة بمباشرة مسؤوليته عبر منهجية جديدة أسماها:الجمع بين القراءتين(36) . 
منهجية الجمع بين القراءتين تستند إلى أول ما نزل من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)[العلق]، إذ جاء الأمر بقراءتين الأولى قراءة كونية شاملة لآثار القدرة الإلهية وصفاتها وخلقها للظواهر ذات المعنى، هذه القراءة تأتي باسم الله وبوصفه المتفرد به الخالق، وأما القراءة الثانية فتتم بمعية الله وتتجه إلى عالم الصفات التي تتجلى في الخلق وهو عالم موضوعي لذا فهي تتم بالقلم كوسيط خارجي لمعرفة موضعية وليست ذاتية فهي قراءة بالتفهم العلمي الحضاري لتجليات القدرة في نشأة الظواهر ووجودها وحركتها وتفاعلاتها. 
فقد تم في هذه الآية الجمع والربط بين علمين: علم رباني وعلم موضعي، فهما قراءتان ربانية وإنسانية، والرابط بين العلمين رابط فلسفي بوحدة منهجية، فهما قراءتان فريضتان متلازمتان وتعطيل أي من القراءتين سيؤول إلى تحريف وتعطيل للرسالة في كل ميادين الحياة إذ سيؤول ذلك إلى أحد حلولين: فتعطيل القراءة الأولى سيؤول إلى الحلولية التي جعلت الله حالاً في قوى الطبيعة وهو الطغيان الذي عبرت عنه الآيات التالية :كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى(6)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى(7)إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى(8)، إذ يغفل الإنسان عن قدرة الله فيتحول إلى إله ويتحول بالموضعي إلى مطلق ويتولد الشعور بالاستعلاء والطغيان، أما تعطيل القراءة الثانية فيؤدي إلى الانتقاص من قيمة الفعل البشري ضمن السننية الكونية، فيعطل القيمة الوجودية التي جعلها الله للإنسان في الحياة فيؤول إلى حلولية صوفية في الله تعطل تكاليف الله في الحياة أو تهمل دور العلم الإنساني الموضعي الذي هو شرط لفاعلية العلم الرباني(37) .
منهجية القراءتين هذه تشكل تحولاً في دور المعجزات في الحياة، فبعد أن كانت تمثل تدخلاً حسياً خارجياً مباشراً، غدا التدخل الإلهي غيباً عبر قوانين سننية، فالقدرة الإلهية في تداخلها مع الفعل البشري تظل مهيمنة على نتائج الفعل البشري الحضارية باحتوائه سلبياً إن كان فعلاً خاطئاً، وباحتوائه إيجابياً إن كان فعلاً صالحاً، وفي الحالتين ترتد عليه في الإطار الموضعي للحركة نفسها بعد أن كان من خارجها قبل الرسالة الخاتمة، وبذلك يدفع الله بالفعل البشري نفسه ضمن الإطار الموضوعي للحركة، فالله موجود في مسيرة الفعل البشري من حيث لا نشعر، غير أن هذا الوجود يتم بكيفية هي من خصائص القدرة بحيث يصبح الإنسان أيضاً مسؤولاً عن فعله، هذا المعنى يستمد من مفهوم الرجعى في الآيات الموالية كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى(6)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى(8) وهو من الرجوع وهو ارتداد في إطار الحركة نفسها، وفي إطار الفعل نفسه وعلى نحو آني دنيوي، فالرجعى هنا هي من مماثلات (ولله عاقبة الأمور) أي بارتداد القدرة الإلهية على الإنسان ضمن مقومات الفعل نفسه وشروطه وبشكل دنيوي(38) .
هذه المنهجية تشكل مفصلاً بين الرسالات السابقة التي كان الفعل الإلهي يتدخل فيها عبر الآيات الحسية وبين الرسالة الخاتمة التي غدا التدخل الإلهي فيها غيبياً وعبر سننية يسير بها الفعل الإنساني لذلك خلا المسار الإسلامي من المعجزات الحسية الخارقة المرتبطة بالتحدي، وقد أكد القرآن على هذا الامتناع وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا(92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا(93) [الإسراء]، فرفض طلب المشركين من الرسول الخاتم الإتيان بمعجزات حسية كالتي أيّد بها موسى وغيره، وقد أكد القرآن هذا الامتناع وخوطب النبي بصيغة تدل على أن طلب هذا النوع من المعجزات جهل بما آل إليه أمر الآيات وأن الدور تحول من الجانب الحسي المرئي إلى الجانب الغيبي السمعي المعنوي، فالله قادر على إنزال الآيات إنما هناك إرادة إلهية لا يعلمها كثير من المشركين في التحول بالإنسان إلى منهجية جديدة وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ(35)إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(36)وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(37) [الأنعام](39) .
فالقرآن يؤكد بكل وضوح عدم إرسال الآيات في الرسالة الخاتمة ويبين علة ذلك وهي تكذيب الأولين بها، فهي غير مجدية في الإقناع ولم يكن القصد منها ذلك وإنما كانت ترسل إليهم تخويفاً لهم كما هو صريح الآية وهذا ما أشرنا إليه آنفاً في بيان مناط المعجزات وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]، إن امتناع المعجزات(40) الحسية في الرسالة الخاتمة قاد إلى بديل كوني يتمثل بمعجزة عقلية(41) فنية(42) هي القرآن الكريم، تتسم باستمراريتها من خلال تماسك منطقها الداخلي وبنائها اللغوي ومنهجيتها المعرفية وتناسبها مع كونية الرسالة الإلهية واستمرارها من خلال الكتاب / النص الذي سيكون البديل عن الرسل والمعادل للفطرة الإنسانية والحامل للعلم الرباني الذي كلف الإنسان بقراءته مرادفاً لقراءة العلم الموضعي/ السنني.
إذاً فالقرآن هو معجزة الرسالة الخاتمة الوحيدة المقترنة بالتحدي، ويشتمل على منهجيتها، والتي من خصائصها أن تتسم بالكونية وأن تتسق مع ما يمتلكه المخاطب من معطيات يحتكم إليها في الحوار الذي تدعو الرسالة العالم إلى خوضه حول الإنسان والكون والحياة, ولئن كانت الخطوط العريضة لنظرية الجمع بين القراءتين إحدى القراءات للمنهجية القرآنية وخاصية الرسالة الخاتمة ودين الإسلام، فإن قراءات أخرى لا تبتعد عنها بل التحمت بها وتبنتها، أعني مدرسة إسلامية المعرفة(43) التي وجدت في هذا المنهج تعبيراً عن تطلعاتها ونتيجة للمخاض الذي كانت تسير به(44) ، وفي نفس الإطار العام لمنهجية الجمع بين القراءتين يمكننا تصنيف رؤية أبي يعرب المرزوقي ودراسته الفلسفية حول وحدة الفكرين الديني والفلسفي(45) والتي يعتبرها من خصائص الإسلام وطبيعة ختمه للنبوة، إذ يرى أن الإسلام كدين والفلسفة كعلم يدعوان إلى تتبع الحق، فيؤول العلم الديني / الرباني / القراءة الأولى إلى نفس مآل العلم الفلسفي / الإنساني / القراءة الثانية، هذا التشابه إنما هو في الإطار العام كما أشرنا، إنما أردنا التأكيد على تضافر الرؤى في بيان هذا الجانب من منهجية الرسالة الخاتمة وعلاقتها بما قبلها والعناصر التي تؤهلها للاستمرار من غير وحي جديد أو أوصياء على الدين، هذه الخاصية المنهجية تحيلنا إلى ما يحمله ختم النبوة من دلالات في التاريخ .


3- دلالات ختم النبوة :
ختم الشيء يحيلنا على بدايته، فالحديث عن ختم النبوة يستدعي تذكر بدايتها، فهي حدث في التاريخ، وكل بداية لها نهاية وكل تطور ينتهي إلى بناء، لكن طول ألفة الإنسان بالنبوة وتعوده عليها أورث عنده شعوراً بالحاجة الدائمة إليها(46) ، لذلك كان ختمها حدثاً غير عادي في التاريخ ولم تفهم دلالاته في حينه وربما إلى اليوم.
بالعودة إلى بداية النبوة فإن القرآن لم يحدثنا عن اللحظة التاريخية لبدايتها بشكل محدد لكنه حدثنا عن بداية الإنسان والحيثيات التي اقتضت بعث الأنبياء(47) ، فخُلق الإنسان على الفطرة وكان وعيه شهودياً، فطرأ الجحود والنسيان فجاء الدين يذكر الإنسان بمعلوم لديه مسبق ويدعوه للرقي إلى الوعي الشهودي والاعتبار، فكان بدء النبوة الذي يبدو فهمه أسهل من فهم ختمها(48) الذي نحاول رصد دلالاته. 
يذكرنا القرآن بوحدة الناس على الحق قبل بعث الأنبياء كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213](49) ،  وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس:19]، تؤكد الآية الأخيرة أن هذا الاختلاف الذي أعقب وحدة الناس لم يكن عبثاً إنما يرتبط بقضاء الله ومشيئته في ابتلاء الإنسان واستخلافه في الأرض لذلك لم يعقب ذلك الاختلاف تدخل إلهي يوحد الناس(50) إنما بعث فيهم الأنبياء ليرشدوهم بإرادتهم إلى الأمة الواحدة التي تجمع الأنبياء في الخط الشهودي الذي كان عليه الناس إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[الأنبياء:92]، يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ () وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِي[المؤمنون:51-52] .
هذه الأمة الواحدة التي ينضوي تحتها جميع الأنبياء والرسل عبر التاريخ بدءاً من أولهم وانتهاءً بخاتمهم إنما يربطها نسق النبوة الواحد والدين الحق الذي جاءوا به، وباكتمال الدين وختم النبوة يكون مفهوم الأمة الواحدة قد اكتمل، وعلى أساسه يكون ختم النبوة بناء لأمة الأمم، وإلغاء للأمم العنصرية التي انحرفت بالأمة الواحدة(51) ، فجاء ختم النبوة ليقطع مع المفهوم السائد للأمم ويؤسس لأمة جديدة ويبشر بمولد إنسان جديد في زمن جديد، ويؤطر العلاقة بالماضي ويدعو إلى نقدها ومراجعتها هذا المعنى يتجلى بوضوح في دعوة القرآن لإنهاء المقارنة والاحتكام إلى الماضي وترك المألوف منه في الماضي والتوجه لبناء الحاضر والمستقبل تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ[البقرة:134،141]، القطع كان ضرورياً مع هذا الحضور المستفحل للماضي في حاضر عصر الرسالة والذي يفسره الرفض الحاسم من متلقيها لأي مراجعة له(52) ، لذلك كان الخطاب القرآني حريصاً على مواجهة هذا البناء بتكريس وعي جديد بالزمن يفصل بين الماضي وحيثياته والمستقبل الذي ينبغي أن يتطلع إليه الإنسان لتحقيق الاستخلاف الإلهي للإنسان(53) .
مَفصلة الزمان هذه يمكننا اعتبارها أولى دلالات ختم النبوة في التاريخ، ومنهجية القرآن في العلاقة مع التاريخ – الديني منه بالأخص - بإحياء النسق الحي فيه والهيمنة على المحرف والطائفي منه يؤكد عناية القرآن بالزمان وتأكيده على بعث نبي الإسلام بين عالمين قديم وحديث - حسب عبارة محمد إقبال – فهو من العالم القديم باعتبار مصدر رسالته، ومن العالم الحديث باعتبار الروح التي انطوت عليها، فللحياة في نظره مصادر أخرى للمعرفة تلائم تجاهها الجديد، ومولد الإسلام هو مولد العقل الاستدلالي، و"إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على مِقود يقاد منه"(54) ، نص إقبال هذا يحيلنا إلى طبيعة ختم النبوة والإجابة على الإشكالية الجوهرية التي تطرحها: إذ كيف يمكن التسليم بالحاجة إلى الوحي ثم الحكم بختمه؟ وكيف يمكن القول إن الرسالة الخاتمة هي الأولى، وأن ما أتى قبلها زمانياً هو بعدها ذاتياً، وما يختلف به عنها تحريف لها؟(55) .
ما يكمن أن نجيب به على هذه الإشكالية هو تحديد طبيعة الإسلام بما هو دين يستعيد الرسالة الإلهية في التاريخ وينقد التدخل الإنساني في الدين، ويتجه إلى الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن التصنيفات التي قد يضفيها عليه الزمان أو المكان أو النسب أو التاريخ.
إن فكرة ختم النبوة بدلالتها على اكتمال الدين الحق الذي جاء به الرسل إنما تخص الدين الإلهي في علاقته بالإنسان هذه العلاقة التي تتأسس على فطرة الإنسان وما أُوتيه من ملكات هي مناط الابتلاء والتكليف، فعلاقة الإنسان بالدين تتجه إلى بعدين: البعد الطبيعي الإنساني والبعد الغيبي المتجلي في الوحي والنبوة، هذه الثنائية هي التي تحدد طبيعة الإسلام في ختمه للنبوة وتوجهه للمستقبل.
ما يتميز به الإسلام كدين – حسب أبي يعرب المرزوقي- هو اعتباره معطيات الوجود الشريعية قائمة الذات مثلها مثل المعطيات الطبيعية وجوداً وإدراكاً، فالوجود الشريعي الخاتم آية موازية للوجود الطبيعي، وهذا ما يعبر عنه بالفطرة، فلم يعد ممكناً في الإسلام الفصل بين الفكر الديني الغيبي/علوم الشريعة والفكر الفلسفي العلمي/علوم الإنسان، فقد جمع مفهوم الفطرة الإسلامي بين الدين المنزل/الوحي والدين الطبيعي/الفكر الإنساني غير المنحاز(56) ، هذه الخاصية هي ما أشرنا إليه في الحديث عن منهج الجمع بين القراءتين كما يتجلى في القرآن، وما أسماه محمد إقبال (مولد العقل الاستدلالي) الذي يحيل القرآن عليه من خلال آيات الفكر والنظر التي يلح عليها كدليل عليه بما هو وحي إلهي، حتى وصف القرآن بإلحاحه على هذا البعد الإنساني بالواقعية(57) ، فالتحام الدنيا بالدين هو الوحدة التي يتفرد بها الإسلام عن سائر الأديان(58) . 
هذه الوحدة التي تميز الإسلام إنما تنضوي على معنى أهم يتفرع عن ختم الرسالة وهو إلغاء الإسلام للسلطة الدينية والكهنوت إلغاء نهائياً سواء ما كان منها وحياً عبر الأنبياء أو تسلطاً من رجال الدين الذي يفرضون الوصاية على الناس باسم الله، بل إن القرآن(59) ينقد بشدة دور رجال الدين في التاريخ وما قاموا به من تحريف وتشويه من أجل مصالح شخصية، إن نفي السلطان الروحي وإلغاء الكهنوت هو أبرز دلالات ختم النبوة(60) ، بل اعتُبر الفعل المؤسس للحضارة الإسلامية(61) . 
إلغاء السلطات الدينية والتوحيد بين الدين والدنيا في الإسلام عبر ختم النبوة له دلالة أهم وأعمق في التاريخ ألا وهي إلغاء الإطلاق الديني والعلمي، بمعنى أن الإنسان لم يعد بعد ختم النبوة يمتلك الحكم أي حكم بصفة مطلقة سواء على المستوى الديني أو العلمي، فلم يعد أحد يستطيع أن يطلق حكماً باسم الله ولا أن يدعي أنه يعلم الحقيقة المطلقة باعتبارها المعنى النهائي للنص القرآني، كما أنه لا يستطيع أحد أن يزعم أن علمه الاجتهادي بالطبيعة هو حقيقة الطبيعة المطلقة، هذا النفي للإطلاق يفيد امتناع الاستناد إلى غير الاجتهاد النسبي المعتمد على العقل، بما هو ملكة فطرية نسبية مدرِكة للمعطيين الطبيعي والشريعي بما هما فعلان إلهيان لا يعلمهما في ذاتهما إلا الله الذي يمتلك العلم المحيط المنفي عن الإنسان، هاتان الحقيقتان: الكونية/الطبيعية، والشرعية/الأمرية، لا تدركان بذاتهما بل بالإضافة إلى المجتهد الذي لا يمكن أن يدعي أنه سلطة روحية مطلقة، فالطبيعة والشريعة ليستا معلومتين إلا بهذا المعنى:كل ما هو ضروري منهما للوجود الإنساني جعله الله في متناول الإنسان، وذلك هو معنى الاستخلاف الذي جعله الله معلوماً للإنسان وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ  [البقرة:255]، هذا الجانب الذي يشاء الله أن يعلمه الإنسان هو ما يمتلكه الإنسان من علم في الدين أو الطبيعة وطابع علم كهذا يلازمه وصف النسبية التي هي طبيعة الإنسان، وإذا ادعى الإنسان الإطلاق في أي من الجوانب فإنه يتأله بذلك، ويصادر حرية الإنسان في البحث عن الحقيقة بما يمتلكه من مؤهلات(62) .
ختم الرسالة الذي ألغى السلطات الدينية والإطلاق في الفكر الديني والإنساني أسس لسلطة بديلة من خلال مهمة الاستخلاف التي كلف بها الإنسان عبر النظر في آلاء الله والتدبر في آياته والنظر في الكون واستثمار ما سخره الله له للتعرف على الحقيقة الكونية والشرعية والاستفادة مما ييسره الله منهما للإنسان في تنظيم الحياة والقيام بأمر الله في الكون والتحقق بالعبودية له، هذه المهمة التي كلف بها الإنسان هي الاجتهاد في شؤون الدين والدنيا بشروطه العلمية التي تبتعد به عن أن يكون إتباعاً للهوى.
وما دام الاجتهاد جهداً مفتوحاً لمن تأهل له من البشر فنتيجته طابعها نسبي، وبالتالي فلا عصمة لأي من المجتهدين، ولم يبق غير إجماعهم بديلاً عن السلطة الروحية أو العلمية المطلقة، وذلك باعتبار انتفاء عصمة أي منهم عن الخطأ مع تبرئة كل من الذنب عند مجانبة الصواب ما دام المجتهد قد بذل ما في وسعه فيما هو ممكن، والإجماع هذا هو كأي اتفاق بين العلماء في أي علم من العلوم، فالعلم الاجتهادي النسبي هو العلم الوحيد الممكن في الإسلام(63) .
فسلطة الإجماع / النسبي هي البديل العملي عن أي سلطة مطلقة وبالأخص المؤسسة الدينية في الإسلام التي ترتب عن امتناع تعينها أعمق الجروح في التاريخ الإسلامي (الحرب الأهلية بين المسلمين) في الوقت الذي يشكل رفض الإسلام لها عبر عقيدة ختم النبوة أهم مبدأ يمكن أن يفتح أفق الإنسان نحو المستقبل، ويوسع حرية حركته في الكون من أجل البناء وإقامة العدل وتحقيق الاستخلاف في الأرض(64) .
الاستخلاف الإسلامي الذي تميزت به الرسالة الخاتمة جعل التقابل بين الأديان ومختلف التيارات الفكرية هو الانضواء تحت أي من الموقفين المعرفيين التاليين: الموقف الحلوي الجحودي الذي يوحد بين الإدراك والوجود ليتخلص من مفارقات المعرفة الحلولية، والموقف الاستخلافي الشهودي الذي يرفض هذا التوحيد تسليماً منه بأن جوهر المعرفة هو تلك المفارقات ذاتها التي هي عين الإدراك الاستخلافي، أو التسليم بالوجود الطبيعي والشريعي المتعالي على كل إدراك إنساني، والدال بتعاليه على وجود بارئه بدلالته على صفات أفعاله فيهما وبهما فيه: وذلك هو جوهر الإسلام الذي تحققت فيه وحدة سبيلي الوصول إلى الحقيقة بإطلاق، دون مقابلة بين أشكالها، فأغنت عن الوحي المتصل والسلطان الروحي المعصوم:وهو معنى ختم الوحي(65) .
ختم الوحي بما يحمله من دلالات ووسطية اختصت بها الرسالة الخاتمة جعل من المسلمين شهداء على الناسوَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَس

 

 

03-03-2006 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=209