/

 

 

نحو إعادة بناء مفهوم الديمقراطية في الـفكر الإسلامي

رضوان جودت زيادة

لا يختلف مصطلح «الديمقراطية المؤمنة» الذي تحدث بـه خـاتمي عن مصطلح «الشوراقراطية» الذي صكه تـوفـيـق الشاوي في نهايات القرن الماضي، ويقصد به الجمع بين الشورى والديمقراطية، أو ما تحدث به البعض عن «الديمقراطية الإسلامية».
إن ذلك يعود إلى نقطتين جوهريتين: 
الأولى تتعلق بمفهوم الهوية او التأصيل بحسب المصطلح الدارج لدى الإسلاميين والمقصود منه البحث عن معنى مشابه تاريخياً لمصطلح حديث او معاصر.
أما النقطة الأخرى فهي تحمل جانباً براغماتياً عبر تبيئـة المفـهوم وجعله قريـبـاً من الناس من خلال ثقافتهم ولغتهم الخاصة من دون الإقرار بمدى الخلاف التاريخي والسياسي الكبير بين المفهومين.
إن منطق المقاربة التاريخية بين الإسلام والديمقراطية يعود بشكل رئيسي الى منطق الثنائية المركب منها، اذ تفترض الثنائية عند تركيبها نوعاً من التناقض أو درجة ما من التوفيق يقتضيها الجمع بين متعارضين، وفض الثنائية وتفكيكها يغدو صعباً بعد تكونها كثنائيات الإسلام والحداثة والإسلام والغرب وغيرها، فهي فضلاً عن انها تحوي لبساً يغدو ظاهراً من طرفيها، فمثلاً هي تجمع بين طرفين ليسا متماثلين، فالإسلام دين إلهي والحداثة أشبه ما تكون بالزمن التاريخي الذي تكوّن غربياً، والغرب مجال جغرافي تحدد تاريخياً، فما الذي يجمع بين الدين والتاريخ أو بين الدين والجغرافيا، اقول فضلاً عن ذلك كله فالثنائية تحوي تركيباً ليس متجانساً بالضرورة ويصعب بعدها إعادة صياغة الثنائية وفق منطقها الطبيعي، اذ تكون عندها قد صكت وأنجزت وبدأ الكلام يدور في اشكاليتها.
ليست ثنائية الإسلام والديمقراطية ببعيدة عن ذلك كله. فالإسلام كدين بدأ تاريخياً منذ أربعة عشر قرناً من الزمان وانطلق من ارض جزيرة العرب، والديمقراطية نظام سياسي تعود أصوله إلى اليونان البعيد وترسخت جذوره مع الغرب الحديث على ضوء صيرورته التاريخية الزمنية في القرنين التاسع عشر والعشرين، فما الذي يجمع بين طرفي الثنائيـة حتى يتم تشكيلها او تركيبها، لكن غالباً ما يكون القصد من وراء ذلك، هو السؤال المضمر في طياتها ويتعلق بمدى قدرة الإسلام كدين على الانسجام مع الديمقراطية كنظام سياسي.
لا شك في أن نظرية الانسجام هذه قد نشأت مع بداية احتكاك الإسلام كرقعة جغرافية مع الغرب الحديث، فأعادت النخبة العربية والإسلامية التفكير في تراثها القديم وفق المنطق الحديث، عندها نشأت ما يسمى نظرية القدرة على الانسجام او التوافق، إذ هي مجملاً تدخل في خانة رد الفعل المطلوب احتواؤه والإجابة على سؤاله التاريخي الملح.
وإذا كان سؤال الإسلام والديمقراطية عربياً قد تأخر ظهوره بعض الشيء بحكم كون سؤال الديمقراطية نفسه كان مغيبــاً، فان الإجابة عنه تكفل بها الكثيرون ومن مختلف الاتجاهات، بدءاً بالمستشرقين والغربيين الذين داروا في فلك نفي الديمقراطية عن الإسلام ذلك انه دين تيــوقــراطي وليس زمنـياً وهذا ما يــتــنـافى قطعاً مع الديمقراطية التي لا تنمو إلا في مناخ علماني كما تحدث بذلك مكسيم رودنسون، ومروراً بالمثقـفين العرب من ذوي الاتجاهات المتغايرة. فمنــهم من عزف على الوتر السابق نفـسه كصادق جلال العظم الذي يرى تحقق القطيعة الكاملة بين الإسلام والديمقراطية، وآخرين اسلموا الديمقراطية اذ هي شقيقة الشورى وتنبع الاثنتان من مشكلة واحدة، والقليل من حاول ان يقرأ السياق التاريخي والاجتماعي للديمقراطية ليرى تحققاتها الممكنة مع الإسلام واختراقاتها الممتنعة عنه، لكن اعتقد ان من فـض هذه الإشكالية او ساعد على حلها عملياً وليس نظرياً هو الحركات الإسلامية أو بعضها على الأقل وذلك عند التزامها بمبدأ الديمقراطية كأسلوب لا محيـد عنه لتحقيق الأهداف السياسية القريبة والبعيدة.
ولذلك فكما يرى جون اسبوزيتو أحد أهم دارسي هذه الحركات ان الحركات الإسلامية تتميز بكونها عناصر فاعلة تبادر إلى الفعل بدلاً من ان تستجيب بردود أفعالها إلى مبادرات الآخرين، وهي تمثل ظهور بديل اجتماعي سياسي جدير بالثقة. كما أنها تعكس الطموحات المزدوجة للكوادر الحائزة على التعليم الحديث في المجتمعات الإسلامية، فهي من جهة تطمح الى المشاركة في العملية السياسية، ونريد من جهة أخرى أن تتوضح السمة الإسلامية المميزة لمجتمعاتها.
وبناءً على ذلك فهو يعتبر انه لا يكفي النظر الى الحركات الإسلامية ببساطة باعتبارها حركات رفضية أو حركات معارضة ثورية، بل من المهم أيضا أن نرى كيـف تعمل كأجـزاء من نـظام متنـافر داخلياً، وما هي النتائج التي تـتبع وصولها إلى السلطة. لكنني أجد إن الخـلل الرئيسي في فهم الإسلاميين للديمقراطية إنما يعـود لتمثلهم إياها على أساس أنها «حكم قيمة» وعدم الأخذ بجانبها الإجرائي الذي يكاد يكون يمثل عمق محتـواها النظري والعملي، تحل مشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والصحية وإنما تمثل الطريقة الأفضل أو الأمثل لحل هذه المشاكل، وهنا يجب فهمها على أساس أنها خبرة في إدارة الأزمات أكثر منها كعقيدة سياسية تتبناها الدولة أو يعتنقها أفراد الحكم.
ان هذا الفهم من شأنه أن يوفر جهداً وطاقة كبيرتين صرفتــا من اجــل التأصيل التاريخي أو البحــث عن المقابل الشرعي او استحضار مفـهوم موازي له تجـربة تاريخية مغايرة ومخـتـلفة تماماً، وعــنـدها يـضـيـع هدف الديمقراطية القائم على توسيع حجم المشـاركة الشعبــيــة في صنــع القرار وتحقيــق الغاية من ذلك وهو تـأميـن أفضل الطرق وأسلمها من اجل التـداول على السلطة. اذ يتحول النقاش الى ادلة تاريخية وشرعية وفقهية تحمل من التأويل أكثر مما تحمل من الحقيقة.

 

 

30-07-2005 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=223