/

 

 

نحو تصور جديد لعلاقة الدين بالسياسة

المصطفى تاج الدين

إن مفاهيم السياسة الإسلامية ينبغي إعادة النظر فيها بسرعة حتى لا يتم تحويل الإسلام إلى دين تتحول فيه متغيرات الواقع البشري إلى قضايا شرعية، والبديل الذي نتصوره في علاقة الدين بالسياسة هو أن يتحول الدين إلى معين للقيم الروحية والفكرية، بحيث يتم استصحاب هذه القيم في الممارسة السياسية استصحابا تلقائيا وعفويا أي أن يصير الدين تجربة فردية وجماعية معيشة بدل أن يكون إيديولوجيا للتحريك السياسي. وهنا سنتجاوز خطر الفصل بين الدين والسياسة والمؤدي إلى العلمنة السطحية، وأيضا محاذير الإدماج المفضي إلى تسييس الدين والقضاء على جوانبه الروحية... 

من المعلوم ضرورة في الاجتماع الإنساني تعلق الأنساق الاجتماعية والتنظيمات الأهلية بالكسب الإنساني، فالإنسان مفطور على السعي نحو النظام، وهذا السعي نابع من حقيقتين: الأولى أن الواقع الطبيعي قائم على النظام مع انعدام الإرادة فيه، والثانية أن الطبيعة الإنسانية لا تقبل الفوضى مع توفر إرادتها والقصد إليها. ومن هنا يتضح أن الفعل السياسي محكوم بقاعدة السعي نحو النظام أي أنه مركوز جبلة في الطبع الإنساني المريد، كما أن الفعل المادي مركوز في الكون الطبيعي غير المريد.
والمقصود بالسياسة في أصل التداول العربي إدارة أمور الناس للوصول بها إلى دائرة النظام. ولهذا لم يخل مجتمع قط من إتيان الأفعال على جهة القصد إلى تنظيم الجماعات وسياستها. ومن هنا يمكن الجزم بأن الظاهرة السياسية في أصلها ظاهرة موضوعية تجري على قوانين طبيعية او قل على سنن إلاهية مطردة. ولقد تنبه ابن خلدون رحمه الله إلى هذا فحاول صياغة جملة من القوانين المتحكمة في الفعل السياسي، ورفع الوعي بالسياسة من مستوى الوعي الإرادوي إلى مستوى الوعي العلمي الموضوعي دون أن يثير رحمه الله مسألة علمنة الفعل السياسي ما دام قائما على قوانين مطردة ومحايدة، والسبب أن ابن خلدون كان يمثل قمة ما وصل إليه العقل المسلم في الاجتماع وهو التسليم العقلي والروحي بالتناغم بين الإرادة الإلهية والقانون الطبيعي، وهو نفس ما وصل إليه ابن رشد وابن تيمية في المعرفة وهو المواءمة بين قوانين العقل وقوانين النقل في انتاج المعرفة. ومقصودنا هنا هو أن الظاهرة السياسية تتحكم فيها قوانين السياسة ذاتها، وأي محاولة لتحكيم قوانين خارجة عنها مآلها إلى إفساد النظر في الظاهرة من جهة ومن جهة أخرى إفساد القوانين ذاتها بإدخالها في ما ليس لها به تعلق جنسا أو وظيفة. 
والسؤال المطروح هنا هو كيف تعامل العقل المسلم مع السياسة قبل ابن خلدون وبعده؟ نرجح في الجواب على هذا السؤال أن شكل التعامل اتخذ أشكالا معينة نجملها في: 
- طابع تحكيم المجال الديني في المجال السياسي
- طابع تحكيم المجال السياسي في المجال الديني
- طابع الفصل بين المجالين
- طابع إدماج المجالين
لقد تجلى الطابع الأول في محاولة خلق تماه كامل بين مفهوم الدولة ومفهوم الدعوة، أي أن الدولة ينظر إليها من منظار ديني أشمل هو منظار الجماعة الدينية هكذا أفتى علماء كثيرون بحرمة الامتناع عن البيعة، وضرورة طاعة الأمير، وتناسل عن هذا الموقف إخراج من لم يبايع من دائرة الجماعة كالخوارج والمعتزلة مثلا مع أن الموقف السياسي قائم على التفاعل مع الظروف الموضوعية ولا تعلق له بالجماعة من حيث هو موقف واقعي يرتب على أساس النظر الاجتهادي وربما الموقف الحزبي، ومعنى ذلك أنه يتصور عقلا أن يقف شخصان متدينان موقفين سياسيين متعارضين، بل وأن يقف الشخص الواحد موقفين متعارضين بعد أن تظهر له ضرورة التغيير، هكذا نظر إلى موقف عائشة رضي الله عنها وكذا موقف الزبير بعين الرضى عند بعض أهل السنة على أنه موقف سياسي اجتهادي، ولم يجرؤ أحد من المسلمين سوى بعض المتطرفين من الشيعة على غمز الصحابة الكرام في دين ولا خلق بسبب ما حدث. والذي نعجب له هو كيف لم يتطور هذا الفهم لينشيء مقياسا موضوعيا في الحكم على الفرق السياسية؟ إذ لم يستصحب علماء المسلمين هذا المبدأ في تعاملهم مع الخوارج وجلهم من القراء السابقين في الإسلام حيث عدوهم خوارج عن الجماعة؟ كما أن الخوارج أنفسهم لم يستصحبوا المنظور ذاته في الحكم على علي وأصحابه بل أبعدوا النجعة في الحكم عليه بدعوى أنه لم يحكم كتاب الله وكان عليهم أن يعلموا أن عليا كرم الله وجهه يخوض غمار السياسة والقيادة وكل ما تتطلبه نظر في الظروف وعين على المآلات.
لقد سقطوا مع من أخرجهم من جماعة المسلمين في مشكل النظر للسياسة من منظار الدين. فتحول الانتماء الحزبي إلى انتماء ديني، والخطأ السياسي إلى خلل في العقيدة والمعارضة إلى شق عصا الطاعة والتأييد إلى سنة وجماعة. 
وأما طابع تحكيم السياسي في الديني فهو القصد إلى اللعب بالرموز الدينية من أجل التمكين السياسي، وعلى أساس هذا النظر اسثمر الزعماء جملة من العقائد لكسب الشرعية الدينية مع أن الشرعية مفهوم موضوعي يكتسب بالعدل، وإقامة النظام على أساسه. ولهذا تحول الخليفة إلى ظل لله في الأرض، وأضحت طاعته جزأ لا يتجزأ من الدين وعصيانه خروجا يقتضي الحد الشرعي. كما تحولت أحزاب كثيرة إلى أحزاب إسلامية تريد تطبيق الشريعة وترفع شعار الحل الإسلامي، مع أن تطبيق الشريعة مبدأ عام، وما ينتج عنه من ممارسة ما هو إلا اجتهاد بشري، فلا يمكن لأحد أبدا أن يتحدث باسم الله، ولا يجوز أن نصف أفكارا انطلقت من الدين على أنها الدين نفسه أو من النص على أنها النص ذاته.
أصحاب الحل الإسلامي أصحاب تصور ما للعمل السياسي، إنهم يستعملون رموزا دينية للوصول إلى المخاطب والذي يسهل توجيه فكره بواسطة دينه الذي يعتنقه.
ألم تجند المسيحية آلافا مؤلفة من البسطاء وشحنتهم بعقائد القتل وسفك الدماء، فعانت منهم حضارة الإسلام الزاهرة بنفس معاناتنا من الإرهاب؟ ما الذي جعل الشاب المسيحي في العصور الصليبية يقطع القفار مغامرا بحياته؟ إنه الدين والعقيدة التي إذا رسخت في قلب ميت وعقل فارغ دمرت صاحبها وما حوله. ما الذي يجعل الشاب المسلم مقدما على قتل نفسه وقتل غيره؟ إنها عقيدة المغالبة وتدين القوة (لا أتحدث هنا عن الجهاد الشرعي فأمره مختلف)، وفي إطار توظيف الدين من أجل السياسة تندرج المحاولات المستمرة للحكام للهيمنة على المؤسسة الدينية، صحيح أن العلماء كانوا أحيانا مستقلين، ولكن هذا لم يمثل سوى استثناء تاريخي في المجال الإسلامي، ولو رجعنا إلى كتب التاريخ لألفينا نماذج متكررة لهذا التوظيف العلماني للدين. 
وأما طابع الفصل بين المجالين فأمره أسوأ إذ ظن كثير من المبهورين بثقافة العلمنة أن فصل الدين عن الحياة يفضي إلى تحصيل التقدم مع أنهم يعلمون أن التدين مركوز في الطبع الإنساني كتركز السعي إلى النظام فيه، ولا يتصور عقلا إقامة نظام أخلاقي بدون دين، كما لا يمكن تحقيق النظام بتهميش الدين، وعزله عن الحياة. ونمثل لهذا بديار الغرب والتي ما زالت المسيحية فيها قادرة على صياغة الوجدان وتأطير السلوك ولو على استحياء، فالدين هو الرافد الأساسي للقيم، ولا يتصور وجود عمل سياسي بناء بدون قيم لا تجد مصدرها في أصل ديني. لقد حاول فلاسفة الأخلاق إقامة نظام أخلاقي على أسس غير دينية فلم تنجح محاولاتهم، بل حتى أولئك الذين ربطوا الخلق بفهوم مجرد هو الضمير لم يستطيعوا تفسير مفهوم الضمير ذاته. فبقي الدين وإلى الآن المصدر المهم للتخلق الحقيقي. وإذن فإن الفعل السياسي الساعي إلى تحقيق النظام يحتاج ضرورة إلى رصيد من القيم المستوحاة من الدين وعيا أو بدون وعي لتشكل بذلك إطارا رمزيا للممارسة السياسية. فيصبح معها الكذب والعمل من أجل المصالح الخاصة والسعي نحو المجد الشخصي على حساب مصلحة الوطن وإرهاب الناس في أموالهم وأعراضهم أمورا غير مقبولة في مجال العمل السياسي.
واما طابع إدماج المجالين فيتجلى في بعض المحاولات التنظيرية التي تتحدث عن سياسة إسلامية (وصفة إسلامية هنا يقصد بها الدين نفسه، وليس التجربة الإسلامية التاريخية) أي عن فعل سياسي ديني، ويقع هذا التصور في خطأين: 
- تقديس الفعل البشري بحيث يتحول العمل السياسي إلى عمل ديني في حد ذاته .
- تسييس الدين وإفراغه من قيمه الروحية والانسانية وتحويله إلى رصيد رمزي للدعاية السياسية، وهنا نلاحظ أن التسيس الديني الحديث قد كاد يقضي على أهم مجالي التجديد الاسلامي وهما 1- التجديد الروحي، فليست هناك تجارب روحية وإنسانية في التدين المعاصر تمثل نسقا كليا يعكس مشروعا واعيا للبعث الروحي الجميل. و 2- البعد الفكري بحيث تحول الفكر الإسلامي إلى مجرد شعارات جوفاء يغيب فيها العلم وينكمش الفكر الخلاق، ولحد الآن لم تستطع الحركات السياسية الإسلامية إيجاد شروط للبحث الفكري الحر والمجرد، ولصياغة المشاريع الفكرية التي نستطيع بها تحقيق شرطي التجديد والمغالبة، أي إبداع فكر أوسع مدى من فكر أجدادنا العظام، وإبداع فكر يضاهي في عقلانيته وكونيته الفكر الغربي الحديث، وأظن غير شامت أن هذه الحركات قد فشلت في المجالين.
والبديل الذي نتصوره في علاقة الدين بالسياسة هو أن يتحول الدين إلى معين للقيم الروحية والفكرية، بحيث يتم استصحاب هذه القيم في الممارسة السياسية استصحابا تلقائيا وعفويا أي أن يصير الدين تجربة فردية وجماعية معيشة بدل أن يكون إيديولوجيا للتحريك السياسي. وهنا سنتجاوز خطر الفصل بين الدين والسياسة والمؤدي إلى العلمنة السطحية، وأيضا محاذير الإدماج المفضي إلى تسييس الدين والقضاء على جوانبه الروحية، كما سنعالج به مشاكل المقاربتين الوسيطتين أي تحكيم الدين في السياسة والمؤدي إلى الأنظمة الدينية الشمولية مع ما تمثله من خطر على حرية الإنسان وحقه في تشكيل علاقته بالله، وتحكيم السياسة في الدين وما يمثله هذا من لعب بالدين وعبث به لتسويغ الظلم وشرعنة الاستبداد. 
إن مفهوم السياسة الإسلامية، أو الحزب الإسلامي مفاهيم ينبغي إعادة النظر فيها بسرعة حتى لا يتم تحويل الإسلام –بنيات صادقة وأحيانا مبيتة- إلى دين تتحول فيه متغيرات الواقع البشري إلى قضايا شرعية، وتصير فيه المجادلات النظرية والكسوب العملية إلى صراعات دينية تنذر بخطر جسيم على الأمة. ولنعلم أنه منذ تولي أبي بكر الصديق الولاية العامة حدث تحول معرفي كبير لدى كثير من المسلمين العقلاء وكان هذا التحول نتيجة طبيعية لوفاة النبي الكريم صلوات الله عليه وسلامه، حيث كان الطابع المدني للنبي والطابع النبوي متوازيين ولا أقول مندمجين كما يتصور ذلك كثير من فقهاء الإسلام السياسي، وهو ما حدا بعقلاء الصحابة والصحابيات إلى التمييز بين البشري والنبوي في شخصية محمد (ص)، ولقد استثمر الإمام القرافي وبعده ابن عاشور هذا الفقه في بيان مراتب التصرف النبوي ومدى صلته بالتنزيل أو التأويل أي بالوحي أو البشرية، والحقيقة أن هذا المبحث الأصولي يفيد بأن تصرفات النبي السياسية كانت وليدة نظره واجتهاده ما عدا تلك التصرفات التي أمر بها بالوحي، فكان ذلك منه دليلا على دنيوية التصرف السياسي وارتباطه بالاجتهاد المشدود قطعا إلى ظروف الواقع وحيثياته. وبعد وفاة النبي ومجيء أبي بكر انتهى التوازي بين التنزيل والتأويل فقد اكتمل الأول وحيا وبقي الثاني عملا في تسيير دفة الحكم. ولهذا لم يكن الصحابة الكرام حينها ينظرون إلى أبي بكر بوصفه رمزا دينيا بل كانوا يتعاملون معه بصفته ممثلا مدنيا للأمة الناشئة. وإلا لم حارب أبو بكر المرتدين مع أنهم بقولون أشهد أن لا إلاه إلا الله؟ وكان عصيانهم متمثلا في رفض إخراج الزكاة للخليفة؟ لقد كان قرار الحرب قرارا سياسيا شجاعا وليس له بالدين من حيث شرعية الحرب أدنى تعلق. وهكذا نظر إلى حكم عمر(ض). وظهر هذا التصور المدني للحكومة الإسلامية في عهد عثمان والذي خرجت عليه غالبية أهل الكوفة والبصرة ومصر ورأوا في سياسته تحيزا ما لأهله من بني أمية، كما أن عائشة (ض) وبعض كبار الصحابة من أمثال طلحة والزبير ومعاوية خرجوا على علي ولم يغفروا له انضمام قتلة عثمان إلى جيشه، كما خرج عليه الخوارج لأنه –في نظرهم - لم يحكم بكتاب الله (لاحظ النبرة الدينية في تصور الخوارج للحكم والذي لا يختلف عن تصور كثير من أبناء الحركات الدينية المعاصرة الذين يرفعون شعار الحكم بما أنزل الله، أي أن الخوارج كانوا يمثلون التصور الديني للممارسة السياسية، في حين كان الخلفاء يمثلون الاتجاه المدني في الحكم)، ثم جاء الأمويون والعباسيون وغيرهم فكان حكمهم حكما مدنيا لا يدعي الارتباط بالدين إلا حينما يريد الحاكم تسويغ سياسة ما وتحويلها إلى أمر ديني. 
لقد آن الأوان لهذا الدين أن يكون رحمة للعالمين ومصدرا للهداية الروحية والنفسية بدل أن يكون إيديولوجيا سياسية ستقضي على رونقه من حيث نظن أننا نخدمه ونقويه. وآن للأحزاب الإسلامية أن تتحول إلى أحزاب مدنية تتغيى تحقيق العدل وإقامة العمران مثلها في ذلك مثل أي تجمع سياسي بدل رفع شعارات لم يعرفها تاريخ الإسلام الطويل من مثل تطبيق الشريعة والحكم بما أنزل الله. 
وهذا لا يعني إلغاء الأحكام الشرعية الثابتة، وإنما يعني تطبيقها في إطار مدني قابل للتعديل والمراجعة عملا يمبدأ رعاية المصالح وهو جوهر السياسة الشرعية في الإسلام. 

 

 

14-04-2006 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=232