/

 

 

العلمانية والدين والدولة في تركيا:هل هي نموذج قابل للإقتداء في العالم العربي؟

محمد نور الدين

جاءت مفردة “علمانية” من LAIKOS اليونانية والتي تعني الناس الذين ليسوا رجال دين. ولها أيضاً معنى الناس الذين ليسوا أعضاء في طبقة الرهبان. وقد حاول بعض المفكرين العثمانيين إيجاد معنى رديف لها في العثمانية فأعطاها ضيا غوك ألب معنى “اللاديني” وأحمد باشا “لا روحاني”
وبعد تأسيس الجمهورية عام 1923 بدأت تتخذ هذه الكلمة معنى تحرير السياسة من تأثير الدين، وسيادة الشعب على نفسه التي قال بها مصطفى كمال، وبالتالي هي النقيض للخلافة التي هي رمز السيادة الإلهية. وعلى هذا كان قرار البرلمان التركي المشهور في 3 آذار / مارس 1924 في إلغاء الخلافة، وإلغاء وزارات الأوقاف والشؤون الدينية وتحويلها إلى مديريات عامة، وإلغاء كل أنواع المدارس واقرار قانون توحيد التدريس. وفي 17 شباط / فبراير 1926 أقر البرلمان القانون المدني الذي هو خطوة مفصلية في استبدال القوانين الإلهية بالقوانين الوضعية.
نص دستور 1921 في مادته الثانية على أن “دين الدولة التركية هو الدين الإسلامي” واستمر ذلك في دستور 1924 في المادة الثانية كذلك: “دين الدولة التركية هو الدين الإسلامي، اللغة الرسمية هي التركية ومقرها (عاصمتها) هي مدينة أنقرة” .ولاحظ الجميع أن إلغاء الخلافة ومن ثم اقرار القانون المدني كان يتعارض مع كون دين الدولة هو الإسلام. لذلك أقرّ البرلمان وبإجماع الـ 269 نائباً في 10 نيسان ،1928 تعديل عدة مواد في الدستور بموجب القانون 1222 وفقاً لما يلي:
1 ـ تعديل المادة الثانية التي تقول بالإسلام ديناً للدولة واصبحت كما يلي: “اللغة الرسمية للدولة التركية هي التركية ومقرّ الدولة مدينة أنقرة” أي حذفت عبارة “الإسلام دين الدولة”.
2 ـ تعديل المادة 16 التي تتضمن نص القسم الذي يؤديه النواب بحذف كلمة “والله” من القسم واستبدالها بكلمة “بشرفي”.
3 ـ تعديل المادة 38 بحذف كلمة “والله” من نصّ القسم الذي يؤديه رئيس الجمهورية، واستبدالها بكلمة “بشرفي”.
4 ـ تعديل المادة 26 بحذف عبارة “تطبيق الشؤون الدينية” (تنفيذ الأحكام الشرعية) من مهام البرلمان.
وفي هذه الفترة، السنوات الأولى لما بعد اعلان الجمهورية، توالت الإصلاحات التي تهدف إلى الإنتقال من سلطة أساسها الدين إلى جمهورية أساسها سيادة الشعب. فكان قانون توحيد التدريس أبرز هذه المظاهر، حيث ألغيت كل المدارس الدينية، الإسلامية والمسيحية. وبعدما كان عدد الطلاب مثلاً في المدارس الدينية الإسلامية عام 1923 ـ 1924 حوالي 2258 طالباً أصبح عددهم عام 1931 ـ 1932 صفراً.
ومن مظاهر هذا الإنتقال، أو ما ظُنّ كذلك، هو تغيير الحرف في 1 تشرين الثاني / نوفمبر ،1928 وتغيير الأعداد في أيار / مايو من نفس العام. وفي 21 حزيران/ يونيو 1934 أُلغيت كل الألقاب التي كانت سائدة في العهد العثماني، ومُنح مصطفى كمال لقب “أتاتورك” أي أبو الأتراك.
وفي نهاية العام نفسه (11 كانون الأول / ديسمبر) مُنحت المرأة حق الترشح والإنتخاب واستطاعت 18 إمرأة في انتخابات شباط / فبراير 1935 أن تدخل البرلمان.
غير أن التحول التاريخي كان في 3 شباط / فبراير 1937 عندما أقرّ البرلمان القانون رقم 3/15 وفيه اعتماد العلمانية في الدستور بحيث تصبح المادة الثانية منه كما يلي:
“دولة تركيا: جمهورية، قومية، شعبية، دولتية، علمانية وثورية. لغتها الرسمية التركية، عاصمتها مدينة أنقرة”. وبقيت المادة الثالثة على حالها: “السيادة بلا قيد وشرط للأمة”.
واستمرت الدساتير التركية اللاحقة (1961 و1982) تؤكد على علمانية الدولة في المادة الثانية منها.
هذا في المسار الحقوقي لتطور العلمانية في تركيا منذ العام 1923. لكن المشكلة في تركيا لم تكن يوماً في ما إذا كان خيار العلمنة صائباً أو خاطئاً، وما إذا كان يلائم المجتمع التركي أم لا. إن المشكلة الأساس في تركيا هي في المضمون الذي أعطاه الكماليون لمفهوم العلمانية وإرتباط تطبيقه من جانب النخبة الحاكمة بمجموعة من المصالح السياسية والاقتصادية، وتحويل الدين إلى أداة ليس لخدمة الإسلاميين والوصول إلى السلطة، بل إلى أداة لخدمة أهداف العلمانيين أنفسهم بحيث ان المطالبة بتطبيق حقيقي للعلمانية جاءت ولا تزال من جانب الإسلاميين لا العلمانيين.
* * *
أرادت “الكمالية” (مجموعة النظم والأفكار المنسوبة إلى مصطفى كمال أتاتورك) أن تنتقل بتركيا من إمبراطورية دينية متعددة القوميات إستمرت 600 عام وتوحد خلالها عند الأوروبي مصطلح التركي بالمسلم والمسلم بالتركي، إلى دولة ـ أمة، ودولة علمانية. ولما يفصل بين المرحلتين سنوات قليلة جداً. لذا كان من الطبيعي أن ينتقل مصطفى كمال من كونه بطلاً إسلامياً عام 1922 اعتمد على الشعور الديني لمقاومة الإحتلالات اليونانية والفرنسية والإنكليزية، إلى كونه عدواً للإسلام بعد سنتين أو ثلاث سنوات فقط.
“لم تمرّ تركيا بعصر تنوير، كما فعلت أوروبا، لتكون عندنا علمانية حقيقية” يقول الكاتب المعروف الراحل عزيز نيسين. لذا كان سهلاً على مجتمع مشبع بالقيم الإسلامية أن ينفر من علمانية النظام الجديد ويراها غريبة عنه بل معادية للدين.
إن التطورات الإجتماعية والتحولات السياسية في تركيا الجمهورية تجعلنا نلاحظ ما يلي:
1 ـ إن تحديد دور الدين في السياسة الداخلية التركية لم يتأتَ فقط من طبيعة حركة أصحاب الإتجاهات الإسلامية والزاوية التي ينظرون منها إلى مجمل التطورات والقضايا. إن فهم الكمالية للعلمنةِ نفسها كان محدداً مهماً جداً للمسار الذي اتخذه الإتجاه الإسلامي والدين عموماً طوال عقود الجمهورية. وهذا الفهم قاد إلى تعقيدات وتجاذبات وتوترات لم تنته ولا يتوقع لها أن تنتهي في المدى المنظور.
لقد تركت معاهدة لوزان (1923) للجماعات الدينية غير المسلمة حرية تنظيم شؤونها خارج رقابة الدولة. لكن العلمانية الكمالية لم تتعاطَ بنفس السوية مع الجماعات الإسلامية. فلم تترك لها حرية تنظيم شؤونها بل تحولت الدولة العلمانية إلى ما يشبه الإدارة للشؤون الدينية الإسلامية.
منذ اللحظة الأولى كان واضحاً أن العلمنة الكمالية لم تكن تعني فصل الدين عن الدولة بل إدارة الدولة للشأن الديني وهذا مخالف لأبسط قواعد العلمنة.
تقول المادة الرابعة من قانون توحيد التدريس الذي صدر في 3 آذار/ مارس 1924 والذي يحمل الرقم 430: “تشيّد وزارة المعارف كلية إلهيات بهدف إعداد متخصصين في العلوم الدينية العالية، كما تشيّد مدارس أخرى بهدف إعداد موظفين شرعيين لمواجهة الإحتياجات الدينية مثل الإمامة والخطابة”. واستمر هذا النص، بصيغ أخرى، في المادة 153 من دستور 1961 والمادة 174 من دستور 1982. وفي الفقرة الرابعة من المادة 24 من دستور 1982: “إن التعليم الديني يتمّ تحت إشراف الدولة” وإن مادة الدين التي تحمل إسم “الثقافة والمعرفة الأخلاقية” مادة إلزامية في المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة.
وإضافة إلى الجانب التعليمي عهدت الدولة إلى مؤسسة أنشأتها في مطلع العهد الجمهوري إدارة الجوامع وتعيين موظفيها وأئمتها وخطبائها. وهذه المؤسسة، “رئاسة الشؤون الدينية”، تابعة للدولة وتنال ميزانيتها كاملة من الدولة وتفوق (الميزانية) ميزانية عدة وزارة مجتمعة. وقد نص ذلك رسمياً دستور 1961 في مادته 154 ودستور 1982 في مادته 136.
وندرك أكثر دور العلمنة الكمالية في تحديد دور الدين ورسم مساراته في الحياة الإجتماعية والسياسية، عندما نعرف أن رئاسة الشؤون الدينية تخص ليس فقط الدين الإسلامي، بل المذهب الحنفي تحديداً، مستبعدة كل ما يمت بصلة إلى المذهب العلوي الذي يقارب أتباعه في تركيا العشرين مليوناً (حوالي ثلث عدد السكان). ويحتج العلويون على هذا الواقع بأنهم يدفعون الضرائب إلى مؤسسة لا تُعنى بشؤونهم وغيرممثلين فيها، بل أيضاً ممنوعون من تشكيل مجلس خاص بهم، على غرار “رئاسة الشؤون الدينية”. والأمر نفسه ينسحب على كلية الإلهيات ومعاهد إمام وخطيب ومادة التعليم الديني الإلزامية، المهتمة فقط بالمذهب الحنفي.
2 ـ إن العلمنة الكمالية لم تكتفِ بتطبيق مفهوم خاطىء للعلاقة بين الدولة والدين، بل إستخدمت الدين مادة وأداة لتحقيق غايات لا تمت بصلة إلى طبيعة الدولة العلمانية.
كانت معاهد “إمام ـ خطيب” قد أغلقت بعد سنوات على إفتتاحها. وعندما أسفرت الحرب العالمية الثانية عن ظهور واقع دولي جديد كان لا بد لتركيا، لتؤكد إنتماءها إلى الغرب، من إقرار مبدأ التعددية الحزبية وإجراء إنتخابات ديموقراطية (عام 1946). كان ذلك الفرصة الأولى للمجموعات المعارضة للنظام (ومعظمها من الفئات المتدينة) لتعبر عن سخطها من ممارسات الكمالية ضد الإتجاهات الإسلامية. وكان عصمت اينونو، خليفة أتاتورك بعد وفاة الأخير عام ،1938 يدرك مخاطر الديموقراطية على مستقبل حزبه، حزب الشعب الجمهوري، ويدرك إن الجماهير التي لم تجد، في أواخر الثلاثينات، إماماً يصلي في الجنازات، لن تمنحه صوتها. فلم يتردد اينونو من توسل العامل الديني للبقاء في السلطة. فحمل ملصق حملته الإنتخابية عام 1946 صورة لأمرأتين واحدة سافرة الرأس وأخرى محجبة. وفي مؤتمر حزبه عام 1947 وصف الدين بأنه “غذاء روحي للمجتمع” وأوعز في العاشر من كانون الثاني/ يناير عام 1949 بفتح دورات لإعداد أئمة وخطباء.
ومضى منافسه، عدنان مندريس، زعيم الحزب الديموقراطي الذي هزمَ اينونو في إنتخابات 1950 واستمر في السلطة حتى ،1960 أبعد من اينونو، فألغى دورات إمام ـ خطيب “لأنها لا تفي بالغرض” وأصدر في 13 تشرين الأول 1951 قراراً بإفتتاح معاهد إمام ـ خطيب التي إرتفع عددها من سبعة عام 1951 إلى 391 عام 1994.
وحين أسفرت إنتخابات 14 تشرين الأول 1973 عن فشل الحزبين الرئيسين الشعب الجمهوري (اليساري) والعدالة (اليميني) نيل الغالبية المطلقة كان ذلك إنتصاراً لحزب السلامة الوطني (الإسلامي) الذي يتزعمه نجم الدين أربكان. إذ كان على بولنت أجاويد أوسليمان ديميريل لكي يصل أحدهما إلى السلطة أن يأتلف مع الإسلامي أربكان الذي نال 8.11 في المئة من الأصوات. ولم يتوان الأكثر تطرفاً علمانياً (بولنت أجاويد) من الإقدام على التحالف مع أربكان في حكومة تولى فيها حزب السلامة الوطني سبع حقائب بعضها أساسي وتوليه أيضاً المسؤولية عن “رئاسة الشؤون الدينية”. وبذلك لم يتورع حتى حزب أتاتورك نفسه من توسل الإتجاهات الدينية ليصل إلى السلطة. وحذا سليمان ديميريل حذو أجاويد حين توسل هو أيضاً حزب أربكان الإسلامي ليصل إلى السلطة مرتين عام 1975 وعام 1977. مع التذكير بأن عدد معاهد إمام ـ خطيب إرتفع في عهد الحكومات التي كان أربكان طرفاً فيها من 58 عام 1973 إلى 335 عام 1978.
لقد قاد العسكر إنقلاباتهم عامي 1960 و1971 تحت الشعار الدائم حماية العلمانية، وكذلك فعل قادة إنقلاب 12 أيلول/سبتمبر 1980. لكن العسكر بدورهم كانوا لا يترددون في إستغلال الدين إذا كان ذلك يحفظ دورهم، هم، لا العلمانية، في السياسة وفي السلطة. وتحت شعار محاربة اليسار، كان إنقلابيو ،1980 بمثابة “شيوخ” جدد. فوضع قائدهم كنعان ايفرين مادة التعليم الديني في الدستور مادة الزامية بعدما كانت إختيارية. وكان يستشهد في خطبه أمام الناس بالآيات القرآنية. وفي عهده تبلور بصورة شديدة الوضوح “الطرح التركي ـ الإسلامي” الذي ظهر في السبعينات لمواجهة اليسار والحركات الإنفصالية. وفي الخطة الخمسية للتنمية التي أقرها النظام العسكري عام 1983 أن “دوراً كبيراً يقع على المؤسسة الدينية من أجل حماية الدولة وعدم شرذمة الوحدة الوطنية” و”إن الدين ليس مذهباً ينظم العبادات بل إنه ضرورة إجتماعية”.
لا يمكن هنا وضع مرحلة طورغوت أوزال (1983 ـ 1993) ضمن إستخدام الدين أداة سياسية. لأن أوزال كان متديناً بالفعل وكان دوره أساسياً في إطلاق الحراك الإسلامي إجتماعياً واقتصادياً. ولكن من المفيد التذكير ببعض المظاهر الإسلامية في عهده: كان أول رئيس حكومة تركي يؤدي مناسك الحج، ويشارك بصورة منتظمة في صلاة الجمعة، ويشارك النقشبندية تقاليدهم (منها زيارة ضريح بهاء الدين النقشبندي في أوزبكستان). ووزير تربيته عامي 1983 و1984 منع تدريس نظرية داروين في المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة. وأمر الفتيات بإرتداء ثياب أكثر حشمة في إستعراضات عيد الشباب والرياضة، ومنع الإعلان عن مشروب “العرق” (RAKI) في التلفزيون ... الخ.
مثال آخر قريب العهد على إستعداد العلمانيين لإستخدام الدين أداة لمنافع شخصية أو حزبية. طانسو تشيللر، أول إمرأة ترأس حكومة تركية عام ،1993 وهلل لها العلمانيون كثيراً حينها وحلق بعضهم، ومنهم رؤساء تحرير صحف، شواربهم علامة على حداثة تركيا بعد وصول تشيللر إلى رئاسة الحكومة، هذه “الشقراء الجميلة” كما نعتت، كانت على إستعداد عام 1996 لتسهيل وصول أول إسلامي إلى رئاسة الحكومة عبر التحالف مع أربكان، وكانت تكثر من الظهور وهي ترتدي غطاء الرأس أثناء تلاوة القرآن... ألخ، كل ذلك من أجل إنقاذ نفسها من فضائح فساد.
كان التطرف سمة العلمانية الكمالية. فإما أن تصل إلى درجة التحالف مع الإسلاميين أو تصل إلى درجة إنتهاك حتى الحريات الشخصية.
كان يستطيع كنعان ايغرين الإستشهاد بنصوص قرآنية، من دون إعتراض المؤسسة الحاكمة أو تحفظها، لكن قراءة رجب طيب اردوغان لأبيات من قصيدة للأب الروحي لأتاتورك كان كافياً ليسجن ويمنع من العمل السياسي والترشح للإنتخابات التي جرت في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2002.
وكان بإستطاعة زوجة وزير في حكومة خلال عهد أوزال ان ترتدي غطاء للرأس في مناسبات رسمية، فيما تُمنع آلاف الطالبات منذ العام 1998 من متابعة الدراسة في الجامعات لأنهن محجبات. وكيف يمكن لجامعات الولايات المتحدة وفرنسا، مهد العلمنة ونموذجها، ان يسمحن للمحجبات من متابعة دراستهن ولا يسمح لهن بذلك في بلدهن تركيا؟
لقد ركّز التقرير الأوروبي حول مدى تقدم تركيا في مجال تطبيق معايير كوبنهاغن، على نظام الممنوعات في تركيا وإنتهاك الحريات الشخصية وحقوق الإنسان. حتى تقرير وزارة الخارجية الأميركية (في نهاية شباط/ فبراير 2004) ركز على انتهاك الحريات الدينية والشخصية في تركيا عبر إيراد مثال القاضي الذي اخرج امرأة من قاعة المحكمة لأنها محجبة، ومثال رئيس الجمهورية نفسه أحمد نجدت سيزير عندما امتنع عن توجيه الدعوة لحضور احتفالات عيد الجمهورية في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2003 إلى زوجات عدد كبير من الوزراء والنواب لأنهن فقط يرتدين الحجاب.
لم يمتشق الإسلاميون في تركيا يوماً السلاح في وجه النظام، رغم كل الإضطهاد والقمع والإستئصال الذي واجهوه. وكان اربكان يردد دائماً من الإسلاميين لا يريدون سوى ان يتساووا مع غير المسلمين في تركيا.
3 ـ لقد لعبت التحوّلات المناطقية والفكرية في السبعينات والتسعينات، وإضافة إلى حركات النزوح من الريف إلى المدن والنقاشات الفكرية وإنتهاء الصراع بين الشرق والغرب، دوراً مهماً في بلورة دور الدين في الحياة العامة. وتستوقفنا هنا بالتحديد الإصلاحات الإقتصادية لأوزال في إتجاه إقتصاد السوق والتي بدأت مذ كان مستشاراً للجنة تخطيط الدولة في مطلع العام 1980. وهذه الإصلاحات ساهمت بصورة مباشرة في كسر إحتكار الدولة / المركز / العلمانيين للحركة الإقتصادية وبالتالي كسر ثقلهم وتأثيرهم الإقتصادي، وإطلاق ما عرف بـ “الثروة الخضراء” أو “نمور الأناضول”، أي رأس المال الإسلامي، ما انعكس تعاظماً في حضور وتأثير المؤسسات الإقتصادية والإجتماعية الإسلامية فكثرت الشركات والمصانع ودور النشر والمؤسسات الإجتماعية والصحية والتعليمية والجامعية والمصرفية التي يموّلها ويديرها إسلاميون. ولا يغيب عن عوامل الصعود الإسلامي هذا دور رأس المال العربي، السعودي خصوصاً.
4 ـ إن الخطاب الإسلامي في تركيا، كما الممارسة، كان دائماً تحت “سقف النظام”. فلم يدعُ أحد منهم إلى تغيير النظام السياسي أو إلغاء العلمنة أو إقامة دولة دينية. قد يكون هذا الهدف يراودهم، لكن ممارستهم بقيت ضمن القواعد التي رسمها الدستور. ورغم كل القمع والمنع من سجن وحظر أحزاب ومنع من العمل السياسي، لم يدعُ أي زعيم إسلامي إلى إستخدام العنف كأداة لتحقيق الأهداف. بل مع كل مرحلة كان الخطاب الإسلامي يزداد اعتدالاً بل تجاوز أحياناً الخطاب العلماني في بعض القضايا. يقول عبد الله غول، نائب زعيم حزب العدالة والتنمية “إن دخول الناس المتدينين في السياسة، ومشاعرهم المتصلة بالسياسة، ليست بدافع مطلب إقامة دولة دينية. مطلب الشعب متصل بالحرية الدينية الكاملة”. وأردوغان يعلن بكل وضوح اليوم انه لا يريد دولة دينية، بل يقول إن وَسْمَ حزبه بالإسلامي هو إهانة لحزبه وللإسلام. ويعلن إنه يريد المحافظة على النظام العلماني بمعناه الحقيقي.
لكن المشكلة ان العلمانيين الكماليين ليس فقط لا يريدون سماع مثل هذا الخطاب الإسلامي المعتدل بل إنه يحرجهم ويعرّي نواياهم. فكما لا يهمّ العسكر ان تنتهي الحرب مع الأكراد ليواصل اتخاذها ذريعة لإستمرار هيمنته على السلطة، فالعلمانيون الكماليون، لا يريدون ان يطوّر الإسلاميون خطابهم حتى يواصلوا اتخاذه ذريعة لجلب التعاطف الأوروبي مما يسمى “الخطر الأصولي”، وتبرير إنتهاكاتهم للحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان.
لقد رفع مصطفى كمال ومن بعده من الكماليين شعار الأَوْربة. وبعد ثمانين عاماً من ذلك وأربعين عاماً من إعلان انقرة (1963) وطلب تركيا الإنضمام إلى الجماعة الأوروبية، نسأل لماذا لم ينجح العلمانيون الكماليون في أن يكونوا جزءاً من المنظومة الحضارية الأوروبية؟ وإذا كان جزءٌ من مسؤولية بقاء تركيا خارج الإتحاد الأوروبي يقع على النظرة المسبقة لأوروبا الى تركيا بصفتها بلداً مسلماً، إلا أن المسؤولية الكبرى والأساسية تقع على عاتق الكماليين الذين لم يسعوا يوماً ما بجدية لتكون تركيا بلداً علمانياً وديموقراطياً حقيقياً ويتمتع بحريات دينية وسياسية كاملة. وعندما يرفع الجنرال حسين كيفريك أوغلو، رئيس الأركان الذي انتهت ولايته في نهاية آب/ أغسطس ،2002 شعار “حرب الألف عام” ضد الإسلاميين فهذا مؤشر على أن مأزق العلمانية الكمالية في التعاطي مع “الآخر” الإسلامي لا نهاية قريبة له.
منذ البداية لم يكن “الإسلامُ التركي” “إسلاماً” بالمعنى الشائع في مصر أو السعودية أو إيران أو باكستان مثلاً. وحين يقول اردوغان “لقد تغيّرتُ” ليس فقط لا يصدّقه العلمانيون الكماليون (العسكر خصوصاً)، بل لا يريدونه ان يتغيّر.
إنه مأزق العلمانية الكمالية التركية وأدواتها (العسكر ـ القضاء ـ المتشددون من المدنيين العلمانيين) حيث “المسألة الإسلامية” ليست سوى جزيئية منه وإفراز لتطبيقها الخاطيء.
في المقابل:
1 ـ لقد وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة خريف عام ،2002 وكان أساس خطابه السياسي إقامة علمانية حقيقية تحترم الحريات الدينية والشخصية. إن مطالبة الحزب بذلك لا ينطلق من عقيدة دينية جمعية. فالحزب لا إيديولوجيا دينية له حتى نقول إن حزباً إسلامياً يطالب بعلمانية، سواء حقيقية أم خلافها. إن حزب العدالة والتنمية نفسه يرفض أن يوصف بأنه حزب اسلامي، لأن في ذلك، يقول أردوغان، إهانة للإسلام وللحزب.
2 ـ إن أساس خطاب حزب العدالة والتنمية هو إقامة نظام الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، كما هو مطبق في الاتحاد الأوروبي، بل هذا شرط أوروبي لعضوية تركيا في الإتحاد. إن إقامة مثل هذا النظام، غير مرتبط بهوية دينية سواء إسلامية أو مسيحية.
3 ـ إن تطبيق تركيا المنظومة الحقوقية الأوروبية، يعني ابتعاداً وفي الكثير من المجالات، تناقضاً، مع المنظومة الحقوقية في الإسلام (الحجاب، الزنا، الإرث، الزواج والطلاق.. الخ).
4 ـ إن البعد الإسلامي في هوية حزب العدالة والتنمية يُمارس فقط من خلال الهوية الدينية للفرد، كفرد، لا كجماعة ولا كمنظومة دولة.
من خلال ذلك، إن تقديم تجربة حزب العدالة والتنمية كنموذج للعالم الإسلامي، يجمع بين الديموقراطية والإسلام، هو أمر خاطيء.
فقط حين تكون طبيعة النظام دينية ويمارس حريات وديموقراطية وحقوق إنسان في الوقت نفسه، يصح القول بالمزاوجة بين الديموقراطية والإسلام. إن طبيعة ممارسة حزب العدالة والتنمية لا تختلف عما يمارسه المسلمون، كأفراد، الذين يقطنون في الدول الأوروبية. وبالتالي هي خارج أي محاولة لتكون نموذجاً للجمع بين الدين والديموقراطية.
إن المسألة هنا هي المعنى الذي يُعطى لمصطلحات مثل الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان، والعلمانية. وهو ليس معنى واحداً مجمعاً عليه، لا في أوروبا ولا الولايات المتحدة ولا في الإسلام. إن تحديد مضمون المصطلح له أولوية على تقويم الممارسة. ولا يحق لأحد فرض تفسيره على الآخر.
ــــــــــ
(*) من أوراق مؤتمر: "حقوق الإنسان وتجديد الخطاب الديني:كيف يستفيد العالم العربي من تجارب العالم الإسلامي غير العربي؟" الإسكندرية في 18-20 أبريل 2006.
 


 

 

17-05-2006 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=237