/

 

 

الجهاد والعنف: مشكلة المفاهيم .. والإصلاح

معتز الخطيب


"إن إضافة كل تلك الأشكال من العنف إلى 
الإسلام تضعه في معضلة من نوع خاص"

الشحنة الانفعالية التي انبجست بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وما ولَّدته من شظايا أفعال على الصعيد الدولي سبقها وأعقبها وصاحبها شعارات وحملات إعلامية أحدثت ثورة مفاهيمية [1] اختلطت فيها السياسة بالثقافة والدين؛ ما جعل من قضية المفاهيم قضية مركزية تجب مساءلتها واستثارة مكنوناتها، وكيف يمكن –على صعيد الفعل السياسي- للألفاظ أن تُكيَّف لتستوعب المصالح وتغيراتها، وكيف أمكن استثارة أبعاد دينية / عقدية للأحداث والكلمات (صليبية، الإرهاب، ..).
الإرهاب: مشكلة التعريف
لم يشهد مصطلح "الإرهاب" – بالرغم من قدمه[2] - حيوية تداولية على المستوى الدولي قبل ذلك التاريخ، ومع ذلك بقي مفهومًا غير محدود، ومرنًا لدرجة زاد فيها الخلط حتى تحمّل "المصطلح" بأكثر مما يحتمل معناه، الأمر الذي جعل من الإشكالية تتخطى حدود الديني والثقافي والسياسي، إلى الوطني والقومي والعقدي حين يشمل الإرهاب كل فعل إسلامي خاصة، وفلسطيني مقاوِم دفاعًا عن النفس والأرض. 
إن سؤال مفهوم "الإرهاب" يضعنا أمام تعقيد يصعب معالجته من منظور فكري (مفهومي) فقط، وفي هذا السياق يقول ديفيد فروم وريتشارد بيرل (من المحافظين الجدد): "ليست كلماتنا مقنعة، وهذا ليس فقط لأن السكان في الشرق الأوسط لا يصدّقون ما نقوله، لكن أيضاً لأننا، نحن وهم، لا نتفق على معنى الكلمات التي تشكل قاموسنا الأخلاقي. فالأميركان وأهل الشرق الأوسط قد يوافقون، مثلاً، على أن من الخطأ قتل حياة إنسانية بريئة. لكننا لا نتفق على من هو البريء ومن ليس هو"[3]. فالكلام يحيل إلى افتراق في الكونين المفهوميين وفي المجال الأخلاقي صادرٍ عن أسباب أشد تعقيداً من فكرة "صراع الحضارات" أو العداء للإسلام، حتى يتم بالمقابل تحديد أولوياتنا بالحديث عن حوار بين الثقافات أو الحضارات والتسامح ونحوه. 
وبالرغم من أنه ليس هناك اتفاق على تعريف محدد وتفصيلي لـ"الإرهاب"[4] - بل هناك شبه إجماع على صعوبة وضع مثل هذا التعريف[5] - فإن عددًا من القوانين تدرج "الإرهاب" ضمن أعمال "العنف"[6] ، ولن نخوض في جدل تعريف الإرهاب وإشكالاته، لكن من المهم فهم أسباب عدم الاتفاق على تعريف واضح ومحدد له، منها: أن الإرهاب ليس مصطلحًا قانونيًّا يتم الاتفاق على مدلوله وفرض عقوبات واضحة بناء عليه، كما أنه لم يعد محصورًا في حدود الدولة، الأمر الذي زاد من تعقيدات التعامل معه ونسبية بعض مظاهره، فالفعل الذي يقع في ظل المواجهة العسكرية ويُعَدّ –عسكريًّا- مشروعًا لا يكون مشروعًا في حال السلم، وهنا دخل في تحديد المفهوم اعتبار الظروف التي يقع فيها. 
والأهم من ذلك أن الإرهاب يأتي في سياق صراع بين أطراف، وهنا تدخل اعتبارات مختلفة ومتناقضة في تحديد مفهومه وتوظيفه، ليشمل الإرهاب حركات المقاومة والتحرر الوطني. إن أي صراع من شأنه أن يولد حركات مقاومة ورفض تقوم على مطالب عقائدية أو شبه عقائدية تهدف لتحقيق المبادئ، ولا يمكن لها القبول بالتفاوض في مطالبها، في حين أن الاعتبارات السياسية مبنية على التسويات والمصالح، ومن هنا تلجأ إلى سحب الشرعية عن ممارسات المناهضين لها ولمصالحها وتجريم أفعالهم. في المقابل يجد من يمارسون تلك الأفعال في هذا السياق ذاته مبررات تصرفاتهم، وأنهم لا يجدون اللذة في ذلك ولكن لأنه الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامهم لمواجهة الشعور بفقدان العدالة، أو لرد العدوان، أو للضغط باتجاه تغيير النظام الاستبدادي.
إن الاتفاق على عدم وجود تعريف واضح ومحدد للإرهاب ليس مسألة نظرية تتصل بالمفاهيم المجردة، بل هو يتعلق بجوهر الموقف والسلوك العملي تجاه هذا السلوك أو ذاك مما يوصف بأنه إرهاب، ما يعني أن مفهوم "الإرهاب" نفسه المرن واللا محدود يحتوي في ذاته على عوامل إمداده نفسه بالحيوية والحركة والاستمرارية، ومن ثمّ فإن أي حديث عن محاربته ينطوي على فاعلية في استمراره في ذاته!.
نقطة أخرى مهمة هنا في هذا السياق، وهي أن حديث الأنظمة والقوى الدولية عن "مكافحة الإرهاب" أو الحرب عليه –كما هو عنوان الممارسات الأمريكية- ينطوي على اعتقاد ممجوج ببراءة النفس وطهرانية تلك النظم من ممارسة هذا النوع، ما يعني أن هذه المحاربة هي في حقيقة الأمر من أجل "احتكار" شرعية ممارسته وليس نفيه بالمطلق!.
العنف: أبعاد مركبة
بعد هذا كله، هل يمكن النظر إلى مفهوم "العنف" بأشكاله - التي منها "الإرهاب" - من زاوية قيمية على المستوى الأخلاقي، وتجريدية على المستوى المفهومي؟. إن المفاهيم لا توجد في الأذهان فقط، ولا بد - في درسها - من رصد حركتها في الواقع وتعقيداتها في لحظة تحويلها إلى أفعال وسلوكيات يسهم في تشكلها اعتبارات مختلفة ومعقدة، سواء على مستوى بروزها كفكرة أولية وتشكلها في الذهن، أم على مستوى تكونها وتشخصها كواقع ملموس. ومن ثم فإن التعقيدات السياسية السابقة من شأنها أن تضع بثقلها على تحديد الموقف الأخلاقي من العنف والإرهاب، وكذلك على تحديد حجمه وانتشاره. 
وبالنظر إلى العنف نجد أن "أصله استجابة سلوكية، يميل السلوك البشري عادة إلى الانطباع بها كانعكاس لعدد من العوامل الداخلية المتعلقة بصميم الحياة النفسية للفرد، والخارجية المتعلقة بتأثيرات البيئة بمفهومها الشامل: عقديا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وغير ذلك. وغالبا ما يحدث العنف في البيئات أو الأزمنة المضطربة، فهو في حقيقة الأمر رد فعل أكثر من كونه فعلاً، بدليل أن العنف باستعراض التاريخ، يحدث غالبا في أوقات الأزمات واضطراب أحوال الأمم"[7]. وبالتأكيد نحن هنا نمارس عملية تفسير لا تبرير أو اتخاذ موقف قيمي، وفي التفسير ذاته تتوزع المسؤوليات تجاه العنف وأشكاله.
العنف إنما هو من الظواهر "المركبة" ذات الأبعاد المتعددة والمتشابكة، ولا يمكن الحديث فيه عن مكون أحادي، سواء على مستوى المكونات المفهومية أم على مستوى أسباب نشأته وبواعثه، وحين ينضاف إلى ذلك كله مشكلات التوظيف السياسي يزداد الأمر تعقيدًا وتصبح معالجته أكثر إعضالاً. 
العنف: بين التركيبية والتديين
وإذا كان من المفاهيم المركبة فإن الحديث عن تديين العنف، أو أسلمته فقط[8]، هو حديث تبسيطي لا يستند إلى مبررات معرفية أو دلائل تاريخية وواقعية، بل يكاد يندرج في سياق التوظيف السياسي أو الأيديولوجي في مجال الصراع. فلا بد من التفريق هنا بين مكونات الدافع إلى العنف (كالإحباط مثلاً، أو العجز عن دفع العدوان) وبين شكل التعبير وصيغته استنادًا إلى المفاهيم والمنظومة الدينية (الإسلامية مثلاً).
حين الحديث عن الصيغة الدينية للعنف نجد أن المنظومة الإسلامية تميزت بابتكار مصطلح فريد للتعبير عن ذلك العنف المشروع تحديدًا، تمييزًا له عن أي صيغة سلبية أخرى تلتحق به، هذا المصطلح هو "الجهاد". فهو في حقيقته بمعناه الاصطلاحي (القتالي) يتصل بمفهوم العنف كالحرب تمامًا مع الفوارق الاصطلاحية بين المفهومين[9]، لكنه ليس ذلك العنف المجرد كما سبق أن قررنا في الحديث عن مفهوم العنف. فلا بد أن ينظر إليه في سياق مركب، وليس على مستوى مفهومي مجرد فقط، بل في حقل تطبيقه وإطار المنظومة الحاكمة، وفي حدود أهدافه العليا ووسائله المشروعة أيضًا. هذه الاعتبارات جميعًا اقتضت اجتراح مصطلح ديني خاص للتعبير عنها بلفظ "الجهاد" - من الجهد - الذي يحتوي على مكونات إيجابية تسم الفعل المشبع بالرمزية الدينية. في حين أن المعاجم العربية لا تزيد في تعريف العنف على التعريف السلبي، بكونه ضد الرفق أو نقيضه حتى مع ابن فارس الذي اعتنى بتحديد أصول دلالات الجذر اللغوي باستقصاء استعمالاته ودوران تركيبة حروفه المفردة[10].
ولكي لا يبدو وصل "الجهاد" بالعنف حتى بالمعنى الخاص المشار إليه إقحامًا له في غير محله ووصفِه، فلا بد من التأكيد على أن الجهاد مفهوم يقابل - ولا يساوي – الحرب، ومن ثم فلا معنى لذلك الرُّهاب الذي يسود أذهان الغربيين خاصة، لكن في حقيقة الأمر، إنما يأتي ذلك من الممارسات الفرعية –إن جاز التعبير- للجهاد، أي في حال نشأة جماعات متفرقة تحت مسمى الجهاد، وتوزع ممارساته في ظروف مختلفة عن تلك التي تنشأ زمن الحروب مثلاً. وهنا يلتبس مفهوم الجهاد –على معنى المقاومة – بمفهوم العنف والإرهاب، كما في حركات التحرر الوطني كحركتي الجهاد وحماس، وهذا في حقيقته عنف مشروع (جهاد) يلتبس بمفهوم العنف والإرهاب المجرّم كما في ممارسات الجماعة الإسلامية في مصر وممارسات تنظيم القاعدة مثلاً. 
عادة ما تلجأ حركات العنف لاستعمال مصطلح "الجهاد" المشبع بالرمزية الدينية والمشروعية الأخلاقية لوصف أفعالها، وهذا في الغالب لا يكون من باب التوظيف أو الاستثمار الواعي، وإنما ينشأ ذلك من الخلط بين الجهاد والعنف على المستوى المفهومي لاعتبارات مركبة ومعقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الفقهية الكلاسيكية مع البيئة الاجتماعية والسياسية، وعنوان الجهاد في هذه الحالة يوفر مشروعية ذاتية للجماعة تقنع بها نفسها بمشروعية تلك الأفعال، ويوفر مشروعية إسلامية تبرر فعلها أمام المسلمين.
العنف: جدل الفكر وحركة الواقع
إنه من غير الدقيق الاكتفاء بدرس ظاهرة العنف ومظاهر الخلط بينه وبين الجهاد، ضمن الإطار الفقهي – الفكري المعزول عن الواقع وطبيعة تركيبه اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا ودينيًّا، داخليًّا وخارجيًّا أيضًا. صحيح أنه يمكن الحديث عما يمكن تسميته بفقه جماعات العنف، وأنه يستند إلى تراث فقهي، كما يمكن الحديث عن سمات عامة فيه[11] لكن النظر الأحادي باتجاه كون العنف أزمة فكرية، من شأنه أن يرضي المولعين بالقول: إن العنف السياسي أساسي وتكويني في "الأصولية الإسلامية" كما يذهب لذلك جيل كيبيل مثلاً. إننا حين نحيل تشخيص الأزمة إلى أزمة فكرية – فقهية على مستوى الإسلام، فإن هذا الإرث الفقهي متاح للجميع من المسلمين، فلماذا يثمر لدى فئة محدودة دون جميعهم؟ ولماذا يثمر في أرض دون أخرى؟. 
"إن ظواهر التسيس والعنف ليست خاصة بالأصولية الإسلامية؛ فالأصولية الهندوسية اليوم أشد عنفًا من الإسلاميين، كما أنها تستخدم ذلك العنف من داخل مؤسسة الدولة ومن خارجها. وعلى رغم ذلك لا يمكن القول: إن التسيس أو العنف تكوينيان فيها لأنه لم يعرف لها اهتمام سياسي قبل العقدين الأخيرين من السنين"[12].
ثمة سؤال آخر مشروع وضروري هنا وهو: لماذا لم يظهر هذا التيار أو هذا الفقه العملي المتشخص أفعالاً من قبل؟ 
إن الملامح السابقة أمكن رسمها بعد تشكل ذلك الفقه العنفي القائم على محور المفاصلة، لكن ما قبل التشكل يمكن الحديث عن ظروف وعوامل أدت إلى خلق بيئة ملائمة ومواتية لاستثمار وفهم وإنتاج فقه العنف من أجزاء مبعثرة من الإرث الفقهي الكلاسيكي والاجتهادات المعاصرة، وتبني خيارات وإقصاء أخرى موازية لها، وتخلل عملية الإنتاج تلك فجوات فكرية ومفهومية ومنهجية أثناء عملية البناء والتركيب المستندة إلى القرآن والسنة والتراث الفقهي، حيث يستمد منها بعض مقولاته وأدلته التي توفر له الشرعية الدينية وتصله بلحظته الطهورية المنشودة، وتمده بالطاقة الرمزية التي تدفعه باتجاه طلب "الشهادة" في مثل تلك الأفعال الانتحارية وتَقَحّم تلك المخاطرات. 
فمثلاً، البوابة الكبرى للدخول في ساحة العنف بأشكاله هو الجهاد، وهو باب عظيم من أبواب الدين موجود منذ نشأة الإسلام وعبر التاريخ، ولم يُنتج – تاريخيًّا فيما أعلم– مثل هذه الالتباسات والتعقيدات البالغة القسوة والتأثير. وحين ينشأ مثل ذلك يجب البحث في مكونات ذلك العنف على مستوى الفكر وملامح الفقه المتشكل، وعلى مستوى البيئة المخصبة له والدافعة باتجاه تبلوره ونشأته، ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا ودينيًّا.
لنأخذ - مثلاً - مفهوم "دار الكفر" وهو أحد المفردات "الفقهية" لباب الجهاد الواسع، التي استثمرها تنظيم "الجهاد الإسلامي" في مصر سنة 1976م على نحو استراتيجي، من خلال الحديث عن انقلاب دار الإسلام إلى دار كفر[13] ، انطلاقاً من فكرة سيد قطب -رحمه الله- عن "الجاهلية" المعاصرة، التي كانت قنطرة نحو تكفير المجتمعات المسلمة فيما بعد، علماً بأن أول تكفير للمجتمعات على أساس قبولها أو سكوتها عن تطبيق القانون الوضعي كان من رئيس المشيخة العثمانية مصطفى صبري رحمه الله[14]، إلا أنه لم يتم استثمار حركات الإسلام السياسي المسلحة لموقف صبري، وإنما لسيد قطب، وهذا له دلالاته المهمة هنا، منها أن الصراع مع الأنظمة كان البيئة المواتية لتشكل تلك الأفكار، وليس مجرد استنباط وتخريج على أصول الفقهاء. ومنها أيضًا الحديث عن انقلاب دار الإسلام إلى دار كفر مع التداخل الفقهي بين دار الحرب ودار الكفر لأسباب تاريخية[15] جرّ إلى تحول الجهاد ضد الداخل قبل توجهه إلى الخارج في اجتهادات هذا التنظيم وغيره على واقع معاصر. 
ومفهوم "الحاكمية"، الذي تحول مع سيد قطب إلى قرين شهادة التوحيد "لا إله إلا الله" وأحد مقتضياتها كان صاغه أبو الأعلى المودودي -رحمه الله- في سياق صراع الهنود المسلمين لإنشاء كيان سياسي خاص بهم في باكستان.
إن سيد قطب لم يكن قبل الخمسينيات من رجال المغالاة في الفكر السياسي الإسلامي، و"لم يعرف (النظام الخاص) للإخوان المسلمين، ولكن ظروف الخمسينيات والستينيات من بعد، والأوضاع التي خضعت لها تجربته الفكرية وملكاته الوجدانية والعقلية كل ذلك اجتمع ليخرج من يراع هذا الرجل جوهر الفكرة الأساسية التي تقوم عليها كتائب الصدام"[16].
وبين مفهومي الجاهلية المعاصرة ودار الكفر تردى مفهوم الجهاد ليصبح مجاهدة للعالم وللأنظمة الكافرة في المجتمعات المسلمة، ومن ثم تحول عموم المسلمين الذين رضوا بها وخضعوا لها إلى محطّ للدعوة وإعادة الأسلمة لأنهم لم يحققوا مقتضى شهادة التوحيد.
لقد قامت مشروعية عملية 11 أيلول 2001م على أساس أن أميركا "دار حرب"، وقد قال أسامة بن لادن في بيانه الأول: "إن هذا الحدث قد قسم العالم إلى فسطاطين"، يقصد: دار حرب ودار إسلام، علمًا بأن هذا التقسيم موجود منذ القرون الهجرية الأولى، وأنتجته ظروف تاريخية لم تعد موجودة لاحقًا، كما يرى عدد من الفقهاء والباحثين المعاصرين[17]. ومع ذلك أكسبت حادثة 11 أيلول/سبتمبر 2001م هذا التقسيم الفقهي التاريخي للعالم أهمية مثيرة، وشكل استثماره - مع القاعدة - كارثة كبرى!. 
ظاهرة العنف: محاولة للتفسير
التساؤل السابق حول توقيت ظهور جماعات العنف يدفع باتجاه الدخول في تفسير ظاهرة العنف هذه. فلم تكن ردود الفعل على أطماع الغرب التسلطية ذات طابع عنفي، فقد تنوعت وتشعبت كثيرًا، وبروز ظاهرة الحركات المسلحة حديث جدًّا، وإذا كان فريتس شتيبات اعتبر البروز "الظاهر" لـ"الأصولية" الإسلامية في منتصف القرن العشرين، وبنى عليه "ضرورة البحث عن أسباب الأزمة التي يشعر بها المسلمون الآن شعورًا واعيًا" فإن البروز الحديث جدًّا للعنف المسلح يفرض ذات الأمر, فالعنف المسلح هو تطور للأصولية التي تجمع بين الشمولية، والنصوصية، والانحياز المطلق، بحسب تحديد شتيبات. والإحباطات التي فجّرت وغذّت الأصولية تنطبق تمامًا على العنف المسلح هذا. ويمكن إجمالها في الآتي:
• محاولات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي بقيت حتى الآن قاصرة وعاجزة.
• السخط على الحكومات المسؤولة عن تعثر مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعن حرمان الشعب من المشاركة في القرارات السياسية المهمة. والخضوع لهذه الحكومات الفاشلة يمثل عبئًا ثقيلاً.
• النظام العالمي الظالم، فالقوى الغربية لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها الأنانية، ومعاييرها المزدوجة تضر بمصالح الشعوب الإسلامية والعربية[18].
صحيح أن عناصر الإحباط السابقة ليس لها صلة بالدين، وجو القنوط والإحباط الذي تخلفه يؤثر بالمسيحيين العرب أيضًا، لكن هذا غير كافٍ للنظر في الظاهرة، ففي الطرف المقابل لا بد من اعتبار مكونات العنف، والحساسية الدينية العالية لدعاته، وتكوينهم الشخصي، والنفسي، والديني، من جهة، وكذلك من الطبيعي أن يأتي تعبيرهم من خلال منظومة المفاهيم التي يعتقدونها ومن تراثهم الفقهي خاصة، وهو ما أسميته "فقه العنف" سابقًا ورصدت ملامحه، وكيف أنه يأتي مكملاً للمشهد ويتم فيه استثمار ما يلبي هذه المكونات جميعًا ويفرغ من الإحباط ليصل إلى مستوى الفعل الملموس، وينشد هدفًا تغييريًّا رساليًّا. 
هكذا نرى أن تفسير الظاهرة يكمن في تحليل مركب، على مستوى الفكر الإسلامي، وفي سياق تفاعله مع التحولات العالمية، ومن التبسيط المخل قصرها على مجرد فئة ضالة انحرفت، أو ظاهرة إسلامية أيديولوجية مع تجاهل حركة العالم، والنظام السياسي الداخلي وتفاعلاته أيضًا، بمعنى أن العنف المسلح هذا إنما ظهر في ظل "الدولة" القطرية، وعلاقتها بالداخل المجتمعي وبالخارج الغربي، وموقفها من الدين وحركته ودوره في حياة المجتمع وسلوكياتها تجاه أهدافه العليا. وهكذا تتم قراءة نشوء مفهوم الجهاد ضد الداخل أولاً، ثم تحول الاستراتيجية إلى الجهاد ضد العالم تحت عنوان "الجهاد ضد الصليبيين واليهود" لاحقًا. 
بهذا المعنى يمكن الاتفاق –بوجه من الوجوه- مع أوليفيه روا في اعتبار تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به يشكلان تمظهرًا للحركة العالمية المناهضة للعولمة تحت عنوان "الإرهاب الديني". وهو يقول: "إن النظم العلمانية الشمولية في العالم الإسلامي هي التي فرّخت الشباب الذين قاموا بعمليات في جاكرتا بإندونيسيا وبالدار البيضاء المغربية ومومباسا الكينية والرياض السعودية وجربة التونسية"[19]. صحيح أنه لا يمكن الحديث عن وعي كافٍ بالعولمة وحركة الفكر العالمي لدى القاعدة وغيرها من حركات العنف المسلح، لكن الحس الديني العالي لدى هؤلاء، وتكوينهم النفسي والفقهي الخاص، وظواهر الحداثة الملموسة عمليًّا: أشعرت الجميع بأنهم مهددون في وجودهم وفي دينهم، وأنهم لا بد أن يقوموا بدورهم للالتزام بما يمليه عليه اعتقادهم بناء على "تصورهم" للمشكلة والحل. 
ومع ذلك فلا يمكن الاتفاق مع جون غراي الذي اعتبر تنظيم "القاعدة" وليد الحداثة السياسية، وتعبيراته ومفرداته وتحولاته قادمة من رحم المشروع الحداثي![20] فإن هذا ناتج عن قلة المعرفة بتنظيم القاعدة وطبيعته وخطابه. 
العنف الوظيفي
لكن ثمة مسألة لا يمكن التغافل عنها هنا أيضًا، وهي دور الأطراف الحكومية في صنع العنف الذي كانت تحتاج إليه لإثبات شرعية الأساليب القمعية، وتحقيق مكاسب سياسية وإقصاء خصومها المنافسين وثمة مؤشرات على أنها وظفته أيضًا بعد أحداث سبتمبر، ولهذا رأى فرانسوا بورغا أن "الأنظمة السياسية في المنطقة العربية تخاف من الأغلبية وتخاف من الإسلام المعتدل ولا تخاف من الحركات المتطرفة التي تستخدم العنف"[21] ، بمعنى أن العنف هنا يقوم بدور وظيفي كما حصل في الجزائر مثلاً، والذي كانت المخابرات تقوم بدور بارز فيه.
والمثير أن جان بودريار يرى أن الإسلاميين يعبرون عن كل واحد في عالم يناهض العولمة التي تحتكر القوة، وأن النظام العالمي المهيمن يقتضي بالضرورة وجود إرهاب لكي يستمر في العمل والسيطرة، لأنه دون إرهاب سينهار هذا النظام، وهكذا فإن توطؤًا عميقًا ينشأ بين الخصمين، حتى إن المحلل يتساءل من يستخدم من؟ ليس بالضرورة أن يكون التواطؤ مقصودًا، لكن نظام الهيمنة والعولمة يحمل نقيضه، وقد جاءت أحداث سبتمبر لتستخدم أمريكا قوتها الفائضة التي لم تكن تعرف كيف تتصرف بها وهي مرتاحة الضمير[22].
الجهاد في ظل "الدولة": تساؤلات وإشكالات
إذا أمكن الحديث عن عنف وظيفي، تقوم به الدولة لكسب الشرعية وتحقيق أهداف سياسية، فلا ننسى أن الدولة في المجال العربي تحديدًا تحتكر مشروعية ممارسة العنف من دون أي اعتبار لقانون أو حق، كما تحتكر القرار وسنّ التشريعات بعيدًا عن أي دستور أو إرادة شعب، وفي ظل هذا القهر والقمع نشأ العنف المسلح في الدولة القطرية، وهذا العنف أخذ في كثير من الأحيان عنوان "الجهاد"، سواء ضد الداخل أم الخارج لأن العنف لا بد له من رصيد يغذيه ويرمّزه من دين أو إرث وطني، فالتبست ممارسات العنف بالجهاد، واختلطت المفاهيم بناء على اجتهادات تلك التنظيمات الحادثة، وتطبيقاتها على الواقع المعاصر المختلف كليًّا عن واقع بلورة فقه الجهاد كما هو مدون في الفقه الإسلامي، مع زوال دولة الخلافة الإسلامية التي كانت تجمع شمل المسلمين وتحفظ لهم كيانهم ووجودهم وتصون حقوقهم وتطبق شريعتهم. 
ومن المفيد هنا أن كلاً من المودودي والبنا وقطب كتبوا في الجهاد. بل إن مفهوم الجهاد عند المودودي شكّل الوسيلة لتحقيق الإسلام الذي هو "دعوة إلى انقلاب عالمي شامل وتطبيق للحاكمية ... وتقتضي دعوة الإسلام الانقلابية تغيير النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية تغييرًا شاملاً"[23].
التحول التاريخي المشار إليه، أدى إلى عدد من الإشكالات في استعارة المفاهيم الفقهية وتكييفها واقعيًّا؛ فتمَّ استحضار مفاهيم، وانتزاع تصورات تراثية من إطارها الكلي القديم لتطبيقها على سياق تاريخي مختلف كليًّا. فإذا كان الذي يعلن الجهاد في الفقه هو إمام المسلمين؛ فإن الذي يعلنه الآن –مع وجود الدولة العلمانية– هو المفتي، وإذا كان ارتهان قرار الجهاد بالإمام لكونه يملك الأمر والسلطة؛ فإنه يتحول مع المفتي إلى مجرد "إعلان"؛ لأنه لا يملك من الأمر شيئًا، وهو جزء من مؤسسة السلطة التي توظفه. 
وإذا كان الجهاد الدفاعي - فقهيًّا - يكون للدفاع عن دار الإسلام الواحدة (أرض الخلافة)؛ فنحن الآن مع الدول القطرية: أمام دُور إسلام[24] تحرك كل واحدة منها مصلحتها "القُطرية"، وتصطدم المصالح (في حالة الحرب على العراق خذ مثلاً الكويت). 
وإذا كانت شؤون الجهاد مرتهنة بالإمام الذي يجمع بين "الديني والسياسي"؛ فإنه مع انفصال الدين عن السياسة، وتعدد دُور الإسلام: تشظت الفتاوى الدينية كتشظي القرارات السياسية. وفي حال المؤسسات الرسمية الدينية انقلب الفعل للسياسي وردّ الفعل من المفتي (الذي يمثل الديني)، فيصعب الفصل بين الديني والسياسي حين يريد السياسي توظيف الدين في السياسة -على المعنى الشائع-. تأمل مواقف علماء الكويت والعراق، وموقف مفتي سوريا مثلا من الحرب على العراق مؤخرًا. 
ثم كيف يكون مفهوم الجهاد؟ وما وسائل تحقيقه حين تنفصل إرادة السياسي عن إرادة الفقيه، ويتناقض الموقفان؛ فالمفتي يدعو للجهاد، والسياسي يقدم العون والمساعدة للغازي والمستعمر؟! 
وإذا كان الجهاد بمفهومه القتالي يحتاج إلى عُدة وإعداد وعتاد للاشتباك مع العدو؛ فمع الدولة العلمانية أين يجد "الجهاد" نسقه الذي يتحقق فيه؟ وكيف؟ ومع دخول العدو ديار الإسلام (فلسطين قبل العراق) كيف يصبح مفهوم الجهاد الواجب وجوبًا عينيًّا على كل مسلم ومسلمة من دون أمر رئيس الدولة المتحكّم؟ وكيف تكون وسائل تحقيقه؟ 
مفهوم الجهاد في ظل الدولة العلمانية يواجه تلك التساؤلات، وأمامه عدد من الإشكالات التي هي بحاجة إلى بحث وهي: 
- كيف يكون تطبيق صورة الجهاد القتالي -وخصوصًا العيني منه- في الدول العلمانية التي تعادي الدين، دون الوقوع فيما سماه الفقهاء قديمًا "الفتنة" والاحتراب مع السلطان؟ وهذا التطبيق يتناول الإعداد، والحصول على السلاح الذي لم يعد تقليديًّا، وتجاوز الحدود، والتنظيم، وغير ذلك. ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن تنظيم "القاعدة" يشكل أبرز أنموذج لتجليات مفهوم الجهاد المنظم خارج حدود الأنظمة هذه، وأنه أحد إفرازات هذا الإشكال. 
- تعقيدات الواقع التي تحاصر تطبيق المفهوم نفسه بصورته الواسعة ليبقى محصورًا في فلسطين (يعني أنها أصبحت مسألة قُطرية داخلية وفي ظل غياب الدولة)، جعلت من مفهوم "الجهاد الهجومي" جزءًا من التاريخ، خصوصًا مع وجود القانون الدولي، فضلاً عن أننا لسنا قادرين على تحقيق الدفاعي خارج حدود الدولة إلا لو كان على طريقة بن لادن؟! 
- غياب "الإمام" - بمعناه الفقهي- في الجهاد، يفرض علينا مشكلة تحديد من يحق له ضبط موضوع الجهاد القتالي: متى يبدأ؟ ومتى يقف؟ وغياب "الإمام" والمرجعية كان أحد الأسباب التي دفعت إلى ظهور حالة "القاعدة" وغيرها من التنظيمات التي تمارس الجهاد هنا وهناك على طريقتها الخاصة، وتدفع بمن يخالفها إلى الصف المعادي للجهاد أو القاعد عنه. 
وغياب "الإمام" ليس مقصورًا على قضية "الإعلان" وتنظيم أمور الجهاد فقط، بل هو لصيق بغياب "الخلافة" كنظام جامع لدار الإسلام؛ ما يعني أن ثمة تطابقًا بين "الخلافة" و"دار الإسلام" (مع ملاحظة استكمال تقسيم العالم إلى: دار كفر ودار عهد). ومع ظهور "الدولة" القُطرية وجدنا أنفسنا أمام نظام سياسي مختلف كليًّا، مبدؤه البراجماتية / النفعية، وسقفه المصالح القُطرية على حساب المبادئ الإسلامية العليا، حتى في حالة "الدولة الإسلامية" (إيران والسعودية مثلا). وهنا فقدت فكرة "الدار" مغزاها من جهة استحقاقاتها اللازمة لها، وبقيت جزءًا من التاريخ. وأبرز استحقاقات دار الإسلام: وجوب النصرة ورد العدوان، دار أمن، إقامة الحدود الشرعية.. وهذه كلها تجعل للمفهوم في نظري بُعدًا قانونيًّا وسياسيًّا لازمًا، خصوصًا مع ارتباطه بمفهوم "الخلافة". 
فمفهوم دار الإسلام في لحظة تطابقه مع "الخلافة" يشكل فضاء قيميًّا وحضاريًّا (وليس عقديًّا خالصًا) ذا بُعد رسالي يريد بسط سلطانه على العالم أجمع كنظام لا كعقيدة (لاحظ تقسيم العالم إلى دار: إسلام، حرب، عهد؛ فالجهاد بمعنييه الدفاعي والهجومي قائم هنا) يجسد وحدة الوجود الإسلامي، ووحدة النظام الإسلامي. 
ربما الإشكال الأكثر أهمية - مع ما سبق - هو التحولات التي طرأت على مفهوم "العدو"، ومن ثَم مفهوم "العدوان" الذي من صوره "التدخل" في القرار السياسي لدولة ما. فمعروف أن الدولة القطرية لم تتحرر حقيقة بعد الاستقلال، بل خضعت لأشكال جديدة من التبعية الاقتصادية والسياسية وغيرها حتى التربوية والتعليمية في بعض الأحيان، وهو ما سُمِّي بـ"الاستعمار الجديد"، وتتداخل فيه السيطرة الخارجية مع الاستبداد السياسي، والقوى الدولية مع النخب الحاكمة في علاقات ومصالح؛ وهو ما يجعل من الواقعي النظر إلى تداخل مفهومي الجهاد: الجهاد ضد الداخل (النظام الذي يغيّب الأمة وأهدافها العليا) والجهاد ضد الخارج معًا. (نحن نثير إشكالا، ولا ندعو إلى الجهاد المسلح ضد الحاكم). 
فتاوى الجهاد: نموذج العراق
فتاوى الحرب على العراق قد تشكل نموذجًا لبحث تلك الإشكالات، ومدخلاً لطرحها عسى أن تلقى مزيدًا من البحث والمعالجة العلمية النقدية. انطلقت الدعوات المطالبة بالجهاد، وأنه –مع بعض الفتاوى– واجب عيني على كل مسلم ومسلمة، وهنا نقف لنتساءل: 
- ما معنى الجهاد الذي نحن مطالبون به؟ 
المعنى هو -لا شك- الجهاد القتالي، وهو الذي في ذهن كل فقيه ومفتٍ. 
- ثم نتساءل: هل هذا المعنى متاح لكل مسلم ومسلمة؟ 
لا نجده متاحًا للجيوش العربية التي تأتمر بقياداتها، وهي المعنية أصلا به، وليس متاحًا لكل أحد مع وجود الحدود وتعقيداتها الأمنية والسياسية، وهنا تغدو صيغة الجهاد اللادنية (نسبة لـ"بن لادن") هي الأقرب إلى التطبيق والإمكان: الهجوم على من يصادفه من الأمريكان وغيرهم.. !
- ثم نتساءل: كيف يمكن فهم "الفرض العيني"؟ 
هل يتحقق الوجوب العيني هنا بأنه يلزم المسلمين حكامًا ومحكومين، جيوشًا وعامة، رجالاً ونساء، ترك بلادهم والتوجه إلى أرض العراق؟ بالتأكيد لا، لكن الفتاوى لا تعير أدنى اهتمام لتحديد صفات المكلف الواجب عليه الجهاد وجوبًا عينيًّا، فضلاً عمن سينظم حملات الجهاد وكيف؟ وما هي مرجعيتها في إدارة الجهاد؟ إلى غير ذلك.
تقترن بعض الدعوات إلى الجهاد بالدعوة إلى "فتح الحدود".. حسنًا لنقل: إن الحدود فتحت لكل الناس.. فكيف سيكون الجهاد في حرب تدار بأرقى وسائل التكنولوجيا المتطورة (نتكلم على حالة شن الحرب لا الاحتلال)، في حين أن هؤلاء المجاهدين يفتقد معظمهم إلى التدريب والإعداد والوسائل، فضلاً عن فقدان التنظيم وأمن الدخول وأمن العودة (لدينا تجربة "الأفغان العرب")، وأمن الانخراط في النظام العراقي، إلى غير ذلك مما يجعلهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة، وقد رأينا كيف استهدفت قوات التحالف العديد منهم قبل الوصول إلى الجيش العراقي، وكيف أن الجيش العراقي تركهم يواجهون مصيرهم وهرب!. 
ثم ما معنى "الوجوب العيني" (وهو بحسب الواقع ينصرف إلى فئة محدودة من المتدينين الذين يمتلكون الحماسة والقدرة) مع وجود الجيوش النظامية، وعتاد الأسلحة المكدسة التي تصرف عليها معظم ميزانيات الدولة مقدمة على اعتبارات التنمية وغيرها؟ 
ألم يكن من الواجب توجيه هذه الفتاوى إلى أولياء الأمر من القادة والزعماء حتى تكون واقعية، وأيضًا حتى تكون إعذارًا وإبراء للذمة؟ 
ثم كيف يوجّه بعض المفتين فتواهم بوجوب الجهاد وجوبًا عينيًّا على الأمة، ويتجاهلون التسهيلات المقدمة للجيش الذي يدعون إلى مجاهدته وهو ينطلق من أراضي بلدانهم أو من أراضٍ مجاورة؟ ثم كيف تم السكوت على تلك الاتفاقيات العسكرية الموقعة قديمًا، والتي بموجبها تم تقديم التسهيلات العسكرية الآن؟ 
الجهاد – بمفهومه الدفاعي دون الهجومي– يكون بهدف حفظ الدين والحرية الدينية، ومواجهة أي عدوان يستهدف الشريعة، أو أي اعتداء على الدولة الإسلامية، أو أي تدخل من جانب قوة خارجية، وفي حالة العراق كان الآتي: 
أ - حصل عدوان من قوى خارجية طيلة فترة الحصار المفروض على العراق، وكانت الطائرات الأمريكية والبريطانية تقصف الأراضي العراقية باستمرار. 
ب - تمت محاصرة العراق 12 سنة، راح ضحيتها الآلاف من الضحايا، خصوصًا من الأطفال، بحسب التقارير الرسمية. 
جـ - تقاعست الدول الإسلامية عن رد اعتداء العراق على الكويت؛ الأمر الذي أفسح المجال للتدخل الأجنبي الذي جرّ الويلات على المنطقة، ويأتي هذا الغزو والاحتلال الأمريكي استكمالا له. 
د - اعتداء النظام العراقي طيلة فترة حكمه على كل الحقوق الإنسانية، والتنكيل والقتل والتشريد، واستخدام الكيماوي ضد أبناء شعبه، وانتهاك حقوق الشريعة والقانون بكل معانيها. 
أين كان بعض المفتين أمام هذه الحقائق على مرّ هذه السنين؟ 
وبعد هذا تنص بعض الفتاوى على أن الجهاد واجب حفاظًا على "السيادة" و"التحرر الوطني". وهل كانت هذه المعاني متحققة من قبلُ في العراق؟ وهل الجهاد واجب وجوبًا عينيًّا لرد غزو الأمريكان وحلفائهم والاستمرار تحت "الاستبداد" وسحق الإنسان العراقي ونكران كل حقوقه الآدمية؟ ماذا بقي من "التحرر الوطني"؟ فالنظام العراقي لم يحقق أيًّا من وظائف "الدولة" التي نجاهد للحفاظ عليها: كالهوية، والشرعية، والاستقلال، وصيانة الحقوق والدين، وغير ذلك. 
في حالة العراق -وثمة عراقـ (ات)- هناك إشكالية بالغة الأهمية، وهي كيف يحقق الجهاد أهدافه دون أن يصب في مصلحة النظام الإجرامي الذي يشكل عدوا وعدوانًا مساويًا إن لم يكن زائدًا على العدوان الخارجي؟ وكيف نتعامل مع مشكلة الديكتاتور والمستعمر؟
إن هذه الإشكالات جميعًا وتلك المحاذير توجب علينا تجديد النظر والقول في مفهوم الجهاد وصوره ووسائله، وكذلك تجديد النظر فيمن يقرره ويدعو إليه خصوصًا بمعناه القتالي، وتطبيقات المفهوم مع وجود الجيش النظامي. وكذلك تفرض علينا إعادة النظر في من له الحق بالإفتاء في مسائل الجهاد؛ فالشُّعَب المعرفية تشعبت وتنوعت، وأمر الجهاد لم يَعُد قاصرًا على مجموعة من النصوص يستنبط منها الفقيه الحكم ليقدمه للناس، بل هي مسألة سياسية عسكرية دينية مركبة، ومع وجود نظام الدولة العلمانية والنظام السياسي القائم على "المصلحة" الشخصية ثم القُطرية أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا. 
تجديد النظر والقول في "الجهاد" من شأنه أن يمنع توظيف "الديني" في خدمة "السياسي" على النحو الذي رأيناه في عدد من الفتاوى[25]. 
ومن غريب المفارقات أنه إذا كانت فتاوى الجهاد وقعت فيما وقعت فيه من إشكالات جعلت منها بيانات "لتبرئة الذمة" أو "للتهدئة"؛ فإن ثمّة مشهدًا آخر نهج نهجًا غاية في الغرابة في التعاطي مع الحدث؛ فرأينا خطيب المسجد الحرام في مكة (4-4-2003) قال في خطبته: "إن الابتلاء كالدواء النافع يسوقه إلى المريض طبيب رحيم ناصح، وحق المريض العاقل الصبر على تجرع علقمه من دون شكوى حتى لا يتحول نفعه ضررًا"، وإنه يجب على المسلمين حين نزول البلاء "تحسين الظن بالإخوة في الدين عمومًا، وبولاة الأمر وأهل العلم والفضل خصوصًا".
إن التعقيدات التي انطوى عليها المفهوم في حقل تطبيقه أظهرت أنه ليس شعارًا نهتف به، بل هو مضمون يمكن الاختلاف فيه وعليه، في كيفية تنزيله على الواقع الحالي. بالطبع لا يعني هذا أن الجهاد يجب أن يتوقف، وأن المسلمين يجب أن يتوقفوا عن الاعتقاد بوجوب الجهاد في فلسطين مثلاً؛ فتكفي متابعة لنبض الشارع الإسلامي حين يتأزم الوضع الفلسطيني وتزداد كثافة الجرائم الصهيونية للوقوف على حجم فاعلية الشارع الإسلامي الذي لا يقف بينه وبين الجهاد إلا فتح الحدود، وهذا يعني أن الواقع السياسي يقف عائقًا أمام تحقق مفهوم الجهاد، وأن غرس الكيان الصهيوني في عالمنا العربي يمثل جذرًا رئيسيًّا - وليس وحيدًا – للبحث عن ساحات خلفية للجهاد، نتيجة سلوك الأنظمة تجاه القضية الفلسطينية وفشلها في حلها. 
الأمر الذي نود قوله أن تحقيق الفتوى مرتهن بإرادة السياسي، وهو ما سيأخذ صورة "معلِن / مقرِّر" الجهاد في الواقع الحالي (أنا هنا أوصّف لا أشرِّع). وإذا كانت إرادة السياسي مرتهنة لاعتبارات منفصلة تمامًا عن اعتبارات المفتي وفتواه، فالسؤال الجدير هنا: ماذا تبقَّى لنا من ممارسة الجهاد؟ 
"الجهاد المدني" وتحولات مفهوم الجهاد
الجهاد - بمعناه الاصطلاحي - لم يكن في الفقه الإسلامي يحمل معنى آخر سوى القتال. فبعد فرض القتال نقل الشرع لفظ "الجهاد" من المعنى اللغوي العام (بذل الجهد) إلى المعنى الشرعي وهو - بحسب ما يستفاد من النصوص المدنية - : "بذل الوسع بالقتال في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك"[26]. مع تذكر أن المال واللسان هنا بمنزلة مكملات للجهاد بالنفس، كما يمكن أن يفهم من مراجعة كتب الفقه. 
هذا المفهوم يستدعي في التصور الإسلامي القتال، والإعداد، وأحكام الجهاد كما هي مقررة في السياسة الشرعية، وعلاقات السلم والحرب، والاستشهاد وأحكام الشهيد، والغنائم وقسمتها، والاسترقاق إلى غير ذلك من الأمور المقررة في الفقه الإسلامي.
ومع نشأة "الدولة" - خصوصًا - ارتهن ذلك التصور في كثير من مفرداته للتاريخ، فانتقلت ممارسات الجهاد من أحكام "الإمامة" إلى ممارسات جماعات معزولة هنا وهناك، فلحظنا كثرة استعمال تعبير "الجهاد" في العصر الحديث بدءًا من الجهاد المقدس في فلسطين، و"الجهاد ضد الإلحاد الروسي"، وانتهاءً بجهاد بن لادن ضد أمريكا وفتاوى الجهاد في العراق، مرورًا بتسمية حركات وتنظيمات (مختلفة) بهذا الاسم؛ ما يسمح بتفسيرات متنوعة لكلمة "الجهاد". 
إلى جانب تلك التوظيفات المختلفة "للجهاد" بحسب رؤى وتصورات تلك الجماعات المعزولة حدث تحولات في المفهوم، فاستُحدثت تعبيرات عديدة كالجهاد السياسي، والجهاد المدني، والجهاد الإلكتروني، والجهاد الاقتصادي، والجهاد الإعلامي، ... 
ويبدو أن التعقيدات السابقة التي أصابت المفهوم، والتحولات التاريخية ونشوء الدولة العلمانية (باستثناء ما حصل سنة 1948م) دفعت إلى البحث عن فضاءات جديدة للمفهوم يمكن لها أن تتحقق دون صدام مع الأنظمة، وتتمايز مع الممارسات العنيفة من جهة، وتتناسب مع تعدد ساحات المواجهة مع الإسلاميين من الإعلام إلى السياسة والاقتصاد، وبين الداخل والخارج من جهة أخرى. تلك المحالات اتسمت بالسلمية بعيدًا عن المفهوم القتالي، وتحت مسمّيات جديدة، وفي بعض الأحيان كان يتم الإلحاح على "شمولية" مفهوم الجهاد، وأن القتال أحد ألوانه وليس اللون الوحيد ليتم تهميشه بالمحصلة. 
كان لافتًا بروز تعبير "الجهاد المدني" في هذا السياق[27]، صحيح أنه كانت هناك ممارسات وصور قديمة تتصل بهذا، تارة باسم "الجهاد الأكبر" (جهاد النفس والهوى)، وتارة باسم "جهاد اللسان والمال"، لكنها أبدًا لم تسيطر على المفهوم، أو تحتل المركز فيه. محور هذا التوجه المدني هو العمل السلمي الذي كان يتم التعبير عنه بـ "اللاعنف" قبل ظهور تعبيرات أخرى، ويبدو أن دعاة اللاعنف الإسلاميين وهم يلحون على أسلمة فكرة "اللاعنف" وجدوا أن تعبير "الجهاد المدني" فيه استعارة لشرعية "الجهاد" واستثمار لقداسته، كما أنه يتجنب السلبيات والتحيزات التي تحيط بتعبير "اللاعنف" الذي يوحي بالسلبية والضعف[28]. 
غير أننا نلحظ أيضًا أنه قد يكون هناك صلة ما بين الجهاد المدني والمجتمع المدني، خصوصًا أن بعض الأسماء التي استعملت "المقاومة المدنية" و "الجهاد المدني" تعتبر نفسها من دعاة "المجتمع المدني"، أضف إلى ذلك أن في هذا التعبير محاولة لتنقية مفهوم "الجهاد" مما علق به من سلبيات في مواجهة الآخر الغربي الذي يريد البعض الالتحام والتواؤم معه، فيظهر هذا التعبير في تقويم ما بعد 11 سبتمبر وكأنه يهدف إلى سد الفجوة بين الموروث الديني وأوضاع الحداثة، ويأتي ضمن مضاعفة جهود خطاب جديد مختلف جذريًّا ليؤكد وجوده في مواجهة تلك الصورة النمطية لتصوير الإرهاب الإسلامي الذي أخذ صورة "الجهاد"، ليقارع تنميطها ويقدم نموذجًا مختلفًا للجهاد. 
الحديث عن ممارسة "الجهاد المدني" في المجال الداخلي يمكن أن يفهم على أنه نتاج متغيرات الموقف من الدولة، فقد راهنت النخبة بعد الاستقلال – على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية – على دور "الدولة" في إحداث التحولات الكبرى وتحقيق "النهضة"، لكن النتائج الكارثية التي حملتها التجارب القائمة والأخرى المجهضة - سواء لجهة الحريات والسلم الداخلي، أم لجهة مواجهة العدو والتحدي الأجنبي– أفرزت دعوات "المجتمع المدني" التي ظهرت في أوائل الثمانينيات أيضًا (فكرة "المقاومة المدنية" ظهرت في هذا الوقت)، ويأتي "الجهاد المدني" في محاولة مطّ المصطلح الشرعي إلى سياق جديد يحمل توجهات ليبرالية بالاتكاء على استحقاقات تجربة المواجهة العنيفة مع الدولة، مع الوعي بالخطورة التي تختزنها "الدولة" بأجهزتها الأمنية والعسكرية. 
هكذا نجد أن "الجهاد المدني" يعبر عن صيغة مقابلة "للخروج" يراد لها أن تكون شكلاً مختلفًا "يتفق والواقع الراهن الذي لم يسبق له مثيل في تاريخها"؛ ومن ثم يكون "تحرير الأبنية والمؤسسات والهياكل هو ساحة الجهاد الأولى ومجال الخروج بهدف استعادة سلطان الأمة وحاكمية الشريعة"، وتكون "ساحة التنمية هي أقرب وأول ساحات العمل الجهادي"[29] ما يجعل منه نتاج مرحلة أزمة.
فنحن أمام محاولات جديدة تتلمس طريقًا "للفعل" بتوازٍ مع الحملات الساعية من أجل الديمقراطية والحرية ونحوها ذات الصيغ العلمانية، ولتأكيد الاختلاف مع نموذج تنظيم القاعدة وأمثاله، وهنا يضحي من مرتكزات هذا الخطاب الناشئ إعادة اكتشاف وتأويل وإنتاج المصطلحات الإسلامية المركزية في سياق الفعل. بيئة هذه المحاولات: الأوضاع السياسية المزرية والحالة الاقتصادية المتردية والأنظمة السياسية العاجزة الممعنة في عجزها عن مواجهة واجباتها داخليًّا وخارجيًّا، مع تغولها تجاه المواطن، حيث تغدو الصيغ التاريخية "للجهاد" و "الخروج" غير قابلة لأن تشكل حلولاً، فضلاً عن أن تكون ممكنة التطبيق الآن.
في المقابل، هنالك محاولات ذات نَفَس أصولي - إن صح التعبير- تتلمس طريق الفعل في أداء العبادات ليصلح الله حالها، ويمكن الوقوف عليها ببساطة لدى الكثيرين من خطباء المساجد في عالمنا الإسلامي الذين يلحون دائمًا على أن المشكلة أننا ابتعدنا عن شريعة الله، فحلّ بنا ما بنا، ولن ينصلح حالنا حتى يكون عدد المصلين في الفجر كعددهم في الجمعة[30] ما يعني أنهم يتصورون الحل ميتافيزيقيًّا وسحريًّا في آن واحد. وهو بالمحصلة يصب في مصلحة السياسي كحال خطيب المسجد الحرام الذي يأمر الناس بالصبر على تجرع العلقم، وإحسان الظن بولي الأمر في ظل الصمت تجاه غزو دولة إسلامية ومساندة ولي الأمر له!.
إنها تشيع نَفَسًا أصوليًّا وخوارقيًّا لدى العامة، ما يذكّر بالنتيجة التي توصل لها مارتن ريزنبروت من المقارنة بين الأصولية المسيحية والأصولية الإسلامية، وهي: "أن الفكر الأصولي يعبر عن تجربة عميقة بالأزمة، وهو يرى أن سبب الأزمة التي يمر بها المجتمع هو الانحراف عن المبادئ الخالدة التي نزل بها الوحي الإلهي ودوّنت في الكتب المقدسة وتحققت بالفعل في جماعة مثالية. والطريق الوحيد للخلاص من الأزمة الراهنة هو الرجوع إلى هذه المبادئ والتعاليم الإلهية"[31]، لكن يبقى تشخيص جماعات العنف المسلح للأزمة أكثر واقعية وأبعد عن الميتافيزيقية لكنه أكثر كارثية!.
العنف والجهاد: مشكلات الوصل والفصل
إذا كان العنف ينتج عن جدل الفكر وحركة الواقع معًا، فلا يمكن الحديث عن عنف مجرّم بالمطلق هكذا، كما أنه لا يمكن الاكتفاء بوصف فعل ما بكونه عنيفًا لتجريمه؛ إذ من الضروري التساؤل لماذا يظهر هذا العنف؟ ولماذا ينمو في مكان وزمان ويخبو في مكان وزمان آخرين؟ فالعنف ليس جوهرًا ثابتًا، كما أنه ليس مجرّمًا دائمًا؛ فقد سبق القول: إن الجهاد بمعناه الاصطلاحي يحتوي على ممارسة لون ما من العنف، والحرب كذلك هي عنف عمومي من قتل ودمار، وإنما يخضع الموقف منه إلى اعتبارات مركبة وضوابط يجب أن تكون واضحة، شاع التعبير عنها حاليًّا بـ "التفريق بين المقاومة والإرهاب"، ومن ثم تبدو "عقيدة" اللاعنف المباشر في مواجهة العدوان والاحتلال غير واقعية في إطلاقيتها بوصفها "عقيدة"[32].
لكن المعضلة مع العنف تكون حين ينفصل عن مفهوم "الجهاد" بالمعنى الديني، أو عن مفهوم "المقاومة" بالمعنى القانوني والوطني. فالمشكلة مع العنف الذي تمارسه الجماعات المنسوبة إلى الإسلام أنها تسعى لشرعنته بزجّه تحت مفهوم "الجهاد"، والمشكلة مع الأطراف الدولية بقيادة أمريكا أنها تسعى لتجريم كل فعل يناهض مصالحها وتحالفاتها بما فيه المقاومة الفلسطينية وتشرعن ذلك التجريم بزجه تحت مفهوم "الإرهاب" المرن وغير المحدد. 
إن العنف أحد أساليب الصراع السياسي حيث لا تجدي أساليب العمل السلمي لاستخلاص حق مفترى عليه، لكن مرحلة الصراعات هذه من أشد الأمور إعضالاً على المستوى الأخلاقي؛ لأنه تدخل فيها اعتبارات خارجة عن اعتبارات الوضوح الأخلاقي، ولا يمكن الوثوق فيها بأخلاقيات مطلقة لفكرة حقوق الإنسان، وقد رأينا جميعًا في العراق ممارسات كلّ من الجنود الأميركيين وجماعات منسوبة للإسلام، وخصوصًا ما نُسب للزرقاوي من ذبح المواطن الأمريكي بيرج مثلاً!. فدوامة "الرد" و"المعاملة بالمثل" و"الاستثناء" الظرفي، وغيرها من الحجج من شأنها أن تزيد الأمور تعقيدًا. 
ما يعنينا هنا –على مستوى المفاهيم- هو الفصل والوصل بين العنف المجرّم و(الجهاد) الذي يختلط به كثيرًا. إلا أن هذا الفصل لا أطمح أن أقوم به أنا، لأن الوصل والالتباس بين العنف والجهاد، سيبقى قائمًا في ظل الصراع والإحباطات التي ذكرناها سابقا، وفي ظل فشل مشروع الدولة والتعقيدات التي أحاطت بتطبيق مفهوم الجهاد في ظلها. مع الاعتراف بأن جزءًا من المشكلة قائم لدى فئة من الناس تريد أن تعيد رسم العالم على صورة المجتمع الإسلامي الأول في المدينة، وتعتبر الجهاد الوسيلة لتحقيق ذلك، فمشكلة هذه الفئة في تصوراتها وأفكارها. 
مع ذلك يمكن تحديد فوارق جوهرية تفصل بين العنف والجهاد، فقضايا "الجهاد" تتعلق بالشأن العام وتجمع الديني إلى السياسي، وتتطلب معالجة مركبة، ولها بابها الواسع في الشريعة الإسلامية، وليست رهينة تصرفات فردية لأفراد أو تنظيمات، خصوصًا حينما يطاول الأمر الدماء والشأن العام للإسلام والمسلمين، ومن هنا يجب التفريق بين الفتاوى الفردية و"فتاوى الأمة" التي هي "حالة تحرك عموم الأمة"[33].
الجهاد يتميز بوضوح هدفه، ووضوح وسائله، والتزامه بأحكام الشرع، ومكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام: قبل القتال، وأثناء القتال، وبعد القتال. وممارسته تبقى محصورة في محدِّدات الأهداف والغايات التي تكمن في الإجابة على سؤال "لماذا…؟"، والتي تأخذ شكل مطالب قبل أو أثناء أو بعد القتال. وإجماع المسلمين على أن "الجهاد" هو ف

 

 

28-01-2006 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=267