/

 

 

الإصلاحية العربية ووحدة التاريخ: تحرير القضيّة في ردّ «المقولة الجوهرية»

احميدة النيفر

حين قال أحد كبار الكتاب الأنجليز في القرن التاسع عشر: " الشرق شرقٌ والغرب غربٌ ولن يلتقيا" كان يختزل في هذه الكلمة خطابا استعماريا ومركزية ثقافية يعسر إخفاؤهما. إنه "التسويغ" الثقافي للتوسع و الاستيلاء على أراض و خيرات لشعوب في آسيا وإفريقيا يدرك بدرجة من الدرجات أنه مغتصِبٌ لها. لذلك كان لا بد من بناء نظرية تسمح " للرجل الأبيض " أن يعي أن كافة شعوب الأرض ليست سواء. من ثم أضحت الفروق بين الشرق والغرب وبين الأبيض والآخرين حواجز عازلة لا يمكن تخطّيها بأي حال؛ لذلك كان على"الأوروبي " أن يتحمّل مسؤوليته في توجيه الآخرين. هكذا صار " قَدَرُ " الجنس الأرقى أن يخوض الصراع متمثلا المقولة الداروينية في المجال الاجتماعي والثقافي وأن يمارس تفوّقه سياسيا وعسكريا على شعوب " بدائية " و "معطوبة". 
ذلك كان شأن المركزية الأوروبية في رؤيتها للآخر عبر مجموعة من الثوابت والطبائع المتناقضة التي لا تسعى إلى التقدم.
إزاء هذا النظام العقائدي والفكري اعتمدت النخب الإصلاحية في المشرق والمغرب العربيين توجها آخر ينقض خطابا أوروبيا يمكن أن نصفه بـــ " الجواهري ". هو فكر يتبنّى مقولة الخصوصيات الثابتة و النهائية التي تفصل بين الأعراق والثقافات والديانات. 
لذلك كانت الأسس الفكرية للمدرسة الإصلاحية العربية في القرن التاسع عشر تنطلق من سؤال مركزي: لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟. سؤال يفترض في جانب من جوانبه أن الإنسانية هي " الجوهر الفرد" الذي ينبغي الاحتكام إليه. من هذا السؤال تولّدت جملة من القضايا تفضي في نهايتها إلى مقولة "وحدة التاريخ" التي تلتقي فيها مختلف الشعوب من حيث قدرتها على تمثّل حركة التقدّم. مثل هذا الانظواء في صعيد واحد لا يعني إنكار العوائق التي تكون أوضح في مجتمعات هي أقلّ رقيا من غيرها. من ثم كان رجال الإصلاح حريصين على استيعاب إيجابيات الآخر على اعتبار أن التفاوت بين الغرب والشرق يعود إلى اختلافات عَرَضية وإعاقات ظرفية ينبغي تجاوزها. 
بتعبير آخر تأخّر " الشرق" الحضاري – حسب الإصلاحيين العرب- ليس لأنه عاجز "جوهريا" عن مواكبة أوروبا في نهوضها الحضاري والفكري.
نجد ذلك في مقالة شرح الشارح لجمال الدين الأفغاني حين يقول :" إن جهل الشرقيين أدى إلى انحطاطهم بقدر ما أن العلم ساعد الغربيين على السيطرة عليهم وما كان بمقدرة الغرب أن يقوم بالفتوحات التي قام بها بدون معارفه. إن مَلِك العالم ليس ما نراه من ملوك إنما هو العلم ".
حديث الأفغاني عن بناء التقدّم على أساس العلم هو تركيز لمقولة "وحدة التاريخ" و نقض لأطروحة الفروق الجوهرية التي لا يمكن تخطّيها بأي حال بين الشرق والغرب. 
نفس المقولة نجدها عند رفاعة الطهطاوي في تركيزه على قضية " المنافع العمومية " التي تلغي بصفة قطعية أن يكون الدين أو العرق أو اللغة عوامل حائلة دون التقدّم.
ما توصّل إليه المغاربة الإصلاحيون يصبّ في الاتجاه ذاته، ذلك ما قام به ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي حين ركّزا قضية " التنظيمات " علاجا للاستبداد الذي لم "ينزّل الله به من كتاب".
ذلك كان الشأن في القرن التاسع عشر.
مع القرن العشرين تمّ الإجهاز على الفكر الإصلاحي سياسيا واجتماعيا. تحقّق ذلك باستبعاده عن مشروع الدولة الحديثة القطرية الوطنية في عموم البلاد العربية. في هذه الدول لم تكن النخب المثقفة والحاكمة - سواء أأعلنت مواقف عدائية من الإسلام وتراثه أم استخدمت إسلاما تقليديا- تبحث عن مشروعية لها في مصادر إسلامية. بذلك أزيح الفكر الإصلاحي جانبا مما دفع به إلى الضمور والتراجع إلى مواقف دفاعية تمجيدية لا تتمكّن من بلورة طروحات مواكبة للمستجدات الثقافية والسياسية. 
مع سبعينات القرن العشرين ونتيجة خيبات أمل عديدة نتجت عن اختيارات تحديثية غير مبدعة وعن أداء سياسي وطني رديء نَمَتْ في البلاد العربية رؤية سلفية ضمن جدلية الفعل ورد الفعل. هذه الرؤية شملت عموم العالم الإسلامي خاصة البلاد التي راهنت نخبها بقوّة على نديّة مع الغرب فآل الرهان إلى اندحار. عندها تبلورت مركزية ثقافية- إسلامية احتجاجية ترفض الاندراج في الحضارة المعاصرة اندراجا تعدديا. بذلك برز الانتقاد الهدّام للغرب و التصدي الصارم لما يُعتقد أنه سلسلة من " المؤمرات" التي تستهدف الهوية الإسلامية والخصوصية الثقافية.
هو ذات الفكر " الجواهري" الرافض لوحدة التاريخ الإنساني والمُعرض عن إمكانية بلوغ نديّة يمكن بها مواجهة السياسات المعادية للمسلمين. 
كيف يتأتّى الخروج فكريا من هذه الإيديولوجية التي تعتمد نسقا ثقافيا متعاليا عن بعده التاريخي؟ 
هل من سبيل إلى تجاوز الطوق الآسر الذي يختزل المكونات الخاصة في تصورات ينبغي إعادة إنتاجها بصورة استنساخية فاقدة للحياة ؟
كيف يمكن أن نعيد النظر في تاريخنا الخاص في علاقته بما سبقه وبما زامنه خارج المنظومة المركزية التي لا ترى في المجالات الأخرى سوى مجرّد هوامش ومجالات تَلَقٍ؟
ثم أليس من المهمّ - من أجل إنشاء فاعلية ثقافية معاصرة تمكّن المجتمع وذاتيته من الاستمرار والتميّز والاستقلال- إعادة الاعتبار للرؤية الإصلاحية التي طالما وقع التعسّف في تقويم جهودها ؟
هذا التصحيح نراه مدخلا ضروريا حتى تواكب أنساقنا الفكرية والثقافية مقتضيات اللحظة التاريخية. تلك المواكبة تتطلب إعادة فهم الذات بالوقوف على خصائص تطوّرها وحدود طروحاتها وما المطالبة بإعادة الاعتبار إلى التوجه الإصلاحي الحديث إلا لكونه حلقة هامة من تاريخ تلك الذات.
من جهة ثانية تحقّق هذه المعاصرة ما يمكن أن نسميَه " الامتلاء الثقافي" القائم على التواصل مع الثقافات الأخرى ليس بداعي المسايرة أو لعدم الثقة في الذات إنما لأنّ كلّ تعميق في فهم الآخر هو إثراء للذات ومزيد من اغتنائها.
تلك هي حيوية الجدل القائم على مبدإ حوار متكافئ يساهم فيه كلّ من انفتح على وعي كونيّ. أما الساهمون في غيابات ماض مفتَـرََضٍ أو حقيقي لا يعود فإنهم لا بد أن ينخرطوا - بصورة أو بأخرى- في حضارة عالمية واحدة بعد أن يكونوا قد فوّتوا على أنفسهم وعلى الآخرين فرصة لتعميق التنوّعُ الثقافي والديني الذي تتركّز به فـَرادةِ الذات الإنسانية و تتجسّد وحدة تاريخها.
 

 

 

 

17-09-2005 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=287