/

 

 

إمكانيات تجديد الخطاب الديني العربي من خلال خطابات وتجارب المسلمين الآخرين

رضوان السيد

أولاً : أصول الخطاب الإحيائي وتطوراته:
جرى الإعلان عن المقولة التأسيسية في الخطاب الأصولي الإسلامي المعاصر في العالم العربي وخارجه في وقتٍ واحدٍ تقريباً، أي في الأربعينات من القرن العشرين الماضي. قال أبو الأعلى المودودي (1979م) في بيان تأسيسه للجماعة الإسلامية عام 1941 ( وقتَها بالهند، وانتقلت إلى باكستان بعد تأسيسها عام 1947) : إنّ هويةَ المسلم دينُه، وإذا جُرّدَ منها جُرّد من إنسانيته، وسيطر عليه شيطانُ القومية. وقال حسن البنّا (-1949) بالقاهرة إنّ الإسلامَ دينٌ ودنيا، مصحفٌ وسيف. وكما كانت بدايات ظواهر الأُصولية الإسلامية في طَورها المعاصر في مصر انطلاق حركةٍ احتجاجيةٍ على إضعاف الخلافة ثم إزالتها من جانب مصطفى كمال (1922-1924)، كذلك كان االأمر بالهند بين المسلمين، الذين شكّلوا عام 1916 جمعيةً لدعم الخليفة العثماني عُرفت في ما بعد تحت اسم " حركة الخلافة ". ونعرفُ من مُراسلات المسلمين بجاوه وسومطرة وآسيا الوسطى خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، مع مجلة المنار بمصر (1898-1936م) أنّ مسألة بقاء الزعامة الدينية والسياسية الرمزية للمسلمين متمثّلةً في الخليفة العثماني( أو الجامعة الإسلامية؟) كانت الشغـل الشاغل لـذوي الثقافة الدينية منهم. وقد تـتالت تطورات الخطاب الإحيائي/ الأصولي الإسلامي حتى اكتملت حلقاتُهُ في العالم العربي وباكستان أواخِرَ الستينات من القرن العشرين؛ في حين غابت تلك التطورات عن ساحات تركيا وآسيا الوسطى والقوقاز وإندونيسيا والهند لظروفٍ عدّة في الحقبة نفسِها، أي الثلاثين عاماً التالية للحرب العالمية الثانية.
إنّ المعالم الرئيسية لخطاب الهوية هذا، تتركزُ حسْبما تبلور في الأمور والمسائل التالية: 
- إنّ الإسلامَ يختلف عن الديانات الأُخرى ( ديانات التوحيد بالذات) في أنه يملكُ مشروعاً سياسياً لا يمكن تصوُّر الحياة المنتظمة للمسلمين بدونه. وقد سمَّى الصحابةُ الأوائلُ المشروعً بعد وفاة الرسول(ص) : الخلافة. ولذلك بُعدان واضحان؛ أحدهما قرآني، والآخَر زماني. البُعْدُ القرآنيُّ يتمثّلُ في أنّ المسلمين مستخلَفون من الله أو أنهم مكلَّفون بإقامة حُكْم الله في الأرض. والبُعــد الزماني يتمثَّلُ في أنّ النظام ( نظام الخلافة) تحددت آلياتُهُ بعد وفاة الرسول (ص) بظهور منصب "خليفة رسول الله".
- وما دام المشروعُ ذا طبيعةٍ إلهيةٍ فلا فصل بين الدين والدولة في رؤية الإسلام؛ بل إنّ الدين لا يُطبَّقُ بحذافيره إلاّ في ظلّ الاندماج أو التدامُج بين الدين والدولة. وهكذا فالفصل كان عملاً تغريبياً تخريبياً المقصودُ به إزالةُ الإسلام. ولتجاوز حالة اللاشرعية هذه، لا بد من قيام الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة.
- ما اختلف الإسلاميون الحزبيون على الحاكمية أو التكليف. بل اختلفوا على طريقة تأدية التكليف، وبرز ذاك الخلافُ منذ أوساط الستينات في باكستان أولاً، ثم في مصر وبقاع العالم العربي الأخرى. أصرَّ المتشـددون على العنـف في الأمـر بالمعروف ( الدولة الإسلامية)، والنهي عن المنكر ( الجاهلية )؛ في حين تبلور تدريجياً تيارٌ رئيسيٌّ يفضّل عدم استعمال العنف المباشر في الداخل الإسلامي رغم حالة اللاشرعية السائدة. 


ثانياً : البيئات الإسلامية:
أسهمت الحربُ الباردةُ التي تميزت بفصامياتٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ راديكالية، في تبلْورُ الخطاب الأصولي الإسلامي، سواءٌ في باكستان أو في مصر. أما الساحاتُ الإسلاميةُ الأخرى، فما تبلورَ فيها خطابٌ مُشابه لدى فئاتٍ واسعة. في آسيا الوسطى والقوقاز لوقوعها تحت السيطرة الشيوعية. وفي الهند، لاضطرار المسلمين للاستظلال بحزب المؤتمر حمايةً لوجودهم وحقوقهم. وفي تركيا بسبب سيطرة العلمانية الراديكالية التي يحميها الجيـش. وفي إندونيسيا لسببين : شعبية سوكارنو الكبيرة، وسيطرة الحركات الصوفية. وفي إيران بسبب استمرار سيطرة المرجعية الدينية التقليدية علىالخطاب والجمهور. 
والواقع أنّه وفي سياقات الحرب الباردة، هناك عاملان أثَّرا بقوةٍ في تبلور الخطابات الأصولية أو عدم تبلورها: تجربة الدولة الوطنية، والموقف، أو موقف نُخَب الدولة الوطنية من المؤسسات الإسلامية التقليدية عند السُنّة على الخصوص. فالصراع في الحرب الباردة على باكستان ومن حولِها، وعلى العالم العربي ومن حوله وعلى الخصوص بعد قيام إسرائيل، وصيرورة النفط سلعةً استراتيجية، كلُّ ذلك أدى إلى فشل تجربة الدولة الوطنية، ونشر الريح في أشرعة الخطاب الأُصولي. وبالنسبة لعلائق الأنظمة بالمؤسسات الدينية التقليدية، فقد سيطر أحد ثلاثة نماذج: نموذج مكافحة المؤسسة الدينية إلى حدود الإلغاء، ونموذج الإبقاء عليها مع استتباعها، ونموذج الحيادية إزاءها. والملاحظُ أنه في حالتي المكافحة أو الاستتباع؛ فقد حدث ثَوَرانٌ دينيٌّ قويٌّ ليس من جانب وَرَثة المؤسسة والمذاهب الفقهية؛ بل من جانب الإحيائيين الأصوليين الذين أرادوا احتلال المرجعية. وهذا ملحوظٌ في دولٍ كثيرةٍ عربية وغير عربية. فمن نماذج الإلغاء أو محاولته: باكستان وتونس وليبيا وسوريا والعراق والجزائر. ومن نماذج استتباع المؤسَّسة الأقطار العربية الرئيسية: مصر والمغرب والسعودية. ومن نماذج الحياد: إندونيسيا ولبنان والأردنّ واليمن. وفي بلدان الحياد من جانب الدولة إزاء المؤسَّسة حدث إحياءٌ دينيٌّ لكنه ظلَّ معتدلاً وغير جذريٍ أو عنيف. أما إيران فهي حالـةٌ فريدةٌ بسبب خصوصيات المذهب الشيعي. بمعنـى أنَّ فكـرة ( ولاية الفقيه) هي فكرةٌ أصوليةٌ مثل فكرة ( الحاكمية) عند السنة. لكنّ المؤسسة التقليدية هي التي تتولى تطبيقَها. في حين تحطّمت المؤسسة الدينية التقليدية عند السنة في سائر أنحاء العالمين العربي والإسلامي أو ضُعفت ضعفاً شديداً بسبب ضرب الأنظمة لها بحجة التحديث، أو استتباعها لتأمن جانبها أو لتستخدمها في وجه الأصوليين. 

ثالثاً: الخطابات الدينية وإمكان الإفادة منها: 
عرفت العوالُم العربيةُ والإسلامية على تفاوُتٍ حركةً أوحركاتٍ للإصلاح الديني خلال العقود الأولى من القرن العشرين. وكانت الإشكاليةُ الرئيسيةُ في الإصلاحيات: تحقيق التقدم من طريق دخول العالم الأوروبي، أو على الأقلّ تحديث الفكر الديني والمؤسسات الدينية. بحيث لا تشكّل عقبةً أمام التجديد الاجتماعي والثقافي والسياسي.
بيد أنّ فكر الهوية الإحيائي، والذي ظهر في حقبة ما بين الحربين، وتبلور بعد الحرب الثانية، والذي اتجه لمكافحة الإصلاح باسم صَون الخصوصية والذاتية والهوية الطُهورية، أرسى رؤيةً للعالم وخطاباً مختلفاً يقول بضرب التغريب، وإقامة الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة.

والواقع أنّ هناك ثلاثة أشكال من التعبير عن صدمات الحداثة والعولمة اليومَ لدى المسلمين : 
- الإحيائية القوية المعروفة باسم الصحوة، وهي تمثّل وعياً بالخصوصية، وإحساساً بالغربة في هذا العالم، واعتقاداص بوجود مؤامرة على الإسلام. فإذا تبلورت حزبياً التزمتْ بالأصولية الجهادية أو المسالِمة ( وهي الغالبةُ في أوساط التيار الرئيسي).
- التقليديون الجدد. وهذا تيارٌ يحاول استعادة (الإيجابي في التقاليد) أو المذاهب الفقهية أو حتى الاعتزال، وقد أفاد ويفيد من الأطروحات الإصلاحية في الربع الأول من القرن العشرين. لكنه ما ثبّت أقدامَهُ بعدُ، وليس من المنتظر أن يحدُث ذلك؛ لأنه واقعٌ على الخطّ الفاصل بين الإحيائية والسلطات السياسية، وكلا الطرفين لا يُحبُّهُ ؛ فضلاً عن تعرضه للابتزاز من الأصوليين.
- الإصلاحيون الجدد. وهؤلاء أفرادٌ في كل بلدٍ عربي أو إسلامي. وهم يَدْعُون للتجديد والنهوض في كل المسائل الدينية. ولدى البعض منهم ميولٌ راديكالية تصل إلى العلمانية الملعونة لدى الإحيائيين والجمهور. ويبدو أنّ للمعتدلين منهم مستقبلاً، لكنهم اليومَ خارج الأُفُقَ السائد أو الغالب. 
لقد روَّج الأميركيون وبعض الأوروبيين بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لمقولة الإسلام الأسيوي المعتدل. والحقُل أنّ هذا الاعتدال يعودُ للنجاح النسبي للتجربة السياسية والتنموية لهؤلاء في العقَدين الأخيرين ؛ من مثل ماليزيا وتركيا. لكنْ لم ينشأْ خطابُ إصلاحٍ وانفتاحٍ وتجديدٍ باسم الدين أو حتى لتغطية النجاح التنموي أو السياسي. فالنجاح الماليزي ليس له كهنةٌ دينيون أو دُعاةٌ للحداثة والديمقراطية باسم الإسلام. وكذلك الأمر في تركيا رغم وصول حزبٍ ذي صبغةٍ دينيةٍ للسطلة. ولدى الإيرانيين من الفقهاء وغير الفقهاء نزوعٌ غلاّبٌ للتغيير تحت اسم ( علم الكلام الجديد)، أو كما يقول الرئيس محمد خاتمي : الديمقراطية الإسلامية! بيد أنّ الحكم بيد الفقيه، وباسم الدين! 
ولذلك أرى أنه يمكنُ الإفادة بحقٍ من التجربة التنموية والسياسية لدى بعض سياسيي ومنظّري الإسلام غير العربي. لكنني لا أرى خطاباً إصلاحياً جديداً باسم الدين، لدى المسلمين الأسيويين، يمكننا الإفادةُ منه. وهكذا فنحن متروكون حتى اليوم في قبضة خطاب إحيائية الإخوان المسلمين السائدة لدى التيار الرئيسي ذي الجماهيرية الكبيرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ــــــــــ
(*) من أوراق مؤتمر: "حقوق الإنسان وتجديد الخطاب الديني:كيف يستفيد العالم العربي من تجارب العالم الإسلامي غير العربي؟" الإسكندرية في 18-20 أبريل 2006.
 

 

 

 

20-05-2006 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=292