/

 

 

إشكالية الديمقراطية والتنمية الاقتصادية في العالم الإسلامي

أسامة قاضي

خلال أكثر من عقدين من الزمن وجد معظم الباحثين الاقتصاديين أن هناك فرضيات تؤكد على أن هناك علاقة بين النظم السياسية ونماذج التنمية المتبناة ، والحقيقة أن هناك خلافاً كبيراً بين الباحثين حول هذه العلاقة بين الديموقراطية والنمو الاقتصادي ويمكن تقسيمها إلى ثلاث آراء:....

1-وجهة النظر المعارضة ( Conflict perspective ) : أصحاب هذه المدرسة يدعّون بأن العلاقة بين الديموقراطية والنمو الاقتصادي هي علاقة تضاد ومن أصحاب هذا الاتجاه ديشوينتز De Schweinitz 1964 ، واندريسكي Andreski 1968 ، وكايروت Chirot 1977 ،و راوو Rao 1985، وغيرهم ممن اقتنع بأن النجاح الاقتصادي، والنمو السريع يحتاج إلى نظام سلطوي يحد من توسع النشاط الديموقراطي، ويحتوي توسع الحدود الحريات المدنية لأنه سينتج عن هذا التوسع في الحقوق المدنية ديموقراطية غير ناضجة، تؤخر من سرعة عجلة النموالاقتصادي، خاصة أنها في هذه المرحلة لن تكون قادرة بشكل فاعل فرض السياسات الاقتصادية بحزم، بل إن عملية التنمية برأيهم بحاجة إلى تدخل فعال للدولة، والتي لا تتوافق مع السياسات الديموقراطية.

2- النظرة التوافقية ( Compatibility perspective ):
يعتقد أصحاب هذه المدرسة أن النظام الديموقراطي يساعد على تسريع عجلة النمو الاقتصادي، ويعتقدون كذلك على عكس سابقيهم بأن النظام الديموقراطي رغم أنه يعارض أساليب الدولة المتسلطة، لكن في نفس الوقت أصحاب وجهة النظر هذه مقتنعون بضرورة وجود سلطة ملزمة لاستيفاء العقود، وتكون حريصة على تطبيق القوانين والأنظمة، لكنهم رغم ذلك فإنهم يعارضون الفرضية القائلة بتحكم السلطة بكل نواحي التنمية وتخول نفسها الحد من حقوق المواطنين المدنية ومن حرياتهم الشخصية باسم التنمية الاقتصادية. هناك الكثير من المنظرين الذين اعتقدوا بضرورة البيئة الديمقراطية لتفعيل النمو الاقتصادي من أمثال هذه الدراسات التي قدمت لدعم المدرسة التوافقية: كنغ King 1981 ، وكودن Goodin 1979 ، و مكورد McCord 1965، وكوديل وبولسن 1982 Goodell and Powelson، وكوهلي Kohli 1986، والديموقراطية برأيهم تساهم في تأمين التنمية الاقتصادية الدائمة.

3- النظرة الشكّية ( Skeptical perspective ):
بعض المنظرين الاقتصاديين شكك بضرورة وجود أي علاقة نمطية بين الديموقراطية والتنمية الاقتصادية كما هو حال بيي Pay 1966، فقد آمن أصحاب هذا الرأي بأن عنصر السياسة محايد وله أثر ضعيف على التنمية الاقتصادية.
إن منظرو هذا الفريق لاحظوا الطبيعة المتغيرة Variable Nature لتحسن مستويات التنمية الاقتصادية ضمن التجمعات الأكثر ديموقراطية، وكذلك التجمعات ذات الحكومات المتسلطة، لذا فإنهم خلصوا بنتيجة مفادها أن صناع القرار عليهم أن يوجهوا اهتمامهم إلى الطبيعة المؤسساتية الحكومية والاستراتيجيات الحكومية المتبناة، وكذلك العناصر المستقلة التي تتحول في الأنظمة الديموقراطية، وعلى كيفية بناء أهداف التنمية بما يتماشى مع مساري التنمية والديموقراطية.
إن من هذه العناصر على سبيل المثال: طبيعة النظام السياسي الحزبي (نظام حزبين مقابل عدة أحزاب)، مستوى وطبيعة التدخل الحكومي في الاقتصاد، طبيعة التصنيع Industrialization المطبقة (هل تعتمد على العمالة المكثفة Labor intensive أم الرأسمال المكثف Capital intensive) بمعنى آخر هل تعتمد التنمية الاقتصادية على العمالة بشكل أكبر أم على رأس المال. على صعيد آخر أشار هنتنغتون Huntington (1987) إلى ضرورة أخذ البيئة الثقافية بعين الاعتبار قبل تبني أي سياسة تنموية اقتصادية.

أثر الديمقراطية على توزيع الثروات في المجتمع
كان حال المنظرين يشبه حالهم في اختلافهم حول العلاقة بين الديموقراطية والنمو الاقتصادي فقد انقسموا إلى ثلاث فرق، فإضافةً إلى الموديل الشكي skeptical Model الذي يشكك في أن الديموقراطية بالضرورة ستساهم في إعادة توزيع الثروة بشكل عادل في المجتمع هنا ظهرت فرقتين تتبنى كل منهما توجهاً مناقضاً للآخر:

1- الموديل الديموقراطي Democratic Model 
برأي كزنتس Kuznets 1955 أن عملية التنمية الاقتصادية بحد ذاتها تساهم في رفع نسبة المساواة في توزيع الثروات في المجتمع، ويعتقد أن هذا ما يؤهل الديموقراطية لتكون أفضل وسيلة غير مباشرة يعاد بها توزيع الثروات في المجتمع، في عملية التنمية الاقتصادية، من جهة أخرى كان ليبست Lipset 1959 يرى أن الديموقراطيات تفتح جبهات للصراع حول توزيع مصادر الثروة، بسبب آلياتها الديموقراطية التي تعطي حرية الاختيار، والإقصاء، فمن غير المتصور أن تتبنى الحكومة سياسة تنموية اقتصادية تحرم فئة اجتماعية بعينها من حصتها، ولا هي حرة في تجاهل أصوات البشر أصحاب القطاعات المتحركة من البشر التي تطالب بحقوقها الشرعية.

2- الموديل السلطوي Authoritarian Model 
ليس هناك إجماعاً على قبول الموديل الديموقراطي كحل عادل لتوزيع الثروات داخل الدولة، فاعتقاد بيتز Beitz (1982) أن موديل الدولة السلطوية يدعم السياسات التنموية بشكل أكبر من سابقتها في الموديل الديموقراطي، ويركز بيتز في نظريته على أن الدولة السلطوية أكثر قدرة على حماية حقوق الطبقات الفقيرة منها في الموديل الديموقراطي لأن الحقوق السياسية المتاحة وأساليب التعبير عنها عبر آليات انتخابية لا تستطيع أن ينتفع منها أكثر الفئات الاجتماعية المهمّشة ، بمعنى آخر فإن عدم التوزيع السوي للموارد المادية يعاد إنتاجها مرة أخرى بمؤثرات سياسية غير عادلة، لأن الطبقات المهمّشة اجتماعياً غير قادرة على التعبير عن رأيها بالطرق الديموقراطية، أما الدولة السلطوية فهي قادرة على الدفاع عن حقوقهم في الدولة الديمقراطية. 
لقد أيّد هنتغنتون ونيلسون Huntington & Nelson (1976) منطق بيتز إلى حد معين في أن الطبقات الاجتماعية صاحبة الامتيازات برأيهما هي على الدوام نشطة سياسياً بشكل أكبر من الطبقات المهمّشة، و صاحبة الامتيازات القليلة، والتي لا تملك إلا القليل من ثروات المجتمع، لذا فقد يحدث الخلل في التوزيع بناء على درجات المشاركة في العمل الديموقراطي، وهذا كله يعتمد إلى أي حد يمكن للطبقات صاحبة الامتيازات القليلة في المجتمع من أخذ فرصة ممارسة العمل الديموقراطي نسبة للطبقات الأخرى.
وفي نفس السياق تسائل كل من بولين وجاكمان Bollen & Jackman (1985) سؤالاً مفاده أنه إن كان التوجه الديموقراطي هو الأصلح للمساواة عملياً في المجتمع، فهل الديموقراطية تؤدي إلى حكم الأغلبية؟ وهل الديموقراطية تسمح لأصوات الناخبين من أصحاب الدخل المنخفض إعادة توزيع الثروة فيما لو اتفق الجميع مبدئياً أن اللامساواة هي مسألة غير عادلة؟


الدراسات التطبيقية ( الرقمية) Empirical Studies حول أثر الديموقراطية على التنمية الاقتصادية
من أصل ثلاث عشرة دراسة - وهي ليست الوحيدة - حول أثر الديموقراطية على التنمية الاقتصادية وحول أثر طبيعة الأنظمة الحاكمة على عملية النمو الاقتصادي ثلاث منها فقط : هنتغنتون ودومنغويز Huntington & Dominguez (1975) و مارش Marsh (1979) ، وكذلك لانده Landau (1986) خلصت بنتيجة مفادها عدم وجود أثر سلبي واضح للديموقراطية على معدلات النمو الاقتصادي ، بينما وجدت ستة دراسات فيربيند و فيربيند Feierabend & Feierabend (1972) و دك Dick (1974) و كذلك رست و مونسن Russett & Monsen (1975) و كولي Kohli (1986) ومارش Marsh (1988) وجدت كل هذه الدراسات التطبيقية الرقمية أنه لا توجد علاقة بين طبيعة النظام الديموقراطي والتقدم والنمو الاقتصادي.
وما تبقى من دراسات تطبيقية وجدت علاقات شرطية أو شيئاً طفيفاً من العلاقة القائمة بين النظام الديموقراطي والنمو الاقتصادي فعلى سبيل المثال في دراسة لموريس وأدلمان Morris & Adlman (1967) أوضحا أن الديموقراطية تكبح من جماح التنمية، لكن ليس في البلاد المتخلفة الغنية، وكذلك خلص وييد Weede (1983) بنتائج تفيد بوجود علاقة سلبية بين النمو الاقتصادي والديموقراطية وأخيراً قرر كلاً من بيرغ وشلوسر Berg & Schlosser (1984) ، وتيدن وسلون Sloan & Tedin (1987) في دراستهم أن طبيعة نظام الحكم له علاقة قوية بتقدم النمو الاقتصادي.
كما نلاحظ من الدراسات السالفة الذكر فقط - علماً بأن هذه الدراسات ليست هي الوحيدة بل إن عملية البحوث التطبيقية والنظرية لازالت مستمرة ولم نذكر إلا بعضاً منها بما يتناسب وهذه العجالة- تعطي فكرة مشوشة وغير واضحة، أو قاطعة حول العلاقة مابين الديموقراطية نظام الحكم لكثير من الأسباب والتي ربما أهمها ما تعانيه الدراسات الرقمية من مشكلة صياغة الميل، والأفكار الإنسانية، إلى أرقام و إلى إغفال الكثير من العناصر الإنسانية من حسابات الدراسات الرقمية لصعوبة حصرها من جهة ولصعوبة صياغتها كمياً.
مهما كانت أسباب هذا الخلط في النتائج إلا أنها على الأقل تخولنا استنتاج أنه ليس هناك إجماع على دور الديموقراطية في النمو الاقتصادي، والجدول التالي يوضح عدد الدول التي أجريت عليها كل دراسة ونتائج هذه الدراسات حتى نتيح للقارئ الإطلاع ولو بشكل سريع على ملخص تلك الدراسات التطبيقية (انظر الجدول 1). 
Source: Sirowy, Larry & Alex Inkeles., Seligson, A. Mitchell, John Passe- Smith. (1993), “The effects of Democracy on
Economics growth, and inequality, Lynne Rienner Publishers, UK p 396.

أما بالنسبة لموضوع أثر الديموقراطية على توزيع الثروة فقد تصدت له الكثير من الأبحاث التطبيقية، وأهمها اثني عشر بحثاً سبعة منها أكدت على دور الديموقراطية في تحقيق العدالة الاجتماعية، والخمسة الأُخر وجدت أنه ليس هناك علاقة بين توزيع الثروة والنظام السياسي الحاكم إن كان ديمقراطي أم لا والجدول التالي يوضح هذه الدراسات ( انظر الجدول 2). 
Source: Sirowy, Larry & Alex Inkeles., Seligson, A. Mitchell, John Passe- Smith. (1993), “The effects of Democracy on
Economics growth, and inequality, Lynne Rienner Publishers, UK p 397.

لعل ليبست Lipset (1959) كان من الرواد الأوائل الذين كتبوا حول مسألة الديموقراطية حيث أشار إلى وجود علاقة بين الديموقراطية ومتحولات من مثل الثروة للفرد الواحد، التصنيع، والنمو الريفي، ومستوى الثقافة.
برأي "ليبست" أن الاهتمام بمن يدير الحكم يخف مع ازدياد الثروة، لأن الحكومة تبقى أقل تأثيراً على مناحي الحياة الهامة لمعظم التجمعات صاحبة النفوذ القوي في المجتمع، والمتمتعة بالثروة بمعزل عن الدولة، بينما يمكن للجماعات الأكثر فقراً تأمين بعض احتياجاتها عن طريق إعادة توزيع الثروة بشكل لا يشعر به المُتنفّذين أصحاب الثروات، حيث إن إعادة الثروة لا تُرى بالضرورة بحجم المردودات المادية المباشرة، لكنها تظهر على سبيل المثال على شكل التضحية باستثمارات القطاع الخاص للتوسع في مسائل التعليم والتأمين الاجتماعي، أو السماح للنقابات التجارية بالمطالبة بتحسين شروط العمل، ففي مثل هذه الظروف يكُبر احتمال انخراط الطبقات الدنيا في المجتمع في العمل السياسي.
للإنصاف فإن "ليبست" أقرّ باحتمال وجود إشكالية فيما لو منعت بعض الجماعات من ممارسة العمل السياسي، أو لو أن بعض الطبقات الاجتماعية صعدت على حساب الطبقات القديمة بناء على توجهات دينية أو عرقية، لكن الافتراض العام لديه هو أن التنمية الاقتصادية هي المحرك الأساسي للديموقراطية.(انظر الجدول 3) 
Pinkney, Robert. 1994. Democracy in the Third World, Lynne Rienner Publishers, Boulder, Colorado. (p. 22). 

يشير الدكتور يوسف صايغ في كتابه "التنمية العصّية" إلى أهمية الحرية والديموقراطية في العمل التنموي بقوله :
" يمكن لنا أن نحاجّ بقوة أن الحرية وحقوق الإنسان والديموقراطية معاً ضرورة حيوية ليس فقط لتجدد أو لانبعاث المجتمع ونهضته وإنما كذلك لكي يكون للسعي الإنمائي حظ كبير بالنجاح إذا كان له أن يتمتع بفضل العامل السياسي المذكور بالتزام شعبي واسع وبقدرة على تعبئة الإرادة الوطنية خلفه." إن تفاؤل د.يوسف صايغ في أهمية الديموقراطية يقابلها تشاؤم من قبل مفكرين من أمثال روستو W.W.Rostow الذي لا ينصح أن نكون متفائلين فيما يخص العلاقة بين التنمية الاقتصادية ونشوء ديموقراطيات تعيش الاستقرار السياسي، على الرغم من إصرار الجمهور، واندفاعه نحو الديموقراطية في معظم أجزاء العالم. 
كان أحد أهم الأسباب التي جعلت من روستو غير متفائلاً حول علاقة الديموقراطية والنمو الاقتصادي هي الدراسة التي أصدرها مركز الدراسات العالمية CENISفي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT والدراسة طرحت سؤالاً هاماً مفاده: هل هناك أي ضمانة بأن الأمة الآسيوية سوف تنطلق من تنمية اقتصادية تتمتع بالديموقراطية السياسية؟ الإجابة كانت أنه ليست هناك أي ضمانة ، وأن العلاقة بين الديموقراطية والنمو الاقتصادي ليست أوتوماتيكية أو سهلة الحدوث. 
هذا لا ينفي أن روستو مقتنع بأن مسألة التنمية ينبغي عليها التركيز على موضوع قلة الموارد، وأن تأخذ بعين الاعتبار مسألة تفعيل المواهب والطاقات السياسية وهذا ما سيحمل في طياته تعظيماً لفرص سير المجتمع نحو العصرنة بأقل نسبة من التكاليف البشرية، وإن عملية التنمية عندها ستُثمر عن حكومات، سياستها تقترب بشكل متسارع من طلبات الشعب الذي تحكم.
إن الصراع بين السلطة الحاكمة وبين الشعب له جذور تاريخية وقد أشار إلى تاريخية هذا الصراع جون ستيوارت ميل John Stuart Mill في منتصف القرن التاسع عشر في كتابه الشهير "حول الحرية" On Liberty "الصراع بين الحرية والسلطة هي من أوضح المظاهر في ثنايا التاريخ. المعروف في التاريخ المبكر الخصومة في زمن اليونان والرومان وبيزنطة، ففي الأيام القديمة كان الصراع بين الأفكار أو بين الطبقات، أو كان الصراع على المواضيع، و الأفكار والحكومة، لقد قصد بالحرية حماية المواطن ضد طغيان الحكم السياسي. لقد نَظر إلى منصب الحاكم على اعتباره بالضرورة منصب يحمل عداء للشعب الذي يحكم."
يوضح الجدول (4) مستويات المعيشة والحرية في بلدان العالم الإسلامي مابين عامي 1972 و2004، وهو يظهر كيف أن مستويات الحرية قد انخفضت بدل أن ترتفع في عدد من بلدان العالم الإسلامي من مثل باكستان، وماليزيا.(يرجى ملاحظة الرموز التالية في الجدول : دول ليست حرةNF=Not Free ، دول حرة جزئية PF= Partial Free، دول حرةF = Free ) 

رغم أن النظرة الأولية للمشهد الديموقراطي-الاقتصادي للعالم الإسلامي يؤكد على العلاقة القلقة والضبابية بين مستوى العيشة والحرية، حيث نجد أن الدول الإسلامية ال 14 الأكثر فقراً، هي الدول الأقل حرية، كما يتركز انعدام الحرية في ستة دول فقيرة أيضاً، أما بالنسبة للحرية الجزئية فهي تتناغم ومستويات الدخل، فالدول الأكثر غنى هي الدول الأقل تركزاً للحرية الجزئية، الدول الأكثر فقراً هي التي تفضل ولوالقليل من الحرية.
المؤسف أن تكون الدول الإسلامية الأغنى هي الدول غير الديموقراطية، لذا قد تجد مايبررالتشويش في معظم الدراسات الامبيركلية السابقة الذكر، حيث أن العلاقة بين حصة الفرد للدخل القومي والحرية تبدو شبه معدومة، وكأن الدراسات الرقمية تعطي مبرراً للحكومات غير الديموقراطية بعدم الإقدام على الإعلاء من شأن الحريات لأنه لايتم ترجمتها إلى حقيقة اقتصادية، لكن الدراسة الامبيركلية التي يقدمها هذا البحث تؤكد على إمكانية تغير دخل الفرد بشكل أكبر كلما تحسن وضع الحريات للشعب في العالم الإسلامي، فهي قد لاتنقل البلد من شريحة دخل قليل إلى أعلى منه، لكنها تحسن دخل الفرد ضمن نفس الشريحة في أحسن أحوالها. 
هناك بعض الدول التي تحسن دخل الفرد فيها خلال العقدين المنصرمين كماليزيا مثلاً إلا أن تصنيفها انخفض من دولة حرة، إلى دولة حرة جزئياً، مما يساهم في تشويش النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها أي باحث.

الخلاصة:
1- لا يمكن إزالة تهميش الشعب في عملية التنمية الاقتصادية بدون رفع مستوى الحريات، أو المزيد من الديموقراطية، ولايمكن الاستفادة من مزايا التحكم في عملية التنمية ما لم يعاد النظر في إزالة التهميش عن كل الطاقات الفاعلة وزجّها دون تمييز في عملية التنمية.
2- كل الدراسات الرقمية أو النظرية التي استعرضتها هذه العجالة والتي تراوحت مابين مؤيد أو معارض لدور الديموقراطية في دفع عجلة التنمية الاقتصادية تستحثنا على التفكير مرة أخرى في السؤال أليس الإنسان في النهاية هو هدف التنمية الاقتصادية؟ بعيداً عن الدراسات الرقمية أو التطبيقية (الإمبركلية Empirical) وأصحابها من جماعة الاقتصاديين القياسيين Econometricians الذين يمثلون العالم وحركته بشكل موديلات رياضية ويفترضون أنها أي – الموديلات الرياضية – هي أنجع وسيلة للتعبير عن حقيقة مايجري في علاقة الديموقراطية والتنمية الإقتصادية. 
3- أمام فيض الدراسات التطبيقية التي استعرضها هذا البحث والتي وجدت أن الديموقراطية إما أنها تعارض عملية التنمية اقتصادي أو أنها لا تساعد عليه أجدني مضطراً أن أذكر ما قاله بيتر كينيدي Peter Kennedy في كتابه "المرشد إلى الاقتصاد القياسي" "أنه بات معترفاً به أن الاقتصاد القياسي وموديلاته الرياضية خاطئة وأنه ليس هناك أمل أو إمكانية للحقيقة أن تظهر من خلالهم" وكذلك كان لفيلدشتاين Feldstein ملاحظات تصب في نفس الاتجاه حيث قال " عملياً كل تشكيلات الاقتصاديين القياسيين الرياضية كلها موديلات خاطئة …فصاحب الاقتصاد التطبيقي كأي منظر سرعان ما يكتشف من خبرته أن الموديل الأصلح ليس هو الموديل الحقيقي أو الواقعي، لكنه ذلك الموديل الشحيح Parsimonious أو المعقول أو التعليمي" ،كذلك كان لجورج بكس George Box كلاماً أكثر صراحةً وأكثر تطرفاً حيث قال: "كل الموديلات الرياضية خاطئة لكن بعضها نافع"، ورغم احترامنا البالغ لكثير من الدراسات التطبيقية والتي ساهمت في تقدم علم الاقتصاد، لكن علينا في نفس الوقت أن لا تنسينا زحمة الدراسات الرقمية أن الإنسان يبقى الهدف النهائي التنمية الاقتصادية.
4-الديموقراطية في معناها المباشر هو تحرير قدرات الإنسان واحترام حقوقه سياسيةً كانت أم اقتصاديةً أم اجتماعية ولا يمكن لتنمية اقتصادية دائمة أن تعتمد على مجموعة من فاقدي الحرية، بحجة خدمة الوفرة الاقتصادية للمجتمع، خاصة أن ثمرة التنمية خاصة في المجتمعات الديكتاتورية ستعود إلى أصحاب السلطة المتنفذين، ومن ساندهم من أصحاب الثروات الذين يسعون في الغالب للحفاظ على مصالحهم، ولايهمهم كثيراً سعادة بقية المجتمع اقتصادياً أو سياسياً أو حتى نفسياً، بعد ممارسة كل الضغوط السياسية التي تقع على عاتق الطبقات المسحوقة كي يتم الارتقاء بعملية التنمية الاقتصادية، ويُحرم من حصاد خيراتها معظم طبقات المجتمع، لأنه يصعب تصور تواجد ديكتاتورية، وتوزيع عادل للثروات في المجتمع. 
5-أجدني أوافق على تشجيع الديموقراطية في العالم وخاصة الثالث منه، سواء أحُصدت نتائج هذه الديموقراطية الاقتصادية المادية مباشرة أم أنها تأخرت، ولعل الدراسات الكثيرة سواء من المنظمات الدولية أو من بقية المفكرين الاقتصاديين التي أوردها هذا البحث والتي تؤكد على علاقة الديموقراطية بالتنمية الاقتصادية - و لاداعي لاستعراضها مرة أخرى - لكفيلة أن تبعث الطمأنينة في قلوب صناع القرار في العالم الثالث.
6-إن الديموقراطية التي تشجع على الحوار مابين الحاكم والشعب، وتلغي الحصانة الوهمية للمتنفذين وتساهم في تفعيل الحوار العلني والصريح على قناة "حاكم -سلطة" سيدفع بعجلة التنمية الاقتصادية المستدامة وربما يحسن استعارة مصطلح Sustainable Development من الاقتصاديين الذين يرون في الحفاظ على البيئة استدامة للتنمية الاقتصادية، لأن البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يشكل العمود الفقري لهذه الاستدامة بمافيها البيئية لأن وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب للحفاظ على البيئة هو قرار سياسي أولاً، لأن قصد هذه السياسات التنموية الاقتصادية هو تحرير طاقات الإنسان الذي أمر الخالق بتكريمه، مهما ضاق بهذا صدر بعض الدراسات الرقمية، فالإنسان الذي كرمه المولى جلّ وعلا هو الأولى بالاهتمام في دراساتنا الاقتصادية، ولنتذكر في خضم الأرقام أن الإنسان وسيلة المجتمع للتقدم الاقتصادي وإسعاد الكائن البشري يجب أن يكون هو الهدف النهائي لأي سياسة اقتصادية تسعى للكمال.
7- المطلوب النهوض بالحريات الاقتصادية وذلك من خلال إزالة العقبات البيروقراطية، وتخفيف تدخل الحكومة في الشأن الاقتصادي على الصعيد الرسمي أو غير الرسمي، وإن اقتصاديات الدول المتخلفة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت آخر بمراجعة أداء القطاع العام بشكل جريء ضمن أجواء الحرية الإعلامية، دون مجاملات ايديولوجية.
8- الارتقاء بالحريات العامة وخاصة المدنية وتقديم حصانة للصحفيين، مما يساعد صانع القرار السياسي المخلص في بناء الوطن على كشف كل الأخطاء والعيوب، لابقصد التشهير، ولكن بقصد الإصلاح.
9- إن الشعور العام بالحرية سيبني جسور الثقة بالحكومة حيث تنعكس على حساب زيادة الثقة في المصارف الحكومية مما يزيد عدد المودعين وبالتالي تفعيل الاقتصاد بمشاريع ضخمة لايقدر عليها إلا البنوك صاحبة الملاءة المالية، والكثافة الرأسمالية، إضافة إلى تشجيع المصارف الخاصة التي ستشعر بالاطمئنان طالما أن هناك قضاء عادل ضمن مناخ الحريات الصحفية.
10 – العمل على جذب المزيد من الشركات الخاصة يأتي ليس فقط بعد إعمار البنية التحتية لأن هذا بدهي، ولكن لايمكن للشركات الخاصة أن تخاطر باستثمار ملاينها في بلد متخلف ولامجال فيه للتعبير عن الرأي أو يتعذر فيه اللجوء لقضاء مدني (وليس عسكري) ونزيه، مالم يكن لهم صوت يمكن أن يسمعه المسؤولون في الصحافة اليومية، لتعزيز المساءلة، كما تجري العادة في الصحافة العالمية كالوول ستريت جورنال، أو الفاينانشال تايمز، أو الايكونومست، والتي تعتبر الضمانة ربما الوحيدة أمام عدم تعرضهم للاستغلال من قبل بعض المتنفذين الذين يتقنون إساءة استخدام صلاحياتهم من خلال ابتزاز هذه الشركات، والمطلعّون يعلمون أن الفساد مسألة ليست حكراً على بلد دون آخر فهي ليست خاصية سورية، ولكن المهم في المسألة في من يتصدى لمعالجتها من أبناء الوطن المخلصين، بالتعاون مع صانع القرار السياسي.
11- اختطت معظم اقتصاديات الدول العربية والإسلامية نهجاً ليبرالياً اقتصادياً منذ أكثر من عقد من الزمان بعد أن قرروا اللحاق بالركب العالمي، فلايمكنهم إذاً إلا أن يماشوا الأسلوب الديموقراطي عبر ضخ المزيد من الحريات في الحياة العامة إلى جانب التحرر الاقتصادي تأسياً بمعظم دول العالم، فكما يتوجب عليهم رفع درجة الحرية الاقتصادية، عليهم رفع مستوى الحريات المدنية والسياسية من أجل وضع حد للفصام النكد بين الحاكم والمحكوم، وهذا الالتحام لايتم إلا في أجواء الحرية والمصارحة والاحترام المتبادل. 

ختاماً إن معظم البلاد الإسلامية لم تعر مسألة الديموقراطية الاهتمام في عملية التنمية الاقتصادية، والمطلوب هو المزيد من العدالة وذلك من خلال الاقتراب من عدالة توزيع الثروات، وكذلك العدالة في تساوي الفرص أمام المستثمرين الكبار منهم والصغار دون استئثار بعض المتنفذين على حساب المستثمرين العاديين، وكذلك العدالة في السماح للمتضررين من المستثمرين بالتعبير عن رأيهم بغض النظرعن انتماءاتهم ودون تخوين أو تهديد، وهذا لايتم إلا بتوفر إعلام حر يصعب على الصحف الرسمية القيام به على أتم وجه، ولربما من الأفضل أن يقوم الإعلام الوطني بمعالجة الأخطاء وتصويبها بروح مخلصة، بدل أن تقوم به الوكالات الدولية المختصة بالشفافية والفساد الإداري، كما تفعل مثلاً مؤسسة الشفافية الدولية التي تصدر تقرير الفساد العالمي سنوياً من ألمانيا، فأهل مكة أدرى بشعابها، وأغّيرعليها من أي مؤسسة، وكما قال قديماً علامتنا ابن خلدون "العدل أساس الملك"، وفي المزيد من الحريات لطاقات الأمة المخلصة كل العدل. 
 

 

 

 

27-07-2005 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=308