/

 

 

رينيه غينون و التقليدية التكاملية ( 1 )

محمد عادل شريح

. القسم الأول (1)

مقدمة لا بد منها
قبل أربع سنوات من الآن، عرض علي أحد أصحاب دور النشر في مدينة حلب (هي: دار فصِّلت للدراسات والترجمة والنشر) أن أقدم لكتاب سيترجم للمفكر الفرنسي المسلم "رينيه غينون" المعروف في العالم الإسلامي باسم " الشيخ عبد الواحد يحيى" و هو كتابه "أزمة العالم الحديث" و قد أبديت كامل استعدادي لتحقيق هذه الفكرة لآني كنت أعلم مدى أهمية هذا المفكر الكبير و ضرورة أن يطلع مثقفينا في البلاد العربية على آثاره و مؤلفاته، و لخدمة هذا الغرض فقد أعددت دراسة مسهبة حول الرجل و مؤلفاته و منظومته الفكرية أسميتها " رينيه غينون و التقليدية التكاملية" و قدمتها إلى دار النشر هذه، وقمت كذلك بالتعاون مع المترجم بمراجعة النص المترجم للكتاب من اللغة الفرنسية و تنقيحه إلى أن أصبح جاهزاً للطباعة.
لكن الغريب في الأمر أن هذا الشخص الذي كان من أشد المتحمسين لنشر الكتاب صار يماطل و يختلق الأعذار عن نشره، و الحقيقة أنه قد ساءني تسويفه و تهربه لكنني لم أكن أملك أي حق قانوني لمطالبته بأي شيء ذلك لأننا، و كما كنت أعتقد، كنا نعمل لخدمة فكرة مشتركة و لم يكن بيننا أية اتفاقات واضحة سوى اعتقادي بانتمائنا إلى مرجعية أخلاقية واحدة.
المفاجئة كانت أن هذا الناشر، قام بعد أربع سنوات بنشر دراسة عن المفكر الفرنسي رينه غينون في كتاب له أسماه " من ينابيع التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر" حيث أن هذه الدراسة تستند إلى حد كبير إلى الدراسة التي قدمتها له و تنقل عنها نصوصاً كاملة دون إشارة واضحة إلى أن هذا كلام منقول عن نص آخر، سوى إشارة في بداية هذا الكتاب إلى أنه أفاد كثيراً من بحثي المخطوط ، هذا البحث المخطوط الذي قدمته له من أجل النشر لا من أجل أن يستفيد منه في " فبركة" بحثه الخاص، و الأهم من ذلك أنه أبقى هذا الأمر سراً عني و لم أعلم أي شيء عن الموضوع إلا بعد صدوره و توزيعه في المكتبات، و في هذا إقرار كاف منه، بالنسبة لي، على عدم مشروعية ما قام به، فالإثم، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم، ( هو ما حاك في الصدر و خشيت أن يطلع عليه الناس) .
عندما اطلعت على الكتاب و قرأته وجدت أنه قد أضاف إلى النصوص المنقولة عن الدراسة التي أعددتها و عن نصوص أخرى قليلة ، أشياء من عنده و من بنات أفكاره ، أو أنه قد عبر عن بعض هذه الأفكار بطريقته الخاصة و يا ليته ما فعل هذا و لا ذاك، و يا ليته نشر النص كاملاً باسمه الخاص لكان حزني و أسفي أقل، لأنه قد شوه أفكار هذا المفكر العظيم، أو أنه قدمها منقوصة مبتورة في أفضل الأحوال،و ليس ذلك بالمستهجن أو الغريب، فهو ببساطة لم يقرأ أعمال غينون لأنها غير متوفرة باللغة العربية، و هو لا يجيد أي لغة أجنبية، و مع ذلك لم يجد هذا المتطفل بأساً من أن يقدم للقارئ ما يجهله هو نفسه ، بل أنه لم يجد بأسا و لا غضاضة في أن يقوم بتصحيح و تعديل بعض آراء الشيخ عبد الواحد يحيى من خلال ما أسماه مقاربات إسلامية مع الديمقراطية و غيرها من مقدمات الحداثة الغربية.
أن أعمال المفكر الكبير رينه غينون المعروف في الغرب على أنه أحد أهم أعلام التصوف الإسلامي في العصر الحديث ، لا تترجم في الغرب إلى أية لغة أخرى إلا بأشراف من لجان تابعة لجمعيات متخصصة تعرف باسم " الجمعيات الغينونية" و ذلك حرصاً على أن لا يتم فيها أدني تحريف أو تغير. و ما ذلك بغريب نسبة إلى مكانة هذا المفكر، و لا هو غريب بالنسبة للصادقين الشرفاء من أهل الفكر، أما التجار من صغار الكتبة فشأنهم شأن آخر.
إنه لمن العجب العجاب لكل من يملك أدنى معرفة بالشيخ الكبير عبد الواحد يحيى أن ُيقدم في سياق واحد و في سلسلة من المجددين و المصلحين، كما يزعم صاحبنا، تبدأ من رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده و تنتهي بالشيخ محمود عكام ، في حين أن الشيخ عبد الواحد لا ينتمي إلى هذا السياق أبداً. و إنه لأمر عجيب أن يقدم للقارئ العربي على أنه من ينابيع التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر في الوقت الذي كان الهدف الأساسي لكتبه كلها هي توضيح الثابت و المبدئي و الأساسي الغير قابل للتجديد أو التبديل في كل المنظومات العقائدية التقليدية.
و إنه لمن العجب العجاب، أن يقوم أحد ما بمحاولة الربط و التوفيق بين آراء الشيخ عبد الواحد يحيى الرافضة لأسس و منطلقات الحداثة الفكرية منها و الاجتماعية السياسية مع فكرة المساواة و الديمقراطية اللبرالية، و ذلك بمعارضة آراء الشيخ ببعض ما كتبه مفكرين محدثين في المساواة و الديمقراطية في الإسلام. و لعله من رحمة الله بالشيخ أنه لم يعش ليقرأ في بحث عنه كلاماً من نوع أن " المشروع الديمقراطي الذي وضعه الإسلام قد أخذ طريقه للتحقق في زمن الرسول صلى الله عليه و سلم و في عهد الخلفاء الراشدين و في هذه الفترة وضعت الأصول النفسية كلها التي تقدم ذكرها، تكملها و تدعمها مقدمات جديدة لتكون الأساس المعنوي للديمقراطية الإسلامية" نعم إن هذا هو العجب العجاب.
لا نريد هنا أن نعترض على آراء هذا الناشر بالنسبة للمفاهيم الديمقراطية و المساواة الغربية و توصيفاته " التي تتجاوز المعضلات التي وقفت في وجهه الديمقراطية التي انتقدها غينون" كما يقول، و لا نريد أن نعترض أو نناقش آراء من يستشهد بأقوالهم، فليس هذا هو ميدان ذلك، لكن اعتراضنا و سؤالنا هو: ما دخل الشيخ عبد الواحد يحيى بهذا الكلام؟ 
الحقيقة أن كاتبنا و كما يشير هو في بداية كتابه، خريج مدرسة شرعية، و قد تلقى تعليماً أصولياً ولكنه يتمسح بأفكار الحداثة الغربية ليتجمل بها، و يشعر بعقدة نقص تجاه الغرب و تجاه ما أنتجه هذا الغرب من أفكار،و لا بد أنه قد شعر بخجل أنثوي عندما رأى الشيخ عبد الواحد يحيى ينقض بنيان الحداثة حجراً حجراً، فما كان منه للخروج من مأزقه هذا إلا أن قام بمحاولات اعتراض آراء الشيخ ببعض الكلام المرصوف، ليحقق مصالحة مستحيلة بين الإسلام كأهم المنظومات التقليدية الحية و مقدمات الحداثة الغربية التي عمل الشيخ طوال حياته على نقضها.
لذلك و حفاظاً على أن يتم تقديم الشيخ عبد الواحد يحيى بصورة نزيهة عادلة تعطي لهذا العارف الكبير حقه، و تعطي للآخرين الحق في التعرف عليه بصورة تعبر عن حقيقته ليقوم بعد ذلك من يشاء بقبوله، أن يقبله، و من يشاء برفضه، أن يرفضه و لكن على بينة، دون مقاربات حداثية ديمقراطية مزعومة. و قد كنت قد عقدت النية على إعداد بحث جديد عن فكر الشيخ، و نشر ذلك مع ما يمكن ترجمته من بعض النصوص في كتاب مستقل، و لا زلت على هذه النية لكني أرى من المناسب الآن نشر هذا العمل سريعاً ليتاح لكل المهتمين من أصدقاء لي و غيرهم الاضطلاع علية و الاستفادة منه، و أشكر أصدقائي في " الملتقى الفكري للإبداع " الذين و فروا لي فرصة النشر السريع لهذا البحث ، حرصاً على النزاهة و الصدق في الأمور العلمية و الفكرية. 
حلب في: 23/4/2005 
------------------------------------

(نص الدراسة)

" إن ظاهرة غينون هي الأعجوبة الفكرية الأكبر 
منذ نهاية العصور الوسطى في أوروبا " . 
ميشيل والزان صديق غينون و أحد تلاميذه 
في عتمة القرن العشرين المظلم بماديته التي تسير بالإنسانية نحو الهاوية بتسارع يتناسب طرداً مع الأرقام الجديدة في عالم السرعة. في هذا القرن الضائع في متاهات فرويد الليبدوية ، و وجودية سارتر العدمية ، و مادية ماركس الجدلية و غيرها من الصيحات الحديثة في عالم الفكر ، تبدو ظاهرة غينون و كأنها حقاً أعجوبة لا تصدق . ففي قلب الحضارة الحديثة التي أخرجت الروح نهائياً من عالم الإنسان ، جاء هذا الفرنسي النحيل ليشعل شمعة للروح في قلب أوروبا المثقلة بأوزار المادة و ليعيد الاعتبار إلى الحضارة التقليدية ، حضارة الروح و المقدس في زمن الابتذال والكذب و التضليل . 
ولد رينيه جان ماري جوزيف غينون في 15/ 11/ 1886م في مدينة بلوا الفرنسية، و كان أبوه مهندساً معمارياً ، و قد تميز غينون منذ طفولته بذكائه الحاد و صحته الرديئة . و قد أكمل دراسته في مدينته التي ولد فيها حيث حصل على درجة بكالوريوس في الفلسفة ، ثم غادر إلى باريس بنية متابعة الدراسة ، لكنه و لأسباب عديدة لم تكن صحته السيئة آخرها ، لم يكمل دراسته و انتهت حياته الأكاديمية عند هذا الحد.
مع بدايات القرن العشرين كانت مرحلة الفلسفات الكبرى في الغرب و التي بدأت مع ديكارت قد انتهت و بدأت مرحلة جديدة افتتحها الإنجليزي جورج مور بفلسفته التحليلية نحو تفكيك ما قد تراكم من إرث فكري ، دون أن تقدم هذه التجربة أي شيء من يقين أو طمأنينة فكرية . و قد أدى هذا الحال بالكثيرين للبحث عن اليقين في مصادر أخرى ، كانت مجموعة من الجمعيات السرية التي تدعي امتلاكها لحقائق ميتافيزيقية و لطرائق المعرفة الكشفية أهمها . 
في هذه الأجواء التي خيمت على مدينة باريس في بداية القرن ، هذه المدينة التي كانت مركزاً للعديد من هذه الجمعيات التيوصوفية و غيرها ، وجد غينون نفسه فراح يتعرف على هذه الجمعيات واحدة تلو الأخرى و استطاع أن ينسج علاقات شخصية مع ممثلي هذه الجمعيات جميعاً ، لكنه سرعان ما أدرك زيف ادعاءاتها فصار يهاجمها علناً و يفند كل الادعاءات السخيفة و الخيالية التي تطلقها دون أي أساس من الصحة ، هذه الانتقادات التي ضمنها بعد ذلك غينون في كتابه القيم " التيوصوفيا ، تاريخ إحدى الديانات المزيفة " و كتاب " أوهام الروحانيين " .
لقد فنًد غينون في هذان الكتابان ادعاءات ما يسمى بتيار " الروحانية الجديدة " بدءً من بالافيتسكايا الروسية وصولاً إلى بابيوس رئيس جماعة المرتينيين في باريس و الذي كان غينون على معرفة شخصية به ، لقد كانت انتقادات غينون لهذه التيارات الزائفة مفيدة لكل الباحثين عن الحقيقة ، ذلك أنها أغنت الكثير من أصدقائه و أتباعه عن الخوض في مثل هذه التجربة المحبطة والمخيبة، إلا أن الأهم من ذلك هو إطلاع غينون المباشر على الدور السلبي و الخطير الذي تقوم به هذه الجمعيات السرية في الحياة الفكرية و الروحية و الاجتماعية الحديثة . 
كذلك تعاون غينون أثناء إقامته في باريس مع صاحب مجلة " فرنسا المعادية للماسونية " كلارن دي لاريفا ، و قد انتقد غينون " الماسونية " في هذه المجلة و أنتقد كذلك كل الآراء الساذجة والسطحية التي تسود في الأوساط المعادية للماسونية ، التي تجهل حقيقة هذه الجمعية والتحولات العميقة التي طرأت عليها عبر التاريخ و جعلت منها إحدى أخطر الجماعات السرية في العصر الحديث .
المحطة الخيرة في رحلة غينون في بحثه عن الحقيقة كان عنوانها التوجه إلى الشرق ، هذه المحطة التي حددت المعتقدات و الآراء النهائية لغينون، و قد لعبت شخصيات ثلاث أدواراً أساسية و مهمة في هذا التوجه ، هذه الشخصيات هي :
_ ليون شامبريينو، و هو مثقف فرنسي اعتنق الإسلام وسمى نفسه "عبد الحق" .
_ الغراف ألبير بيويو ، و هو فرنسي كان قد اعتنق العقيدة التاوية ( عقيدة صينية قديمة جمعها لاو تسي في كتاب التاو ) و له علاقات وطيدة مع ممثلي هذه العقيدة في الصين ، و قد صار يعرف هناك باسم " ميتغي يوي " أي " عين النهار " . 
_ الفنان السويدي ، إيون غوستاف آغلى ، المسلم المتصوف الذي أخذ التصوف عل يد شيخ الشاذلية المعروف عبد الرحمن عليش ، و صار يعرف باسم " عبد الهادي " . 
لقد كان ألبير بيويو مدخلاً استطاع غينون من خلاله التواصل مع ممثلي عقيدة التاو و الحصول على أسرارها ، أما السويدي " عبد الهادي " فقد كان مرشده في عالم التصوف الإسلامي . ولم يعرف حتى الآن الطريق الذي حصل به غينون على معارفه العميقة و الشاملة للميتافيزيقا الهندوسية ، هذه المعرفة العميقة التي عكستها كتابات غينون التالية " مقدمات عامة في فهم العقائد الهندوسية " "الإنسان و تكونه تبعاً للفيدا " " أوجه الوجود المتعددة " .
لقد كان لتعرف غينون على الشرق و عقائده من خلال الشخصيات التي تم ذكرها دوراً هاماً في القرار الأكثر حسماً في حياة رينيه غينون ، ففي عام 1912 قام غينون باعتناق الإسلام و سلوك طريق التصوف على يد عبد الهادي " إيون غوستاف آغلي " ليصبح معروفا بعد ذلك في عالم التصوف الإسلامي الشاذلي تحت اسم " عبد الواحد يحي " . أن اعتناق غينون للإسلام لم يمنعه من المشاركة في الحياة الفكرية و الروحية لوطنه الأصلي ، بل إنه و بعد اعتناقه للإسلام يقوم بنشر مجموعة من الأبحاث في الدفاع عن الكاثوليكية ، و لن يكون هناك سبب للاستهجان عندما يتضح لنا موقف غينون من الأديان بشكل عام ، لقد كان غينون يرى في الكاثوليكية الخيار الوحيد أمام الغرب الأوروبي لإنقاذ نفسه من ظلمة العالم الحديث المادية ، و كان يحث أتباعه من المسيحيين الكاثوليك لبذل كل الجهود من أجل إحياء أسرار العرفان المسيحي كخطوة ضرورية لإحياء و بعث المسيحية في أوروبا . 
في العام 1927 يسافر غينون إلى الجزائر لتدريس مادة الفلسفة و لترسيخ معارفه في اللغة العربية من ثم ليعود إلى مدينة الأصلية بلوا و يقوم بتدريس الفلسفة هناك ، و في هذه الفترة يقوم غينون بنشر أعماله التالية : " الشرق و الغرب " " أزمة العالم الحديث " " ملك العالم " و " السلطة الزمنية و السلطة الروحية " . 
في الخامس من آذار عام 1930 يغادر غينون فرنسا إلى مصر حيث يبقى هناك إلى حين وفاته في السابع من كانون الثاني 1951 . و خلال هذه الفترة يعيش غينون أو الشيخ عبد الواحد يحي في مصر حياة الصوفي المسلم التقليدية حيث يقضى معظم أوقاته في المسجد مشغولاً بالذكر و العبادة ، إلا أنه مع ذلك يحرص حرصاً شديداً على عدم قطع صلاته مع أوروبا ، ففي هذه الفترة بالذات يكتب غينون بالفرنسية أعماله الأساسية " أوجه الوجود المتعددة " " مملكة الكم و علامات الزمن " " رمزية الصليب " " الثلاثية العظمى " . 
على الرغم من بعد الشيخ عبد الواحد يحي عن أوروبا و رغبته عن الشهرة لصالح الحياة البسيطة التي اختارها ، إلا أن الاتجاه الفكري الذي شقه كان يجد له أتباعاً متحمسين في إطار النخبة الثقافية الأوروبية و خاصة في فرنسا ، و قد صار من أتباعه و تلامذته المباشرين الأكثر شهرة : ميشيل والزان ، فريتوف شون ، توتوس بوكهارت ، ماركو باليًس ، رينية آليار ، أندريه برو و غيرهم . و بشكل مستمر كان تأثير غينون يزداد في الأوساط الأكاديمية فقد تأثر به و بأعماله أسماء مهمة في الوسط الأكاديمي ، نذكر منها مرسيا إلياد و هنري كاربين . أما في أوساط الفن و الأدب فربما يكون اندريه جيد و اندريه بريتون أشهر المتأثرين بأعمال غينون ، لقد قال اندرية جيد بعد قراءته أعمال غينون : " إذا ما كان غينون على حق ، فإن أعمالي و كل حياتي هي شيء بلا معنى "و أضاف في مرة أخرى " لو أني قرأت غينون في فترة الشباب لكنت عشت حياتي بطريقة أخرى " . 
لقد ترجمت أعمال غينون و مؤلفاته إلى كل اللغات الأجنبية الأساسية ، و إنه لمن المؤسف حقاً أن تفتقد المكتبة العربية هذا التراث الفكري الهام ، و لعل ترجمة و نشر كتاب " أزمة العالم الحديث " تكون الخطوة الأولى نحو نشر مؤلفاته و تعريف القارئ العربي على هذا الفرنسي الذي أعلن للعالم أجمع في زمن الهيمنة الحضارية الغربية الحديثة أن الشرق هو النموذج و المثال و هو ملجأ الإنسانية المتبقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه . 
إن الكتاب الذي بين أيدينا " أزمة العالم الحديث " هو واحد من أهم مؤلفات غينون العديدة التي ينتقد فيها الحضارة الغربية الحديثة ، بل إن كلمة نقد تبدو مخففة جداً إذ أنه في هذا العمل يقوم بتهديم الأسس الفكرية للوجود الحديث بأكمله ، فهو يحدد أولاً الوجود الحديث على أنه مرحلة متقدمة جداً من مراحل الانحطاط الوجودي الكوني ، فالإنسانية الحديثة تعيش في عصر الظلام " كالي يوغا " الذي يمثل المرحلة الأخير في الدورة الوجودية و الذي يصل فيه الوجود إلى أبعد نقطة ممكنة عن حالة الكمال الأولى . هذا هو مدخل غينون لتقيم العالم الحديث و هو مدخل يصدم مباشرة زهو و غرور الحضارة الحديثة التي و ضعت نفسها في أعلى و أرفع درجة في سلم الحضارات الإنسانية ، بل أنها لا تتوانى عن اعتبار كافة الحضارات السابقة لها مراحل في طريق الوصول إليها .
يتركز اهتمام غينون في هذا العمل على المنطلقات الفكرية للحداثة ، فهو يتعرض للفردية و العقلانية و التقدمية و غيرها من الثوابت الفكرية الحديثة ، كما يعقد مقارنة بين العلوم الحديثة الدنيوية و العلوم التقليدية ، و يوضح حقيقة التقابل فيما بين الشرق و الغرب . لكن و بالرغم من ذلك فإننا لا نستطيع أن نتلمس عمق التناقض فيما بين الفكر التقليدي و الحداثة إلا من خلال تعرفنا على المنظومة الفكرية التقليدية كاملة كما شيد غينون صرحها النظري في العصر الحديث ، لذلك فإننا نرى أن أفضل تقديم يخدم قارئ هذا الكتاب هو تقديم عرض مختصر لآراء غينون التي صارت تعرف باسم التقليدية التكاملية . 
----------------

1. التقليدية التكاملية و العصر الحديث 
هل عناك علاقة ما بين التقليدية التكاملية و الحداثة ؟
إن العلاقة الوحيدة التي تربط فيما بينهم هي علاقة النقيض بنقيضه ، فالفكر التقليدي هو النقيض الشمولي لكل ما هو حديث وهو يدعو للعودة إلى قيم الحضارة التقليدية المقدسة التي يشكل العالم الحديث نفيها و نقيضها ، و هذه إحدى الأسباب التي تجعل من هذا الفكر فكراً نخبوياً لا يتقبله في عصرنا إلا القلة القليلة التي تؤهلها فطرتها السليمة لأن تعايش بشكل يومي آلام الخواء الروحي و جحيم الغربة الإنسانية في زمن الابتذال المادي و قيم السوق و ثقافة الجنس ، في زمن تقدم فيه المزيف إلى الصفوف الأولى و تراجع الحقيقي إلى ما وراء الأفق ، في زمن قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "سنينه خداعه، يتهم فيه الأمين ويؤتمن فيه المتهم و ينطق فيه الرويبضه"(2)، و هو السفيه يتحدث في أمور العامة ، و ما أكثر سفهاء و جهلاء هذا الزمن الذين يتحدثون و يقررون في شؤون الفكر و المجتمع . 
و لكن قبل أن نتحدث عن موقف الفكر التقليدي من العالم الحديث ، علينا أن نبدأ بتوضيح معنى التقليدية التكاملية .
إن التقليدية كما قدمها غينون هي مجموع المعارف الإلهية التي قامت على أساسها كل الحضارات بدأ من حضارة العصر الذهبي الأولى وصولاً إلى حضارات العصور الوسطى سواء منها المسيحية أو الإسلامية أو البوذية أو الكونفوشوسية . إنها القانون الإلهي الكلي و الشمولي الذي تنتظم في إطاره جوانب الحياة المتعددة من ديانات و علوم ومعارف و منظومات قيم و أشكال وجود وأنماط حياة، بل إنه القانون الذي يتجاوز الوجود الإنساني الأرضي ليشمل الوجود الكوني ، إذ لا وجود لأي شيء خارج الحقيقة الإلهية ، و التقليد هو المعطى الوجودي الذي ينبثق عن هذه الحقيقة . 
إن الوجود الكوني بأكمله يبدأ من الحقيقة الواحدة الأولى التي ينتظم الوجود بعدها في نظام تراتبي تخضع فيه مستويات الوجود المختلفة بحقائقها الفرعية إلى الحقيقة الأولى و تستمد منها وجودها ، و بمقدار ابتعادنا في هذا النظام التراتبي عن نقطة المركز ننحدر مبتعدين عن الحقيقة وصولاً إلى الدرك الأسفل من الوجود حيث الفوضى والضياع و الزيف القائمين في أسفل الوجود دون أن يشكل هذا الزيف قطباً موازياً للحقيقة المطلقة .
و لا يختلف الحال في الوجود الأرضي الإنساني عما هو عليه الحال في الوجود الكوني ، ذلك لأن الوجود الإنساني لا يشكل مجرد إضافة كمية لهذا الوجود الكوني الشاسع ، إنما هو نموذج مصغر للوجود يختزل في هيكليته هيكل الوجود العام ، حيث الحقيقة الأولى التي ينتظم حولها الوجود الإنساني، هي الحقيقة التقليدية البدئية الأولى التي تمثل مجموع حقائق الوجود الإنساني الثابتة الغير خاضعة للزمان أو المكان و التي تشتمل على كل ما تتضمنه دورة الحياة الإنسانية من منظومات دينية أو فكرية أو أحداثاً تاريخية أو غيرها ، مع بقاء هذه الحقيقة الأولى على مستوى الجوهر في حالة من الثبات و عدم التغير ، على الرغم من تحققها على مستوى الصيرورة و الظهور في التاريخ تدريجياً و على مراحل .
أما المستوى الثاني من حقائق الوجود الإنساني التطبيقية و التي تتبدى عبر الزمان و المكان ، فتمثل مجموع النظم العقائدية و الدينية الأصيلة التي و إن بدت متباينة و مختلفة في ظاهرها فهي في الباطن تقود إلى ذات الغايات و الأهداف إذا ما تمثلناها حتى النهاية . و هذا هو معنى التكاملية الذي استطاع غينون بفضل معارفه الموسوعية و العميقة للأديان و العقائد و المنظومات الفكرية التقليدية الحية منها و الميتة ، و من خلال تحليله للرموز و الأساطير المختلفة لدى الشعوب ، أن يظهره معلناً وحدة الحقيقة التقليدية و تكاملها في هذه المنظومات المختلفة على مستوى الظاهر ، و أننا نستطيع أن نجد بقايا هذه الحقيقة في التعاليم التقليدية لأي حضارة من الحضارات أو أي شعب من الشعوب ، لقد قام بذلك دون أن يَظهر في أعماله _ على الرغم من إسلامه _كممثل أو مدافع عن أي دين من الأديان دون الأخر ، بل كان دائماً يتحدث باسم الحقيقة التقليدية بلغاتها المختلفة الإسلامية و اليهودية و المسيحية و بلغة تعاليم التاو المقدسة . 
إن حقائق المستوى الثاني هي صورة عن الحقيقة و ليست الحقيقة ذاتها ، إلا إن ذلك لا يعني على الإطلاق إلغاءً للأديان أو تقليلاً مما تمثله من حقيقة ، و هذا ما كان غينون يؤكد عليه في كل مناسبة ، على عكس ما كانت تدعو إليه تيارات الروحانية الكاريكاتورية و المزيفة التي ألغت الأديان لتقر عوضاً عنها مزيجاً عجيباً من الأفكار المأخوذة من ديانات شتى و طقوس وثنية مريبة و تقدمها على أساس أنها الحقيقة التقليدية الأولى . إن الوعي التقليدي الحقيقي لا يكتمل في الإنسان إلا بالتزامه بكافة تعاليم الدين الذي ينتمي إليه ، فكما أنه على المسيحي أن يقر بأن الكنيسة هي المرجعية الأساسية لحل و تقرير كافة شؤون البناء الاجتماعي ، يترتب على المسلم أن ينصاع لكافة أوامر و نواهي الشريعة .
إن قوانين الظاهر هي القوانين التي تنظم العلاقات في إطار الحضارة التقليدية و هي تتوجه إلى جميع أفراد هذه الحضارة ، في حين تبقى الحقيقة التقليدية الأولى مصانة في إطار النخبة التي تستطيع أن تصل إليها . و في نفس الوقت فإن الوصول إليها غير ممكن إلا عبر حقائق و قواعد الظاهر.
إن حقائق المستوى الثاني و إن كانت نماذج تطبيقية عبر التاريخ للحقيقة التقليدية الأولى إلا أنها لا تمتلك ذات الثبات و الديمومة إنما هي قابلة للتغير و الفساد ، بل إنها و هي في أبهى و أنصع صورها حجاب يحجز عن رؤية الحقيقة الأولى إذا ما صارت شكلاً و حرفاً دون روح ، عندها تنقطع روابطها مع حقيقتها و تمتلئ بمضامين مزورة و مزيفة ، و تنضم إلى المستوى الثالث من مستويات الوجود الذي يتبدى تاريخياً عبر الانتقال إلى عالم معادي تماماً للحقيقة التقليدية يرفضها و يحاربها بشتى الوسائل ، في هذه الحالة يصبح الوجود الإنساني وجوداً محاطاً بالزيف و التضليل و الحقائق المعكوسة و القيم المقلوبة و المفاهيم المغلوطة ، عندها يتحقق عالم الكم و حضارة المادة و تشيّد ممالك الوهم و الكذب ، مملكة المسيح الدجال ، و الدجال هو الكذاب الذي يعبر اسمه عن مضمون مملكته .
إن تراتبية الوجود الإنساني تتبدى عبر هذه الثلاثية : 
الحقيقة الأولى _ تمثلها الحقيقة التقليدية البدئية 
حقائق المستوى الثاني _ تمثله التعاليم الدينية و الأنظمة التقليدية المختلفة 
و في المستوى الثالث مستوى نفي الحقيقة _ فتمثله الحضارة الحديثة المعادية و المناقضة بكافة المقاييس للحضارة التقليدية و لكل ما هو مقدس و روحي. 
لذلك فإن الفكر التقليدي لا يخفي عداءه الكامل و الشامل و الصريح للحضارة الحديثة ، هذا العداء الذي يتجاوز الانتقادات السطحية التي تعبر عنها بعض تيارات الفكر الحديث، إنه عداء عضوي بنيوي ، لأن التقليد هو الطرف النقيض و المعاكس لكل ما هو حديث . و هو يعبر عن عدائه هذا بالانحياز المطلق إلى صف التعاليم الدينية المختلفة ، لأن هذه التعاليم هي الملجأ الوحيد لأفراد المجتمع الإنساني للخلاص من حضارة الزيف و الكذب و الخداع التي سيكون مآلها و محطتها النهائية هي تتويج سيد مملكة الكذب و الخداع و الحقائق المغلوطة و المفاهيم المقلوبة _ المسيح الدجال _ ملكاً عليها .
إن إقرار التقليدية التكاملية للحقيقة التقليدية حقيقة شمولية أولى لا ينفي ، كما أشرنا ، إقرارها للديانات المختلفة ، و كذلك فإن إقرارها لوحدة هذه الديانات على مستوى الجوهر و على مستوى المصدر و تكاملها في التعبير عن الحقيقة التقليدية الأولى لا يلغي حقيقة أنه على كل إنسان يحمل فكراً تقليدياً أن يلتزم التزاما تاماً بإحدى هذه العقائد الدينية ، و قد أعطى غينون مثالاً لذلك بنفسه من خلال اعتناقه للإسلام . لكن اعتناق أي من الديانات الصحيحة يجب أن لا يقود إلى الجمود العقائدي و الغرق في الجزئيات التي تمثل حقائق ظاهرية نسبية و منقوصة ، إنما يجب أن يدفعنا للتقدم دائماً و عبر النظام العقدي و الشعائري الخاص قدماً نحو الأمام ، نحو الحقائق الباطنية التي تشكل صلة الوصل ما بين المنظومة التقليدية المحددة تاريخياً و الحقيقة التقليدية الأولى . 
-------------------

2. الباطن و الظاهر في المنظومة التقليدية 
لقد أكد غينون على انقسام التعاليم التقليدية إلى تعاليم ظاهرة و أخرى باطنة، حيث يأخذ هذا الانقسام أشكالاً مختلفة في المنظومات التقليدية المختلفة، و هو بهذا يؤكد حقيقة معروفة في التراث الصوفي العالمي ، و لكنه يشير بشكل متفرق في كتاباته إلى مجموعة من القضايا المتعلقة بهذه المسألة ارتباطاً بالواقع الحديث ، و بشكل عام يمكن أن نلخص موقف غينون من هذه المسألة على الشكل التالي : 
1_ إن الحقيقة الباطنية تشكل جزءً عضوياً مكوناً في أي منظومة تقليدية ، و هذه الحقيقة مرتبطة ارتباطا وثيقاً بالكشف الإلهي الذي ينقل موضوعات الاعتقاد من مستوى الإيمان إلى مستوى المعرفة المباشرة ، إنها صلة الوصل فيما بين التعاليم الظاهرة و مبدئها الماورائي ، و إن انقطاع هذه الصلة يقود حتماً إلى تشويه و تزوير تعاليم الظاهر ذاتها و انحطاط المنظومة التقليدية بأكملها . 
2_ إن التعاليم الباطنية لمختلف الأديان قريبة من بعضها إلى أبعد الحدود ، و هذه حقيقة لا يغيرها كل الجدل و النزاع التاريخي في ما بين ممثلي الوجه الظاهري للديانات المختلفة ، و غينون يدعو الباحثين عن الحقيقة لعدم الالتفات إلى هذا الجدل العقيم و تركه لعلماء الظاهر . 
3_ إن الإقرار بالحقيقة الباطنية لا يعني إهمال و تجاهل التعاليم الظاهرية لأي دين من الأديان لأن هناك ترابطاً و تكاملاً في ما بين الباطن و الظاهر ، و من جهة أخرى فإن وحدة الحقيقة الباطنية في الأديان المختلفة لا تعفي من ضرورة اعتناق دين من الأديان الصحيحة .
4_ يرى غينون أن الحقيقة الباطنية تتعرض في العصر الحديث إلى هجوم من اتجاهين مختلفين ، فهي من جهة أولى تتعرض للتشويه و التزوير من قبل تيارات و جماعات أجملها غينون تحت اسم " الروحانية الجديدة " هذه الجماعات التي تستغل التسمية لنشر و تعميم تعاليم معادية أصلاً للفكر التقليدي و قد توقف غينون بإسهاب أمام الدور الخطير المعد لهذه الجماعات لتلعبه في العصر الحديث . و نستطيع أن نحدد من خلال كتابات غينون الجهات التي تمتلك تعاليم باطنية أصيلة و صحيحة على الشكل التالي : في الإسلام _ التصوف ، وفي اليهودية _ القابالا ، و في الكاثوليكية _ الهرمسية المسيحية و بعض جمعيات الفرسان التي أسست في القرون الوسطى ، و لغينون وجهة نظر خاصة بالمسيحية فهو يرى أن المسيحية أصلاً هي تعاليم باطنية محضة ، و لذلك قامت بتمثل بعض الشرائع و الطقوس الهيلينية عندما تحولت إلى دين رسمي في أوروبا . أما في الصين فإن التعاليم الباطنية مجموعة في عقيدة التاو، و في الهندوسية البرهمانية و اليوغا الروحية . 
أما الجهة الأخرى التي تتعرض الحقيقة الباطنية للهجوم من قبلها في العصر الحديث فهي ممثلي المؤسسات التقليدية الظاهرية ، و هذا ينطبق على كل مؤسسات الحقيقة الباطنية التي تم ذكرها . إن العلاقة الطبيعية التي يجب أن تقوم و التي كانت دائماً قائمة فيما بين ممثلي الظاهر و الباطن هي الاعتراف المتبادل و لم يكن من المستهجن أن نرى ممثلي الحقيقة الباطنة يحوزون على التقدير و التبجيل الأكبر . أن غينون يرى في ظاهرة العداء هذه إحدى علامات هيمنة الروح المعادية للتقليد في العصر الحديث .
لقد كان غينون يؤكد دائماً على أن العودة إلى الحقيقة التقليدية و إلى الحضارة التقليدية يتطلب قبل كل شيء بناء النخبة التي تحمل الوعي التقليدي الأصيل ، و أن هذا البناء يتحقق من خلال التجربة الباطنية الصوفية التي تنقل الإنسان من حالة النقص إلى حالة الكمال ، و من المعارف النسبية إلى المعارف الكلية، من مستوى الحقيقة الثانية إلى مستوى الحقيقة الأولى. لقد رسم غينون في مؤلفاته الطريق الذي يجب أن يسلكه الغرب لتكوين النخبة التقليدية في عالم الزيف المعاصر ، إنه طريق الانتقال من الحداثة إلى النماذج التقليدية للوصول إلى الحقيقي و الخالد و البدئي و قد أكد غينون أن ممثلي الشرق على استعداد دائم لمد يد العون لكل الغربيين الراغبين في الوصول إلى الحقيقة.
على هذه النخبة أن لا تكتفي بالعودة إلى القديم و ألا تقنع أو تسعى لتحقيق منظومات تاريخية ماضية ، إنما عليها أن تسير عبر الماضي و عبر الأديان ذاتها للوصول إلى الحقيقة الأولى مصدر الحقائق كلها ، و يتغنى غينون في كتابه " مملكة الكم و علامات الزمن بقول ابن عربي : 
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان و دير لرهبـان 
و بيت لأوثان و كعبة طائف و ألواح توراة و مصحف قرآن 
أودين بدين الحب أنى توجهت ركائبـه فالحب ديـني و إيماني 
وإذا كان لهذا السعي مبرراته المعرفية في الزمن الماضي فإنه في الزمن الحديث يكتسب إضافة إلى المبررات النظرية مبررات عملية فنحن في زمن النهايات و في عصر الظلام ( كالي يوغا ) حيث تحتشد قوى النور و الظلام ، الحقيقة و الخداع للمعركة النهائية الفاصلة ، هذا ما تؤكد عليه كل التعاليم التقليدية و كل الديانات ، و هذا ما تشير إليه التطورات التاريخية في عصرنا الحديث ، إذ لم يكد ينتهي القرن العشرين حتى أعلن الغرب من خلال مقالة صمويل هنتينغتون الشهيرة " صراع الحضارات Clash of civilizations " عن عزمه للدخول في المعركة النهائية مع ممثلي الحضارات التقليدية تحت شعار " الغرب ضد كل ما تبقى The west against the rest " . لقد كان غينون قد تلمس أن اقتراب ساعة المواجهة النهائية و الحاسمة يتطلب تشكيل النخبة التقليدية التي تستطيع أن ترفع الشعار الوحيد الممكن للمواجهة و الذي هو " الكل ضد حضارة الغرب The rest against the west " حضارة أوهام المادة و مادية السوق و قانون العرض و الطلب . 
إن هذه المعركة قادمة لا محالة و إن النصر فيها سيكون إلى جانب الحقيقة و التقليد ، لكن الإرادة الإلهية شاءت أن لا يتحقق ذلك إلا بعد أن يصل الزيف و التضليل إلى أقصى مدى ممكن له ، عندها تدق ساعة الفصل و يكون الانقلاب الكوني الرهيب . 
--------------------

3. النظرية الدورية و فلسفة التاريخ التقليدية 
تحتل النظرية الدورية مكانةً أساسية في المنظومة الفكرية لغينون ، إذ إنها تمثل إحدى أهم الخلفيات النظرية لما كتبه عن الميتافيزيقا و التاريخ و الحضارة سواء في كتبه التي عرض فيها الميتافيزيقا الهندوسية أو في مؤلفاته الأخرى ، و لذلك فإن استيعاب غينون و مؤلفاته يتطلب دراية و معرفة جيدة بهذه النظرية . 
إن لجوء غينون إلى الميتافيزيقا الهندوسية و مصطلحاتها لا يحمل إلا دلالة واحدة هي ما أشرنا إليه من تكاملية الفكر التقليدي ، ذلك لأن الميتافيزيقا الحقيقية ليست مسيحية أو إسلامية أو صينية أو هندوسية أو غيرها ، إنها واحدة بوحدة مصدرها، و لكنها تعرض و تقدم في أشكال مختلفة في الأنماط التقليدية التاريخية كأوجه مختلفة للحقيقة الواحدة إلا أن بعض الموضوعات تكون معروضة في إحدى الأنماط التقليدية بشكل مفصل أكثر مما هي معروضة في غيرها ، فعل سبيل المثال تمتاز التقاليد الإبراهيمية " اليهودية و المسيحية و الإسلام " بغلبة البعد القياميّ على تعاليمها الميتافيزيقية ذلك أنها بالمعنى التاريخي ديانات نهاية الزمن و نهاية الدورة الكونية و هذا واضح في الإسلام، أن ولادة الإسلام و رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم بحد ذاتها هي من علامات الساعة. في حين أن الهندوسية مثلاً تحتوى على تعاليم أكثر تفصيلية حول الوجود و مراتبه و علائقه ، إن هذا التنوع و الخصوصية لا تعني انتقاصاً من قدرة هذه التقاليد عل تقديم الحقيقة الميتافيزيقية في الصيغة الظاهرة و نقل معتنقيها من خلال التجربة الصوفية الباطنية للتواصل المباشر مع هذه الحقيقة ، بل أن هذه الديانات وخاصة الإسلام منها بحكم خاتميته يمتاز بشمولية ميتافيزيقية واسعة .
يعرف غينون الدورة في كتاب " الصيغ التقليدية و الدورات الكونية "(3) فيقول : " إن مصطلح الدورة في معناه الأكثر عمومية يشير إلى عملية التطور لمستوى كامل من مستويات الصيرورة و الظهور الكوني العام، أما إذا ما أردنا الحديث عن دورة صغرى _ فهي تشير إلى عملية التطور لإحدى الأنساق الصغرى المحددة في الإطار الكلي للظهور العام .
إن مفهوم الدورة لا يقتصر على حركة الإنسان عبر التاريخ فحسب، بل إن الإنسان و الزمان و المكان يندرجان معاً في إطار الحركة و التغير الدوري، مما يجعل مقولتي المكان و الزمان مقولتان
نوعيتان لا كميتان ، إن الدورة بمعناها العام هي شكل خاص لانتقال الوجود من القوة إلى الفعل و من الكمون إلى الظهور عبر التحقق في الواقع تدريجياً و بدون انقطاع ، و الدورة كنموذج انطولوجي ينسحب على شكلين من أشكال الوجود ينطبق عليهما مبدأ الامتداد ، هما عالم الوجود الكثيف (بيهور) و عالم الوجود اللطيف (بيهوواز) و كلا هذين العالمين يمثلان عالم الصيرورة و التحقق ، عالم الكون و الفساد . و عالم الوجود اللطيف (بيهوواز) هو العالم الذي يقابل في اليهودية و المسيحية و الإسلام مستوى الوجود النفسي ، الذي يجب أن نميزه عن (بودهي) عالم الأرواح الذي مقره في السماء ( سوار ) و الذي لا ينسحب علية و على ما يليه من العوالم العليا شكل الوجود الدوري ، لأنه خارج عالم الامتداد ، عالم الكون و الفساد . 
إن عامل الامتداد يتبدى في الوجود الكثيف عبر المكان و الزمان ، في حين أن الوجود اللطيف لا تنطبق عليه مقولة المكان أو أي شيء شبيه بها ، و لا مقولة الزمان كذلك ، إلا أنه يمتلك ما هو قريب من مفهوم الزمان و هو ما يمكن أن نسميه " مدة ". فالمدة هي الشكل الوجودي لهذا العالم .
إن المدة كشكل لوجود العالم اللطيف هو المحتوى النوعي للزمان الأرضي و جوهره الخفي، كما يقول غينون، و لهذا يمكن النظر إلى التطورات الدورية للعالم على أنها صورة لظهور و تحقق العالم اللطيف في العالم الكثيف . 
إن العالم اللطيف (بيهوواز) كمجال للقوى الحياتية الكامنة يمكن أن ينظر له على أنه الدرب الممتد بين أكثر أشكال و مستويات الظهور انقساماً كمياً ، و أعلى مستويات الظهور بعداً عن الكم و المادة ، أي سماء الروح (سوار) ، لهذا فإنه يمثل عالم الاضطراب و النزوع الدائم ، عالم المد و الجزر ، فهو مؤهل لأن يرتفع و يسمو إلى أعلى مستويات الروح ، أو أن ينحدر إلى أسفل مستويات الظهور المادي . 
إن الدورة الكونية الأكبر تسمي في الهندوسية (كالبا) و هذه الكلمة تعني النظام و تمثل على مستوى الظهور، وحدة الظهور الكبرى التي يرمز لها عادة بالشكل الدائري ، الذي يشير غالباً إلى الشمس و بالتالي الدورة الشمسية المغلقة التي تنطبق بدايتها على نهايتها و تحمل (الكالبا) الاسم الرمزي (برادجا باتا) الذي يعني في السنسكريتية " الذي ولد منه كل شيء " .
و عندما يرمز للدورة الكونية بنصف دائرة _ أي الرمز الهلالي القمري _ فإن هذا الرمز يشير إلى معنيين ، الأول هو سمة الدورة كانعكاس على مستوى الظهور للعالم اللطيف، و الثاني إلى مكونات الكالبا، فنصف الدائرة هو حاصل تقسيم الدورة القمرية التي تتألف من 28 يوماً على 2 نحصل بنتيجتها على 14 دورة داخلية في إطار الكالبا ، و يطلق على كل واحدة منها ( مانفانتار ) .
و إذا ما كانت الكالبا بأكملها هي ( برادجا باتا ) فإن كل واحدة من ( المانفانتار ) هي (مانو) و هذه الكلمة تعني حرفياً الإنسان ابن البرادجا باتا أو صورته و هيئته، و المانفانتار هي فترة إدارة و تدبير مانو واحد يتلوه غيره بانتهاء المانفانتار . و هكذا فإن المانفانتار هي عصر مانو واحد يتلوه آخر إلى أن يصل العدد إلى أربعة عشرة مانو لأربعة عشرة مانفانتار ، و هذه الأربعة عشرة تنقسم إلى مجموعتين سباعيتين تضم الأولى منها المانفانتارات الماضية و هذه التي نحن فيها و هي السابعة ، أما الثانية فتضم منفانتنارات المستقبل السبعة . 
إن مانو هو الوجود اللطيف للمانفانتار ، إنه روحها و حياتها و معناها ، حيث تكتسب هذه الدورة صفاتها و خصوصيتها من خصوصية مانو الذي يمنح من خلال وجوده اللازماني وقلبه الخالد الحياة و الروحانية ، إن مانو يمثل في الوعي التقليدي الإنسان الأول و الإنسان الأكمل، و يجب التمييز هنا ما بين الإنسان الأول التاريخي و مانو الذي هو الإنسان الأول الماوراء تاريخي . إن مانو هو صورة محضة ينشأ على هيئتها الإنسان التاريخي الأول ليبدأ دورة حياتية بشكل مستقل ظاهرياً إلا أن هذا الاستقلال يبقى محكوماً لضرورات انتقال الواقع من الإمكان إلى الوجود الفعلي بما يرافق هذه العملية من فقدان التشبه بالصورة المحضة، إن حركة الإنسانية التاريخية في داخل المحيط الدائري للوجود الدوري تفترض انقساماً و تنامياً كمياً مترافقاً مع اضمحلال و تراجع نوعي يصل إلى نهاياته القصوى بنهاية الدورة الوجودية، عندها تنتهي إنسانية تاريخية قديمة لتحل محلها إنسانية جديدة هي بداية فترة المانو التالي . 
كذلك فإن المانفانتار تخضع لانقسامات داخلية فكل مانفانتار ينقسم إلى أربعة دورات تدعى كل واحدة منها ( يوغا ) و هي في التعاليم اليونانية مطابقة للقرون أو العهود الأربعة التي ذكرها هزيود و تناقلها العديد من بعده بما فيهم أفلاطون، و هي العهد الذهبي و العهد الفضي و العهد البرونزي و العهد الحديدي ، فهناك أولا ( كريتا يوغا ، أو ساتيا يوغا ) و هي تعني قرن الخلق أو قرن الكون ، يقابله في التعاليم اليونانية القرن الذهبي أو العهد الذهبي، يليها مباشرة ( تريتا يوغا ) والذي يعني يوغا الأجزاء الثلاث، يقابله العهد الفضي، و من ثم ( دوابرا يوغا ) أي يوغا ثنائي الأجزاء يقابله العهد البرونزي، و أخيراً ( كالي يوغا ) أي العهد المظلم و يقابله العهد الحديدي الذي تختتم به دورة المانفانتار و ينتهي عهد مانو قديم ليبدأ عصر ذهبي لمانفانتار جديدة، يتخلل هذا الانتقال لحظة توازن ينكشف فيها مبدأ الوجود المركزي للكالبا بأكملها و الذي هو (البرادجا باتا) هذا الانكشاف الذي ينطبع في المانو الجديد.
إن الانتقال من عهد إلى عهد يمثل حركة تراجعية بالمعني النوعي ينتقل فيها الوجود الكوني و التاريخي للإنسان من النوع إلى الكم و من الصورة إلى المادة و من الجوهر إلى المظهر ، باختصار من الأرقى إلى الأدنى و هذا يتناقض كلياً مع النظرة التقدمية التي يقرها الفكر الحديث ، كما يترافق هذا التراجع مع تناقص المدة الزمنية لكل عهد من العهود ، فإذا ما افترضنا أن المدة الكاملة للمانفانتار هي عشرة وحدات زمنية : كانت مدة الكريتا يوغا أربعة وحدات ، و التريتا يوغا ثلاث وحدات ، و الدوابرا يوغا وحدتين ، و الكالي يوغا وحدة زمنية واحدة أى أن التناسب الزمني للمانفانتار يساوي تناسب الأرقام 4 + 3 + 2 + 1 = 10، و رقم عشرة يرمز لاكتمال الدورة والعودة إلى المفردة الواحدة . 
إن الدورة كشكل وجودي لا يقتصر كما أشرنا على الوجود الإنساني ، بل هو يمتد ليشمل الوجود الكوني بأكمله ، فالدورة هي الشكل الوجودي لعالم الظهور (عالم الشهادة) الذي هو الوجه الظاهر للمبدأ الأول الذي يسمى في الهندوسية (فايشوا نار) المتمثل في ( البرادجا باتا) الذي هو المحتوى الأعمق للدورة الوجودية، و بالتالي لا بد من وجود علاقة فيما بين الفضاء الكوني و حركته و حركة الوجود الإنساني، إلا أنه يجب التنويه هنا إلى أن هذه العلاقة لا تعني تبعية الوجود الإنساني لحركة الأجسام الفضائية، كما تطرح بعض اتجاهات الأسترالوجيا المبتذلة، و لا تبعية الفضاء للوجود الإنساني، إن حدود العلاقة فيما بين عالم الإنسان " الكون الصغير " و الفضاء الكوني " الكون الكبير " هي أن كلاهما تحقيق للمبدأ الواحد الأول المتحقق تدريجياً في الدورة الكونية. على ضوء هذه الموازاة فإنه يمكننا الحديث عن تزامن ما فيما بين الأحداث على مستويي العالم الكثيف، على أساس هذا التزامن و استناداً إلى معطيات أخرى تقدمها التعاليم التقليدية قام رينية غينون بتحديد المدة الزمنية للمانفانتار الواحدة على أنها تساوي 64800 عام حيث يحتل العصر الذهبي (كريتا يوغا) 25920 ، و العصر الفضي ( تريتا يوغا ) 19440 ، و العصر البرونزي ( دوابر يوغا ) 12960 ، و العصر الحديدي ( كالي يوغا ) 6480 ، تبقى القضية المتعلقة بالتاريخ الدقيق لبداية و نهاية كل عصر من العصور أو لعصرنا الحالي عصر النهاية و عصر الظلام ( كالي يوغا ) طي الكتمان و سراً من الأسرار الكبرى، إلا أن المؤكد و الذي تشير إلية كل التعاليم التقليدية هو أننا في المرحلة الأخيرة من الدورة الكونية، و قد أضاف غينون أننا نعيش الساعات الأخيرة المتبقية من هذه المرحلة ، و لم يعد يفصلنا عن نهاية الزمان ، الذي يشير إليه غينون في الجملة الأخيرة من كتابه " مملكة الكم و علامات الزمن " إلى أنه " لن يكون شيئاً آخر سوى نهاية وهم من الأوهام ". 
بقي أن نشير إلى أن الدورة الكونية و إن كانت معروضة بأوضح صورها في الهندوسية، إلا أن ذلك لا يعني أنها بعيدة كل البعد عن التقاليد الأخرى، و قد اعتاد غينون أن يشير في كل مؤلفاته إشارات غاية في الأهمية تؤكد عموم المفاهيم التقليدية على كل النظم التقليدية، و هو يوضح ذلك نسبة للنظام الدوري من خلال النص التالي الوارد في كتاب " الصيغ التقليدية و الدورات الكونية " فيقول : " لا بد هنا من النظر في تطابقات أخرى ، مثلاً التطابق فيما بين "المانفانتارات" السبع و مفهوم "الدويبا" أو " الأقاليم " السبع التي تنقسم إليها الأرض تبعاً للعقيدة الهندوسية. بالرغم من النظر إلى " الدويبا " على اعتبار أنها جزر أو قارات ممتدة في أماكن عدة ( إن كلمة "دويبا "ذاتها تعني في السنسكريتيه جزيرة ) يجب أن لا نفهم هذا الكلام حرفياً و نفسر "الدويبا" على أنها القارات المختلفة على كوكبنا ، لأن " الدويبا " تظهر واحدة تلو الأخرى و بالتتابع لا في وقت واحد، و هذا يعني أنه على امتداد كل دورة كاملة نتعامل مع " الدويبا " ذاتها ، و إذا ما اعتبرنا أن هذه الدورة هي " المانفانتار " ، تكون النتيجة أن " الدويبا " الواحدة تظهر مرتين على مدار " الكالبا " بأكملها، أي مرة في كل مجموعة من مجموعتي " المانفانتار " السباعيتين. و استناداً إلى علاقة هاتين المجموعتين ببعضهما _ و هما مرتبطتين ببعضهما بشكل عكسي ، كما هو الوضع دائماً في هذه الحالات و كما يتضح أيضاً من خلال " السوارغا " و " الباتالا "(4) يمكن أن نصل إلى نتيجة مفادها أن تتابع ظهور " الدويبا " في المجموعة السباعية الثانية " للمانفانتار " يجب أن يكون عكسياً نسبة إلى نظام ظهورهم في المجموعة الأولى . و بشكل عام فإن الحديث هنا هو حول الأوضاع المختلفة للعالم الأرضي بشكل عام لا عن أقاليم جغرافية.
إن " دجامبو – دويبا " تمثل الأرض في حالة التحقق الفعلي و يقال أنها تمتد إلى الجنوب من جبل " ميرو " و هذا الجبل هو نقطة المحور الذي تدور أرضنا حوله، و لكن بما أن جبل " ميرو " يتطابق على المستوى الرمزي مع القطب الشمالي، فإن الأرض بأكملها تمتد إلى الجنوب منه. و لكي يتم شرح هذا الموضوع بشكل كامل يجب علينا أن نستعرض التصورات المتعلقة برمزية اتجاهات المكان السبعة _ لأن تقسيم " الدويبا " في " المانفانتار " يتم استناداً إليها _ و كذلك إظهار العلاقة بين رمزية الزمان و رمزية المكان و التي تبنى عليها عقيدة القانون الدوري، لكن لاستحالة استعراض كل هذه الأفكار في مقالة واحدة _ فذلك يتطلب تأليف كتاب خاص _ نقتصر على إشارات عامة، أما أولئك الذين يمتلكون بعض المعارف في هذا المجال فإنهم قادرون على استكمالها بسهولة . 
إن التأويل الذي قدمناه لمصطلح " الدويبا " السبع ، أي الجزر السبع ، يتأكد بتطابقه مع معطيات تقاليد أخرى حيث يتم الحديث عن " الأراضي السبعة " و بشكل خاص

 

 

25-04-2005 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=362