/

 

 

عن الأصول المنطقية الحديثة للحوار

رشيد الراضي

تمهيد
ساهمت مختلف الثقافات في مسألة الحوار بتأمل هذا النشاط وتقليب النظر فيه لفهم حقيقته وتقعيده بصورة تجعله مفيدا ومثمراً، وخصوصا الثقافتين اليونانية والإسلامية؛ فقد أبدع اليونانيون في التنظير لفنون الجدل والخطابة، فدرسوا هذه المباحث إلى جانب المباحث القياسية البرهانية وتناولوها من جهة الوصف فكان عملهم استقصاء بارعا لأوجه استثمار الملكة الخطابية والجدلية في تداول المعرفة، كما تناولوها من جهة التقويم فأبدعوا في إحصاء صور الخروج عن المظاهر السوية لهذا النشاط، فتركوا للبشرية تراثا من النظريات المتفردة. كما تميز المسلمون بعنايتهم الفائقة بهذا الموضوع حتى صارت مباحث المناظرة والمباحثة من الفنون التي تحتل موقعا متميزا ضمن العلوم الإسلامية، فبرزت مدارس مختلفة في هذا الفن، وضعت مبادئ وقواعد في ضبط ممارسته تستهدي بعدة منطقية غاية في الإحكام، وسنَّت آدابا وأصولا تعصم كل من درج في سلكه عن السقوط في بعض الآفات التي تنال من قيمته وتقلل من إنتاجيته، فكانت المناظرات التي أبدعها المسلمون نماذج باهرة للحوار العاقل والمتأدب، أصبحت معينا تنهل منه أجيال العلماء والباحثين على مدار القرون، وتوجه بقواعدها المنهجية وقيمها الخلقية كل الراغبين في جعل الحوار أرضية تقوم عليها علاقة تشارك بين الأفراد والجماعات بدل الخضوع لنوازع الإكراه والإقصاء والعنف. 
في العقود الأخيرة تزايد الاهتمام بالحوار كانعكاس لجملة من التحولات التي ميزت القرن العشرين، وعلى رأسها الثورة التواصلية التي أصبحت تمثل سمة المجتمع الحديث. وكمواكبة لذلك أصبح العلماء يولون أهمية خاصة لهذه الظاهرة، وتُرجم ذلك حديثا في أعمال البحث والدراسة التي تتخذ الحوار موضوعا لها، تعالج قضاياه المختلفة، وتستشكل مسائله العويصة. ويوجد في طليعة المهتمين بهذا المبحث الفلاسفة والمناطقة وعلماء اللغة الذين جعلوا منه حقلا لدراسة علمية لها مباحثها المعلومة، وأدواتها ومناهجها المضبوطة، وكم لا بأس به من النتائج التي تحظى بتقدير النظار في هذا الشأن. وقد حدد هؤلاء الدارسون هدفهم من دراسة الحوار في العمل على تطويره وتجويده والارتقاء به في سلم العاقلية، وتخليصه من مظاهر العبث والممارسة العفوية الارتجالية المشوبة بالكثير من الانحراف عن المعايير النموذجية للحوار العاقل.
مقالنا هذا محاولة لتقريب بعض التصورات الحديثة حول قضية "الحوار"، نستقيها من درس الحجاج الحديث، ونسوقها متفاعلة مع بعض الهموم المعاصرة المرتبطة بقضايا التعاون والتشارك بين المختلفين من أبناء الأمة الواحدة؛ وذلك حتى نسهم في وصل النظر بالعمل، ونفيد من هذا النتاج النظري في تقويم الممارسة المعاصرة للحوار كي ترتفع إنتاجيته ويزكو أثره في توسيع دائرة الوفاق والتقليل من مواطن الشقاق بين المفكرين والعاملين من الأمة الواجدة والمجتمع الواحد في شتى مجالات الفكر والعمل. 
ونبدأ بسؤال التعريف: ما المقصود بالحوار عموما؟ وتأسيساً على ذلك كيف يمكن إنجاز الحوار بين الأطراف المتخالفة؟
يعرف Dialogue"الحوار" في الأدبيات المنطقية المعاصرة بكونه فعلا قاصدا يتجلى في صورة متوالية من الرسائل أو أفعال الكلام يتداولها واحد أو أكثر من المتحاورين، بحيث يوجهه هدف مشترك يتعاون الطرفان من أجل تحقيقه، ويلتزمان لأجل ذلك بجملة من الضوابط والمقتضيات [1] . والحوار في هذه الأدبيات أيضا ليس ضربا واحدا، إذ ينبغي التمييز فيه بين مظاهر متعددة[2] وأنماط مختلفة أهمها المباحثة والمجادلة والمفاوضة والمقارعة والمحاورة النقدية والحوار التعليمي والحوار التعلمي وأنواع أخرى تختلف من حيث هدفها ومنطلقها ومنهجها، وتتنوع بحسب معطيات الحال ومقتضيات المقام. غير أن المحاورة النقدية والمباحثة تبقيان أهم هذه الأنماط وأوفاها بالمعايير الأساسية للحوار العاقل، كما يمكن اعتبارها إطارا مناسبا لمقاربة النشاط الحواري المعاصر، بحيث يمكن اعتماد المفاهيم المقترحة ضمن مباحث هذين النمطين في تقويم وتوجيه الحوار بين المتخالفين المتناظرين وجعله يندرج على الدوام ضمن ذاك الشكل من الحوار المثمر الذي يعود نفعه على الأطراف المتحاورة، وتعم فائدته المجتمع بأكمله، ويعصم الفرقاء من السقوط في صور من الحوار السلبي الذي أصبح ـ وللأسف ـ مشهدا مألوفا يطالعنا كل حين في الحياة العامة (السياسية والاجتماعية والثقافية...) وعبر وسائل الإعلام المتنوعة. 
وقبل أن نبسط القول في هذين النمطين الذين يمكن إدراجهما ضمن ما يصطلح عليه بالحوار العاقل نتوقف أولا مع الصورة المقابلة لهما أي الحوار غير العاقل الذي يعتبر مظهرا من مظاهر الأزمة التي تصيب الكيان الفكري للمجتمع وتجعل التواصل بين أفراده منقطعا، وبالتالي تنتشر بذور الشقاق والعداوة، ويتعثر كل أمل في التعاون والوفاق. 

آفات الحوار غير العاقل
إن المقصود بالحوار غير العاقل في الأدبيات الحوارية المعاصرة ذاك النوع من الصدام العفوي الذي يحدث بين المتخالفين، مدفوعين في ذلك بفعل التعارض الطبيعي بين الأفكار والتصورات، أي أن الحوار في هذه الحالة لا يكون عبارة عن ممارسة واعية مفكر فيها، ولها غاياتها المرسومة ومقاصدها المعلومة، وإنما هو عبارة عن رد فعل غريزي تحكمه حوافز الغضب والتعصب للذات أو العرق أو الفكر... وهذا الحوار عادة ما ينطلق بصورة اعتباطية تفتقد إلى كل إجراءات التخطيط والتدبير المسبق، فيكون أشبه بالعراك الذي يحدث بسبب المصادمات الجسدية أو تعارض المصالح الآنية. إن هذا الضرب من الحوار يصطلح عليه لدى بعض منظري الحوار المعاصرين باسم المقارعة الشخصية personal quarrel، ونصطلح عليه من جانبنا بـ"المناطحة" لما في هذه التسمية من إيحاء بالأجواء اللاإنسانية (الحيوانية) التي تسود في هذا النمط من الحوار، حيث يغلب عليه التهجم المطبوع بنوع من العنف، ويكثر فيه تحريك العواطف وحشد الحجج كيفما كانت وبأي وجه كان، ويطغى فيه الاتهام المتبادل، ويقل فيه التعقل والاتزان، لأن الهدف الذي يوجهه هو مجرد الرغبة في قهر الخصم وإلجامه، وهذا ما يفسر لجوء المتقارعين إلى استعمال مختلف الوسائل التي تمكنهم من بلوغ الهدف وهو غلبة المحاور وإخضاعه. من هنا نجد شيوع مختلف أنواع السفسطات في هذا النمط الذي يعتبر الفضاء المناسب للسفسطة [3] ، وخاصة السفسطة المسماة في الأدبيات الحجاجية بسفسطة ad hominem التي تتمثل في تقصد ذات المخاطب بدل أفكاره ودعاواه، وذلك بغاية تعدية التجريح الواقع على ذات الشخص إلى تجريح دعواه أيضا. ولا يخفى أن هذا النمط من المحاورة يحتل رتبة دنيا في سلم النشاط الحواري، ولا يمكن اعتباره فضاء مناسبا لتحقيق ما يفترض أنه الهدف الأصلي المنشود من الحوار وهو التعاون على البحث أو على حل الخلاف.
وللأسف الشديد فإن هذا الضرب من الحوار يحتل حيزا معتبرا في دائرة الحوار كما نشهده في واقعنا المعاصر بين أبناء الأمة الواحدة والمجتمع الواحد، فدونك وسائل الإعلام المختلفة، من جرائد وقنوات تلفزية لا تفتأ تمطرنا بألوان من المناطحات(لا المطارحات) التي لا يمكن بأي حال نسبتها إلى الحوار العاقل، فهي أشبه ما تكون بشتائم المتعادين أو تقاذف المتحاربين، ولو أقمت بدل الكلمات قنابل لكان حال 
(المتحاورين) إلى تباب. ولا يغُرنّك الشكل فتخطأ عينُك هذا الوضع في بعض ما أصطلح عليه بـ"المناطحات المنظمة"، كما هو الشأن في بعض البرامج التي أصبحت موضة القنوات الإذاعية والتلفزية، حيث يتم فيها استدعاء المتحاورين وإحاطتهم بمظاهر الوقار في المجالس والملابس[4] لتنطلق المبارزة فلا تنتهي إلا بكالم ومكلوم (أي جارح ومجروح في حلبة الكلام)، فأي فائدة في هذا الضرب من الحوار غير التنفيس عن الطاقة الغضبية تجاه الخصم؟!، بل ربما ـ وهذا أخطرـ تأجيج مشاعر الحقد والكراهية وتهيئة الأجواء للمعارك الفاصلة المنتظرة التي نرى بين الفينة والأخرى مناوشاتها في ساحات النضال الفكري أو السياسي، وفي رحاب المجالس التي تجمع ـ كرها لا طوعا ـ هؤلاء المتخالفين.

الحوار والقصد ومحل النزاع
إن هذا الضرب من الحوار يغيب فيه ركن أساس يعتبره نظار الحواريات قديما وحديثا شرطا ضروريا لا تصح المحاورة إلا به، ويُعذر المتحاور إذا أعرض عن المحاورة بدعوى غيابه، وهذا الشرط هو النية والقصد الصادقين إلى إنجاز محاورة جادة، فهذا القصد هو الذي يضمن عدم إهدار الجهد وإضاعة الوقت في عبث لا طائل من ورائه، فغياب القصد في المحاورة يستتبع غياب العقل فيها مادام العقل ليس غير الفعل القاصد المنزه عن العبث والهوى. ومن العيوب التي يثمرها غياب القصد الحسن في المحاورة، ما يتعلق بتحرير محل النزاع، فمعلوم أن أي محاورة ينبغي فيها أن تتعلق بقضية هي بالذات نقطة الخلاف بين المتحاورين، بحيث تنصرف إليها فعاليتهم الحجاجية، ويدور حولها جهدهم العقلي في استخراج الأدلة وصوغ الاعتراضات. وإذا لم يتم تعيين محل النزاع فإن الحوار يترك للظروف والأحوال العابرة والمتقلبة، فتكون النتيجة مناطحة تخبط ذات اليمين وذات الشمال، فيكب الطرفان (أو الأطراف) على وجوههم ليبدأ الحوار بالتلجج، ثم سرعان ما يعتريه التأجج، فيصير نارا حارقة لا تبقي ولا تذر. وعلى سبيل التشخيص السيكولوجي لهذه الوضعية يمكن القول أن غياب محل النزاع يجعل المتحاور ينظر إلى الطرف الآخر باعتباره هو ذاته محل النزاع، ووجوده هو القضية التي ينبغي إبطالها بكل الوسائل الممكنة، فتبدأ عملية النقض في صورتها الابتدائية، كطعن في الأهلية الفكرية للمحاور، ثم تتدرج إلى القدح في نيته وقصده، وقد ينتهي الأمر باستعمال أسلحة التدمير الشامل التي تعتبر لحظة درامية في هذا الضرب من الحوار، وهذه الأسلحة ترتد كلها إلى مظهر واحد هو الإقصاء والإلغاء الذي يتلون في صور مختلفة أشهرها أنواع ثلاثة معلومة أصبحت دارجة في الحوارات التي تدور كل يوم بين المتخالفين من أبناء الأمة الواحدة والمجتمع الواحد، فهناك: التسفيه (الإخراج من العقل)، وهناك التكفير (الإخراج من الدين) وهناك التخوين(الإخراج من الأمة). 
وعموما نقول إن غياب محل النزاع من الثغرات الخطيرة في الحوار، وهو يجعل العلاقة المتوترة تتفاقم إلى أن تبلغ درجة الحقد والكراهية للطرف الآخر بحيث يعتقد كل طرف أن الخلاف بينه وبين الطرف الآخر خلاف وجودي لا يمكن حسمه إلا بالإفناء والإلغاء. 
وتأسيسا على هذا تكون الخطوة الأولى التي يتعين الإقدام عليها في أي حوار فعلي أو مفترض هي تحرير محل النزاع، وتعيين وجه الخلاف بين الطرفين (أو الأطراف) المعنيين وذلك حتى تسد الطريق أمام كل من يريد تحريف النقاش عن مساره، والاصطياد في الماء العكر، كما يفعل بعض المنتفعين من الخصومة القائمة بين أبناء الأمة الواحدة من المغرضين في الداخل والخارج. وذلك حتى تنكب المناقشات والمحاورات على قضايا حيوية تهم حاضر الناس، وتمس همومهم الفعلية وبالتالي ننتهي من معارك الطواحن الهوائية التي تضعنا في حلقات مفرغة لا أمل في الخروج منها. ونتخلص من تلك السفسطات التي تدخل في باب ما يصطلح عليه بين أهل المناظرة بـ"سفسطات رجل القش" وهي أغلاط (أو مغلطات) حوارية تحصل حين يختلق المتحاور معارضا وهميا يضعه مكان الطرف المحاوَر، ويبدأ بتوجيه النقد نحوه حتى يوهم المتتبعين للحوار أنه كسر دعواه وقطع حججه، وهو إنما كسر رجل القش الذي صنعته أوهامه أو قصده السيء. وما أكثر رجال القش الذين يتحركون بين المتخالفين المتحاورين من أبناء أمتنا، يتم خلقهم إما قصدا بهدف تحقيق انتصارات خادعة وسريعة، أو دون قصد بسبب جهل كل طرف بالطرف الآخر. وكيفما كان الأمر فالنتيجة واحدة، وهي تعطيل الجهد وإهدار الوقت وتفويت الفرص ـ وما أقلها ـ لرأب الصدع وتقليل مواطن الخلاف.

التمثلات آفة المحاورات
ويقودنا الحديث السابق إلى إثارة مسألة هامة فيما يخص الحوار بين الأطراف المتخالفة عموما، ويتعلق الأمر بما يطلق عليه علماء النفس "التمثلات". فالتمثلات تلعب دورا كبيرا في إنجاح أو إفشال الحوار، والمقصود بالتمثلات ـ في سياق الحوارـ تلك الصور الذهنية التي يحملها كل طرف عن الطرف الآخر، وعن الأفكار التي يؤمن بها، والمبادئ التي يعتنقها. وتبلغ هذه التمثلات درجة من التعقيد والحساسية بحيث يتعذر في كثير من الأحيان الإمساك بخيوطها وفهم خلفياتها وتحديد منطقها، فهي عادة ما تكون مغرقة في طابعها الذاتي الشخصي، إذ تتحكم فيها التجارب الخاصة للفرد أو المجموعة، والمؤثرات التربوية والتوجيهية المتنوعة، فتكون الحصيلة في آخر المطاف أن الفرد (أو المجموعة) يعيش في عوالم رمزية تؤطر وعيه وتوجه سلوكه. وفي كثير من الأحيان تكون هذه التمثلات مجرد استيهامات لا أساس لها من الصحة تجعل الفرد (أو الجماعة) في حالة تفاعل غير سوي مع محيطه، قد تبلغ درجة المرض النفسي الذي يستدعي تدخلا طبيا صريحا.
ولعل حال بعض القطاعات من المتخالفين المتحاورين يدخل تحت هذا الباب، فتجد فيهم من يعيش حالة من التوجس (المرضي أحيانا) تجاه كائنات ذهنية ونفسية تنتمي إلى عالم ذاتي مختلق وموهوم لا يمت إلى الواقع بصلة، فيدخل المرء في صراع جنوني مع هذا العالم، ولحظة بعد لحظة تتواجه هذه العوالم من الوهم، وتنمو في سياق ذلك مشاعر التحفز والكراهية بين هذه العوالم المغلقة من التمثلات التي تصير أشبه ما تكون بقلاع الأزمنة الغابرة المنكفئة على ذاتها، بحيث لا يُرى داخلها من خارجها، فتكثر عنها الأساطير الباطلة والخرافات المختلقة. 
وتلعب اللغة دورا حاسما في صناعة هذه التمثلات لأنها الخزان الرمزي للتصورات والانطباعات فكل كلمة أو عبارة تحيط بها هالة faisceau من المعاني وظلال المعاني التي تتغذى باستمرار من تجارب الفرد ومحيطه النفسي والثقافي والاجتماعي، فالعبارات لها في وعي الفرد (والجماعة) وإحساسه وقعا مختلفا، فهي بدورها ذات مذاقات خاصة، ففيها الحلوة بمراتبها والمرة بدرجاتها، فما أجده حلوا لذيذا قد يجده المخالف لي مرا لا يساغ طعمه. والعكس بالعكس 
فمن شروط النجاح في إنجاز الحوار بين المتخالفين، التحرر من هذه التمثلات، وذلك عبر فحصها ومحاولة استبدالها ما أمكن بمعرفة علمية دقيقة بالطرف الآخر وبأفكاره ومعتقداته وقيمه، وهذا ما يتطلب نوعا من الانفتاح والتواصل المدفوع بالرغبة في معرفة الآخر على حقيقته. وكم من القصص التي سمعناها عن تحول جدري في نظرة المتخالفين إلى بعضهم البعض بعدما تجالسوا وتداولوا واستمع كل واحد إلى الآخر مباشرة دون وسيط، فنشأت بينهم ألفة أثمرت تعاونا عاد نفعه على المجتمع، وأفاد كل طرف من الحق الذي فتح به الله على نظيره، ولم يؤثر ذلك على ولاء كل واحد لقومه ومذهبه.

نماذج من الحوار العاقل 
إن هذه الأمور التي أتينا على ذكرها(تصحيح القصد، تحرير محل النزاع، التخلص من التمثلات الباطلة) تفتح الباب أمام إمكانية قيام حوار نافع بين المتخالفين، حوار نلمس آثاره مباشرة في استبدال النزوع الغريزي بصوت العقل، فيظهر في واقعنا نموذج آخر من الحوار نصطلح عليه بالحوار العاقل. 
إن الحوار العاقل يبدأ بالبراءة من دوافع اللاعقل (الغضب العنف الأهواء...) والاتجاه بالكلية نحو القيم الإنسانية القائمة على التسامح واحترام الغير وتقدير اختياراته الشخصية والوفاء للحق وعدم التحيز الأعمى للذات... بل إن هذا الضرب من الحوار يجد مبرره الأول في التسليم المسبق بأن الحق يظهر أحيانا في صور متعددة، وتحيط به إمكانات لا حصر لها، فالحق في مجال الإنسانيات ثقافة وسياسة وتربية واجتماعا وفنونا... يقوم على مفاهيم الاحتمال والرجحان والتقريب والتغليب بحيث لا يمكن البت في أسئلته باعتماد الوسائل العلمية المتسمة بطابعها اليقيني القطعي كما هو الشأن في مجالات العلم الموضوعي البرهاني والتجريبي، ففي مجال المعرفة الاحتمالية التقريبية يجد المرء نفسه مضطرا للترجيح بين البدائل والاختيارات، وهذا الترجيح يحتاج منه إعمال الفكر وتقليب النظر، ولا شك أن نظر الواحد في هذا المقام يقف دون نظر المجموع، فيكون الأولى به أن يناظر ويحاور ، ويفيد من محصول الغير يضيفه إلى محصوله فيرتقي في مدارج الحق. إن الرهان في هذا الضرب من الحوار ينصرف إلى ما يصطلح عليه في الفكر المعاصر بتكثير العقل، وتكثير العقل يكون ـ ولا شك ـ بالتعاقل، ولا تعاقل إلا بالتواصل والتحاور والتناظر. 
وعلى سبيل التدقيق والتحقيق في الصور التي يمكن اعتمادها صيغا للحوار بين المتخالفين من أبناء الأمة الواحدة والمجتمع الواحد اليوم، نذكر نموذجين مفيدين يوليهما الباحثون في شؤون الحوار عناية خاصة، لما لهما من فائدة راجحة في تكثير العقل وتقريب الحق.
أول هذه النماذج ما يسمى بـالمباحثة inquiry والمباحثة كما يستفاد من اسمها، نمط من المحاورة تكون الغاية من ورائه تحصيل المعرفة، والتماس طريق الحق، والتحرر من الجهل الذي يحسه المرء تجاه بعض القضايا والموضوعات، فالمباحثة هي شراكة في البحث تتم بين طرفين أو أكثر[5] وتنطلق من القناعة بأن عقل الكثيرين أرجح من عقل الواحد وأن عند الغير على الدوام نصيب من العلم المفيد، وذلك بموجب طبائع الأشياء التي جعلت من المتعذر أن يحيط المرء بكل المعارف، وأن يصل إلى منتهاها بجهده وحده، فكان لزاما عليه أن يطلب شطر العلم الذي يفتقده من غيره. وبالتالي فإن المباحثة تشهد على الدوام مسارا تصاعديا، ينتقل فيه المتحاوران من حالة نقص في المعرفة إلى تحصيل مقادير معتبرة منها. من هنا كان أس المباحثة هو التعاون بين المتحاورين لأن كلا منهما يطمع في تحصيل علم ينفعه، فيبدل أقصى ما في طاقته ليدفع الطرف الآخر كي يعرك ملكاته في تمييز الحق وعرضه على وجهه الصحيح. بحيث ينقلب الوضع عما هو عليه في المناطحة، فبقدر ما أجاد الطرف الآخر تكون فائدتك، وكلما تعثر كنت أنت الخاسر، وفاتتك الفرصة في معرفة المزيد. وقد بلغ المسلمون قديما مراتب عليا في تمثل هذه المقومات القيمية، حتى أنهم جعلوا من الآداب المعتبرة في المناظرة، أن يتمنى المتناظر لو ظهر الحق على يد مناظره[6] . وهكذا يبدو أن المباحثة تمثل النموذج الأقرب إلى التعقل والتخلق في منهجها ومعاييرها. 
بالإضافة إلى المباحثة هناك المحاورة النقدية[7] (أو الحوار الإقناعي) critical discussion، فإذا كانت المباحثة غايتها تحصيل المعرفة، فإن المحاورة النقدية غايتها حل الخلاف حول القضايا المتنازع حولها. ففي هذا الضرب من الحوار تتم المواجهة بين طرفين(أو أكثر)، ويكون هدف كل طرف هو إقناع الطرف الآخر بدعواه، ويتم لأجل ذلك اعتماد مسلك التدليل على الدعوى، وينبغي في التدليل على الدعوى أن تراعى فيه جملة من القواعد التي حصل التسليم بها من الطرف الآخر. فكل من انخرط في هذا الضرب من الحوار عليه أن يلتزم بالسعي لإقناع محاوره بالاستناد إلى المقدمات التي يقبل أو يسلم بها هذا المحاور(وهنا تختلف المحاورة النقدية عن المباحثة التي تشترط أن تكون المقدمات مقبولة من الطرفين). وتبعا لذلك فإن هناك نوعان من الحجج يمكن التوسل بها في المحاورة النقدية، الحجج الداخلية، ويتعلق الأمر هنا بالعمل على انتزاع الحجج من القضايا التي يسلم بها المحاور في المحاورة ذاتها. وهناك مسلك آخر في طلب الحجج، يتمثل في استدعاء حجج خارجية وهي قضايا ووقائع جديدة يتم قبولها لأنها بديهيات علمية أو معطيات يقطع بها أهل الخبرة الذين يمثلون في هذا السياق طرفا ثالثا يتخذ كمصدر محايد للخبرة، وتشترط المحاورة النقدية كذلك أن يلتزم المتحاوران بالتعاون فيما بينهما للوصول إلى حل المحاورة، فكل طرف يظل ملزما بإفساح المجال للطرف الآخر حتى يعرض دعواه ويستوفي مسألته.


وتنقسم المحاورة النقدية بدورها إلى نمطين اثنين: 
ـ محاورة نقدية تناظرية: وفي هذا النمط يكون كل طرف ملزما بالدفاع عن دعوى خاصة به، أي أن الطرفين يتحمل ـ كل من جانبه ـ دعوى تتعارض مع دعوى الطرف الآخر، ومن تم يجد نفسه ملزما بالتدليل عليها. ومثال ذلك أن ينتصب زيد للدفاع عن الدعوى القائلة بأنه لا ينبغي النص في الدستور على اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للدولة، ويواجهه عمرو بدعوى معارضة ترى أهمية النص على ذلك. فكل واحد منهما يتحمل دعوى خاصة به، فيسوق لها أدلة تفيد مذهبه وتدعم دعواه.
ـ محاورة نقدية لاتناظرية: وفي هذا النمط لا يكون المتحاوران على نفس الدرجة من الالتزام. فالطرف الأول يدعي دعوى معينة، والطرف الآخر يكتفي فقط بأن يسأل ويشكك في هذه الدعوى، ويعترض على الحجج التي يوردها العارض، فالأول يتحمل عبء التدليل بخلاف الآخر الذي لا يكون ملزما بالدفاع عن الدعوى المعارضة، لأنه يقوم فقط بالتشكيك، ومثال ذلك أن ينتصب زيد للدفاع عن الدعوى القائلة بوجود نظرية حول شكل الدولة في الإسلام، ويواجه في ذلك عمرو الذي لا يسعى للدفاع عن نقيض هذه الدعوى، (أي عدم وجود هذه النظرية في الإسلام) وإنما يقوم فقط بالتشكيك في الحجج التي يوردها زيد. حتى يدفعه إلى بدل أقصى ما يمكن في الدفاع عن دعواه.
والخلاصة إن المباحثة والمحاورة النقدية يمكن إدراجهما ضمن باب واحد نصطلح عليه بالمطارحة التي يستفاد من اسمها أنها تقوم على مساهمة من الطرفين في الطرح، بحيث يتم في المباحثة طرح العلم من المتباحثين، فتتفاعل هذه المطروحات تفاعلا يظهر أثره في انبثاق معرفة غنية، كما يتم في المحاورة النقدية طرح الدعاوى والحجج وعرضها على محك النقد، فيكون حاصل هذا التناقد بين المتحاورين معرفة نقية. وهل من فضل في العلم أعظم من الغنى والنقاء؟ وهذا بخلاف المناطحة التي لا تولد غير العداوة والشقاق والولاء الأعمى لأهواء الذات ونزوعاتها الأنانية. 
ثم إن للمطارحة حسنات أخرى تظهر آثارها في واقع الناس وأحوالهم التي تنحو صوب التعايش المثمر والتعاون البناء، فلما كانت المطارحة مباحثة، ومحاورة فلاشك أن المجتمع والأمة يستفيدان منها أيما إفادة، فمن جهة يتحقق التواصل ويحصل التعارف بين المتخالفين، ومن جهة أخرى تتسع المعرفة ويضيق حيز الجهل، ثم من جهة ثالثة يرتفع التنازع حول الكثير من الأمور، فتضيق الهوة بين الأطراف المتخالفة، ويصبح بالإمكان التعاون فيما اتفق عليه، والاستمرار في التناظر حول مواطن الخلاف العالقة.


أستاذ الفلسفة وباحث في المنطق واللسانيات
العنوان البريدي: عين الحياني زنقة الروصا 2 رقم 6 طنجة المغرب
Email: rachidradiph@gmail.com
-----------------------
[1] Douglas Walton , informal Logic: a handbook for critical argumentation, Cambridge university Press, 1989, p3 
[2] Informal logic p 3 - 9
[3] السفسطة في الاصطلاح القديم هي عبارة عن استدلال صحيح في الظاهر معتل في الحقيقة(أرسطو). وهي تدل في الاصطلاح الحجاجي المعاصر على تلك الأغلاط الحوارية (صورية كانت أو غير صورية) التي تؤدي إلى إعاقة المحاورة عن بلوغ هدفها وهو حل المنازعة (خروتندورست وإيمرن) وهي تشمل مجموعة من الحيل اللفظية والمعنوية التي يلجأ إليها المتحاورون للتنصل من عبء التدليل على دعاويهم، وللظفر في المحاورة بأيسر سبيل. 
[4] المجالس والملابس من الأمور التي يراهن عليها الخطاب السوفسطائي مراهنة كبيرة، وقد انتبه القدماء إلى هذا الأمر(أرسطو مثلا) فتحدثوا عن سفسطات الإيثوس Ethos أي تلك التي تقوم على استبدال العقل بالمظهر الخارجي، فتنتج مخاطبة مرائية خادعة لا وزن لها في سلم العاقلية. واليوم أصبح الحجاج أكثر وعيا بالطاقة التأثيرية لهذه الوسائل اللاحجاجية في خداع الناس وإشاعة الوهم في لباس العلم
[5] لعل هذا الضرب من المحاورة هو ما كان يقصده نظار المسلمين من أهل الجدل والمناظرة حين حديثهم عن "التعاون على الفحص" وهي تسمية قريبة من الاصطلاح المعاصر كما هو وارد عند بروكرايد وإهننكر "une enquête critique mené en collaboration" 
[6] كان بعض أهل العلم قديما يقول ما ناظرت أحدا إلا وتمنيت لو ظهر الحق على يديه.
[7] لقد وضع الدكتور طه عبد الرحمن تعريفا لهذا الضرب من الحوار الذي يقابل المناظرة في التراث العربي، فقد عرفه كما يلي: "الحوار النقدي" هو الحوار الاختلافي الذي يكون الغرض منه دفع الانتقادات ـ أو قل الاعتراضات التي يوردها أحد الجانبين المتحاورين على رأي أو قل دعوى الآخر بأدلة معقولة ومقبولة عندهما معا" أنظر ص 34 من كتاب "الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" ، المركز الثقافي العربي ط1 بيروت 2002 . 
 

 

 

 

28-01-2006 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=381