/

 

 

الوسطية ومشكلاتها في سياق المعرفة

معتز الخطيب

ربما تحولت مفاهيم مثل «الاعتدال» و «الوسطية» إلى مفاهيم هلامية يصعب تحديد مدلولاتها. فضلاً عن أن شيوع الألفاظ وتداولها العمومي، مع قطع النظر عن جذورها ودلالاتها وما تختزنه من إحالات رمزية ودلالية يجعلها تفتقر في مضامينها، وتتحول إلى مجرد مفردات في لغة يومية. وخلال هذه العملية يتم ارتكاب الكثير من التبسيط، بخاصة من داخل التيارات الفكرية والدينية التي ربما تستعير ألفاظاً من القاموس الفكري الغربي وتنقلها إلى قاموسها الديني تحت ذرائع تحركها الحماسة أو التصورات البسيطة لمنظومة الأفكار وسياقات نشأتها، ومن هذا القبيل وقعت استعارة الكثير من المصطلحات من الفكر الغربي وتمت أسلمتها أو إسقاطها على مفاهيم ومصطلحات إسلامية بل وأحياناً قرآنية!.

المتتبع لمصطلح «الوسطية» واستثماراته سيجده يتردد في مجالات شتى، فمن مجال الاعتقاد وأن الأمة الوسط هي التي تلتزم بمذهب السلف في الأسماء والصفات، إلى أن الوسطية هي التي «تدين التطرف في كل صوره وأشكاله بوصفه لا يتفق مع القيم الإنسانية»، وصولاً إلى القول بوسطية الفتوى، ووسطية الجهاد، والوسطية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك. بل وجد هناك من يتحدث عن «وسطية مستنيرة» و «ضرورة وضع خطة شاملة لبلوغ الوسطية المستنيرة بما يتفق مع تعاليم الإسلام».

إن هذا الاضطراب في تحديد مفهوم الوسطية التي يقال: إنها ترادف الاعتدال، وإنها روح الإسلام وإحدى خصائصه لا ينسجم مع الدور المنوط بها القيام به، أو المكانة التي تحظى بها. وهو يعكس إلى ذلك لوناً من ألوان الاستعارة والتبسيط المشار إليه. فبالعودة إلى اللغة المعجمية نجد أن الوسط وسط الشيء ما بين طرفيه، وهو منه، والمعتدل من كل شيء. وذهب المفسرون إلى أن (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) يعني «عدولاً أخياراً». وقديماً عرّف أرسطو الفضيلة بأنها وسط بين رذيلتين، وعلى هذا فالفضائل وسطية، بحسب أرسطو، وهو يحيل في هذا إلى مسألة القيم.

وفي سنة 1934 كتب ليون تروتسكي مقالاً سماه «الوسطية والأممية الرابعة» شن فيه هجوماً على الوسطية واعتبر أن الوسطية المعاصرة له، في الفضاء الماركسي لا تخضع إلا بصعوبة لتعريف إيجابي، بسبب انعدام الشكل لديها، قائلاً: «لم يسبق أبداً للوسطية أن تلألأت كما هي اليوم بكل ألوان قوس قزح؛ لأن صفوف الطبقة العاملة لم تشهد من قبل مثل هذا الاختمار السياسي الحالي»، ويعني بالاختمار هنا الانتقال بين قطبي الماركسية والإصلاحية، أي الانتقال عبر مختلف أطوار الوسطية. ولخص فيه صفات الوسطية بأنها عديمة الشكل وانتقائية، وأن الوسطي يلجأ إلى دروس أخلاقية مثيرة للشفقة لإخفاء فراغه الأيديولوجي، وأنه يقبل - بضغط الظروف - أقصى الخلاصات.

والوسطية التي يعلن عليها الحرب تروتسكي تعني - في معناها القديم - تكتيكاً سياسيّاَ محضاًَ بين قطبين متضادين هما اليمين واليسار بمعناهما القديم. وعلى امتداد النصف الأول من القرن العشرين كان اليسار ينظر إلى الوسطية على أنها سُبة، بينما ينظر إليها اليمين على أنها ممالأة للتطرف، وجوهر الصراع كان يدور حول المفاضلة بين الفرد والجماعة، في ما يخص تفاوتات الثروة والسلطة بين طبقات المجتمع. غير أن تلك الانقسامات خفت في النصف الثاني من القرن العشرين.

وحين أخذت الليبراليات الفردية تتعلم من الجماعيات وجوب التوازن الاجتماعي، فنشأت دولة الرفاه التي تحولت إلى منظومة راسخة في الخمسينات، اكتشفت الجماعيات الجامحة وجوب الإصلاح على خطى اقتصاد السوق وفتح باب الحريات، فبدأت حركة الإصلاح مطلع الثمانينيات. وفي خضم هذا التقارب ولدت فكرة الوسطية مجدداً ليس بصفتها تكتيكاً سياسياً هذه المرة، بل بصفتها فلسفة اجتماعية ذات منظور تاريخي. ولعل أبرز من يمثل هذا الاتجاه أنطوني جيدنز الذي نظّر للوسطية أو الطريق الثالث بصفتها صيغة لإعلان البراءة من التطرف أو للتعبير عن يأس من المواقف الحادة والقاطعة توخياً للاعتدال.

أما الوسطية الإسلامية، فينفي محمد عمارة أن تكون شبيهة بوسطية أرسطو التي هي «نقطة رياضية وموقف ساكن وشيء آخر لا علاقة له بالقطبين اللذين يتوسطهما، وليست هكذا الوسطية في منهج الإسلام، إنها في التصور الإسلامي موقف ثالث حقاً .. وموقف جديد حقاً». وفي الواقع أن الطريق الثالث أو الوسطية عند جيدنز هي كذلك إطار للتفكير وإحداث فلسفة سياسية تتجاوب مع التغيرات الكبرى التي تغير العالم.

والمتتبع للكتابات حول الوسطية الإسلامية يلحظ بوضوح إلحاحها على أنها طريق ثالثة بين جملة ثنائيات: الدين والدنيا، الروح والجسد، الدين والدولة، الذات والموضوع، المقاصد والوسائل، الثابت والمتغير، العقل والنقل، الاجتهاد والتقليد، الأصالة والمعاصرة، إلى آخر تلك الثنائيات الكثيرة التي ترد في كلام الشيخ القرضاوي وعمارة وغيرهما.

وفي أحيان كثيرة يبدو لي أن تلك الوسطية لا تكاد تغادر المعنى اللغوي البسيط الذي هو وسط بين طرفين، ومن ثم فهي تلح على فكرة الثنائيات تلك، وتقع في أسرها، بل تزعم أن الوسطية تحل كل معضلات تلك الثنائيات التي أعيت الفلاسفة والعلماء السابقين عبر القرون.

ولإثبات الوسطية يتم الإلحاح على العودة لآية (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) لإقحام تلك التوجهات على النص القرآني أو بذل الجهد لاستخراج أدلة للوسطية من القرآن والسنة النبوية لتؤول في نهاية المطاف إلى توجه سلفي أو إخواني أو توفيقي. ولا أزال أستريب في أمر يقال إنه روح الإسلام ومن خصائصه الكبرى ويحتاج إلى جلب الأدلة عليه وإثباته بهذه الطريقة، أو يقع الاختلاف فيه هذا الاختلاف الواسع، ليصل مع البعض إلى القول: «إن العلمانية المعتدلة تلتقي مع الوسطية في كفالة حرية الأديان وكفالة حقوق المواطنة للكافة والتناوب السلمي على السلطة عبر انتخابات حرة». ولنجد أن الوسطية تلك تتيح لنا منهجاً للتعامل مع العولمة ومسائل الحكم، والتراث والإصلاح الاقتصادي والسياسي والإرهاب والعلمانية، وهي كلها قضايا معضلة في الفكر العربي والإسلامي على السواء، فضلاً عن الفكر الغربي نفسه، ثم يأتي الفكر المنعوت بالوسطية ليزعم أن لديه المنهج الذي يؤهله لحل تلك المعضلات والتعامل معها جميعاً، وذلك المنهج هو روح الإسلام وإحدى خصائصه الكبرى!. في الوقت الذي نجد أن الفقه الإسلامي نفسه يكتنفه الكثير من المشكلات والقصور في معالجة تلك المسائل التي نقول إن الوسطية تلتقي فيها مع العلمانية المعتدلة!.

ثم إننا حين نقول: إن الوسطية هي بتلك المنزلة من الإسلام فأين تقع المذاهب الإسلامية التي هي نتاج جدل وتفاعل المسلمين مع النص الديني؟ المذاهب الفقهية والعقدية على السواء. فهل تقع داخل الوسطية الإسلامية التي هي روح الإسلام أم خارجه؟ وإذا وصفت جميعاً بالوسطية من أشعرية وسلفية وماتريدية ومعتزلة إلى غير ذلك فأي معنى للوسطية بين هذه المختلفات التي تصل إلى حد التناقض في بعض الأحيان؟ ومن يملك مشروعية احتكار ذلك النعت وسلبه للآخرين؟

الشيخ القرضاوي يعلن انتماءه إلى تيار حسن البنا ومدرسته (الإخوان) ويقول: «هو التيار الذي أسميه تيار الوسطية الإسلامية»، بل إن «نهر الوسطية» - كما سماه بعضهم - يشمل كل من أضاف إليه قليلاً أو كثيراً، حتى إنه ليشمل محمد عبده وسيد قطب وجماعة الدعوة والتبليغ والحركة السلفية وجماعة الجهاد وحزب التحرير !. على رغم أننا لو جئنا نطبق معالم ذلك النهج الوسطي على تلك الجماعات والشخصيات سنجد أنها لا تتفق معها وإن اتفقت في بعضها.

معضلة تحديد معنى واضح ومحدد للوسطية، والمشكلات التي تعتور تصنيف الوسطيين وغير الوسطيين - مع ما في ذلك التصنيف نفسه من مشكلات – دفعت إلى القول: إن الوسطية «مسألة نسبية؛ فالسلوك الوسطي في بلد مثل المغرب لا بد أن يختلف عنه في بلد تحت الاحتلال مثل فلسطين أو العراق». بل إن آخر يتجاوز به النسبية إلى القول: إن «الاعتدال نفسه ليس لوناً واحداً، فالاعتدال عبارة عن إطار واسع قد يشمل أطيافاً وأطرافاً مختلفة، ولكنها كلها معتدلة».

وهكذا توزعت الوسطية بين الإخوانية، والسلفية المذهبية، والنسبية التقديرية، والشمولية التي تشمل المذاهب الفقهية الأربعة بكل ما فيها من أقوال. وهي إلى ذلك، روح الإسلام وإحدى خصائصه الكبرى!.

بل أكثر من ذلك، الوسطية ترتقي لتصبح نهجاً معرفياً لدى عمارة، «فبهذه الوسطية الجامعة لم تعرف الفكرية الإسلامية عندما التزمت بها ذلك التناقض الذي لم يجد له حلاً بين الروح والجسد .. الدنيا والآخرة .. الدين والدولة .. الذات والموضوع .. الفرد والمجموع .. الفكر والواقع .. المادية والمثالية .. المقاصد والوسائل .. الثابت والمتغير .. القديم والجديد .. العقل والنقل .. الحق والقوة .. الاجتهاد والتقليد .. الدين والعلم .. إلى آخر الثنائيات».

هذه الخطابية الشديدة، تقفز فوق حقائق التاريخ والمعرفة، فتزعم أنها حلت كل مشكلات المعرفة، وتعالت على كل خلافات التاريخ، بمنهج الوسطية الذي قدم الحلول السحرية لتلك الثنائيات التي لا يزال الفكر المعاصر يقدم المقاربات العديدة لمحاولة – أقول محاولة – حلها، سواء في المجال الديني - وتحديداً الإسلامي المنقسم إلى تيارات عدة لكل منها مقاربته، ومنها التجديدي الذي له إسهامات بارزة في هذا المجال - أم في المجال الفكري العام.

فعلى سبيل المثال قدم سام هاريس Sam Harris نقداً لاذعاً للاعتدال، معتبراً أن المعتدلين في الدين سيكونون السبب الرئيسي في تعريض البشرية إلى السقوط في الهاوية، من دون أن يؤيد التطرف. فالاعتدال القائل باحترام كل طرف لمعتقدات الطرف الآخر مع أنه على يقين من خطئها يعدّ نفاقًا، فكيف إذا كان يعتقد أيضًا بأن هذا الآخر سيكون مصيره الجحيم؟

ومع قطع النظر عن موقف هاريس الذي ينطلق من موقف لا ديني، فإن جداله يحيل إلى مسألة فلسفية وجيهة، تم طرحها تاريخياً ضمن جداليات العقل والنقل، وهي أن الاعتدال يلجأ إلى إعادة تفسير النصوص الدينية لكي تتماشى مع العقل وتواكب التطور العلمي والثقافي، وفي سبيل إعادة التفسير تلك أو انتقاء بعض النصوص والسكوت عن بعضها الآخر، تُرتكب خيانات بحق النصوص والعقل معاً، وهذا ربما يدفع إلى نمو ما يسمى بـ «الأصولية» التي تنهض دوماً لحماية طهورية النص ونقائه.

وقد علق المرزوقي على كلام عمارة بالقول: «إن عدم التمايز في المواقف التي أشار إليها الأستاذ يعني حتماً عدم إدراك الفروق بين الأشياء وثم عدم التفكير أصلاً. هذا فضلاً عن كون أمة غارقة في أدنى مشكلات حياتها اليومية كيف يمكن أن تزعم أن فكرها قد استطاع حل كل هذه المعضلات الوجودية والمعرفية التي عجز دونها الفكر البشري في الحضارات الأخرى؟».

وكما أن الوسطية في المجال الديني تحتوي على تبسيط شديد، فإنها في المجال المعرفي أشد تبسيطاً، تبدأ من عدم القدرة على الزعم بوجود تصور ثابت للوسطية، وأنها ليست حلاً لتلك الثنائيات، ولا يمكن لها أن تكون كذلك على المستوى النظري الفلسفي، الذي ينزع إلى طلب الغايات دون الحلول الوسط أو التوفيقية التي يمكن للعمل أن يقبلها، وعدم التفريق بين الذريعية الواجبة في العمل، وطلب الغايات في النظر، اعتبره المرزوقي السبب الرئيس في موت كل إبداع في حضارتنا حتى إن القرنين الأخيرين لم ينبغ فيهما عالم أو فيلسوف واحد أبدع ما يمكن أن يعد توسيعاً لمجال معرفي أو لأفق خلقي في المسيرة البشرية.

وحين نقول: إن الوسطية تجمع بين صريح المعقول وصحيح المنقول، نفترض بأننا نملك صريح المعقول وصحيح المنقول وأن المهمة تنحصر في مجرد الجمع بينهما، فإذا تجاوزنا ذلك كله، إلى العلم /المعيار الذي يمكّننا من ذلك الجمع، غير الاعتباطي أو التوفيقي أو حتى التلفيقي، فسيكون ذلك العلم متعالياً على الطرفين، الصحيح والصريح، ومن ثم فهذا المتعالي لا يقبل الوسطية والتوسط، لأنه علم معياري.

وبغض النظر عن الكلام الإنشائي لعمارة حول مفارقة الوسطية الإسلامية لوسطية أرسطو، فإن التدقيق لا يظهر فرقاً بين الموقفين، وانحصار الوسطية بكونها حلاًّ يتم تقديمه أمام تلك الثنائيات التي لا نهاية لها، هو خضوع لمنطق القول الأرسطي في تعريف الفضائل، والتي يكتفي فيها بالجمع بين رذيلتين، من خلال ارتكاب قليل من الإفراط وقليل من التفريط. والوسطية الإسلامية تتغافل عن أن الدخول في منطق الجمع بين الثنائيات تلك بأي شكل كان، يعني دخولاً في جدل جديد يتم فيه النقاش حول ذلك القدر الذي تم الجمع بينه من الطرفين، أو ذلك الشكل من الجمع، أو البحث في أي المجموعين تم إخضاعه للآخر؟ أو ما الذي تم قسره ليدخل في الآخر؟ أو هل تم فعلاً الجمع مع بقاء جوهر الطرفين من دون تحوير أم تم تحوير الطرفين عينهما ليمكن الجمع من خلال طرف ثالث جديد مفارق للطرفين وإن كان فيه شبه بهما؟ فهل فعلاً الوسطية على هذا تشكل حلاًّ؟

إن الدخول في منطق الثنائيات نفسه، دخول في منطق تبسيطي ذي منحي توفيقي، أليق بالمنطق الدعوي والسياسي، وليس مسلكاً معرفياً، فالفعل المعرفي يحدد هدفه بالبحث عن موطن الإشكال الرئيسي ويفحصه ليحاول معالجته والإجابة عليه، وليس يحاول الجمع بين طرفيه. من هنا فالوسطية تتجاهل موطن الإشكال في تلك الثنائيات، وتتوهم أنها يمكنها حله بمنطق الجمع الأرسطي. فتتحول إلى فعل أيديولوجي دفاعي في وجه التحديات أو لمواكبة المتغيرات. وفي سياق تدعيم فعلها الأيديولوجي تلجأ إلى القرآن لتفسير الوسطية بأنها جمع بين الثنائيتين: إفراط وتفريط بالتعبير الأرسطي، أو التوسط والاعتدال بين ثنائية اليهودية والمسيحية الديانتين السابقتين على الإسلام. في حين أن السياق القرآني يقع خارج منطق الثنائيات تلك، ويقدم الرسالة المحمدية (الإسلام) على أنها رسالة معيارية - وليست توسطية - يقاس إليها كل انحراف وقع في الديانات السابقة، وهي رسالة مهيمنة على ما سبقها وليست جامعة بين ما سبقها.

اقتصرت هنا في هذا المقال المتواضع على مناقشة منطق الوسطية من ون الدخول في معالجاتها وأطروحاتها لحل تلك الثنائيات، الحل الذي تعزوه غالباً إلى الإسلام جملة وتفصيلاً!، على رغم أن الدخول في حلولها الوسطية لتلك الثنائيات ومقارنتها مع أطروحات غيرها سيكشف ليس فقط عن تنوع، بل عن تناقضات هي موجودة داخل الفكر الإسلامي، لكن تثور المشكلات حينما تتم نسبة هذا فقط أو ذاك فقط إلى الإسلام فتمارس إقصاءً لما عداها، مع أنه ينبغي التصوّن في المسائل والتصورات التي تعزا إلى الإسلام - بأل التعريف - من جانب كل الأطراف، لتبقى مساحة واضحة وبارزة للاجتهادات البشرية في فهم النصوص الدينية.

وعلى رغم أن ثمة ثنائيات كثيرة ادّعت الوسطية الجمع بينها، يكتنفها الكثير من المعضلات، فحسبنا أن نشير هنا إلى ثنائية الأصالة والمعاصرة، أو السلفية والتجديد التي تجمع الوسطيةُ بينها على رغم ما بين السلفية والتجديد من تباين شديد، يجعل من الوسطية فيهما تبسيطاً لهما، فالمدقق في الخطاب الإسلامي وتنويعاته، من اتجاهات إصلاحية وسلفية وتجديدية وغيرها، ورؤية كل منها للزمن والتاريخ، يدرك أن الوسطية تستبطن وعياً سلفياً للتاريخ، وتتصالح – ظاهرياً – مع العصر، وتؤجل كل الأسئلة بدلاً من أن تحلها. فالوعي السلفي بالزمن يتشكل على صيغة لحظة نورانية طاهرة ظهرت في عتمة التاريخ بعد أن كان كالحاً، لكن هذا النور لم يلبث لدى السلفية أن تحول إلى لحظة معرفية شاملة كل الكمال، ومن ثم فإن الزمن يسير نحو التناقص، والتاريخ – باستمرار- متقدم نحو الأسوأ، بحيث يجعل كل الفهوم والتصورات المعرفية موجودة هناك في تلك اللحظة النورانية، وعليه يكون مرجع كل المعرفة هناك عند لحظة الاكتمال. وأحد تجليات هذا الاكتمال هو تلك الإحالة المستمرة في الخطاب الوسطي إلى أن كل ما قاله الغرب موجود لدينا منذ زمن، من نتاج تلك اللحظة النورانية المكتملة.

تلك الإحالة لم تكن إحالات قولية مجردة، بل نشأ في ظل ما سمي بالصحوة الإسلامية نتاج كبير من كتابات سطحية تحمل عناوين حداثية ومحتويات سلفية رخوة، من مثل: علم الاجتماع الإسلامي، وعلم النفس الإسلامي، ... فضلاً عن تلك اللغة السطحية التي استعارت العديد من المصطلحات الغربية وقامت بأسلمتها. ولا يخرج عن هذا تلك الكتب التي كتبت لاستجلاب الأدلة من القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي «لتأصيل» علوم غربية إسلامياً.

وفي الواقع إن الصحوة الإسلامية تلك، على رغم ما أنتجته على مستوى الشعائر والتدين السلوكي، فإنها لم تنتج مدارس فكرية وعلمية، بل فرّخت كتباً وأفكاراً وتصورات لا يمكن لها أن تشكل وزناً في ميزان المعرفة المعاصرة، فتلك الأسلمة التي بدأت بمحاولات «تأصيل» إسلامية وبإثبات بأن ما لدى الغرب لدينا قديماً، انتهت مع أمثال الإعجاز العلمي والطب النبوي والطب الإسلامي إلى مفاصلة مع علوم الغرب في هذا الميدان مفاصلة حادة في بعض الأحيان!.

إذن هل بات من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم الوسطية وفي مجال تحققها، وكيفياته، وشروط استعمالها لتحقيق مدلولها السوي بعيداً من تلك التفسيرات السطحية، والاستعمالات الأيديولوجية؟.

حسبي في هذا المقال أني أثرت بعض الأفكار، التي تحتاج إلى استكمال وتعمق، وتوسع، ربما يكون لها مجال آخر بحول الله.
 

 

 

 

10-03-2007 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=388