/

 

 

الأبعاد الغائبة في الخطاب الإسلامي في الغرب

أنس الشيخ علي

تسعى هذه الورقة إلى مراجعة الخطاب الإسلامي في الغرب (وفي أوروبا بالذات) وتقييم المرحلة الحالية في محاولة لتشخيص بعض السلبيات التي قد تعيق تطور وتأثير الجاليات المسلمة في مجتمعاتها المتعددة. ولا تتعالى هذه المحاولة على ما تم تحقيقه خلال العقود السابقة ولا تقلل من قيمته، بل تسعى إلى تحديد بعض الأبعاد الغائبة في الخطاب الإسلامي المعاصر في الغرب كي يمكن تصور وتحديد إطار وأسس منهجية لخطاب أكثر تأثيرا وتماشيا مع متطلبات الزمان والمكان وموجه بشكل دقيق الى الشرائح المختلفة من المجتمع، خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي ولدتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) وما يتعرض له الإسلام والجاليات المسلمة من هجمات وتشويه على مستويات مختلفة. 
ربما يكون مفيدا في محاولة التشخيص والتقييم ان نخضع الخطاب الى محددات وموجهات نستلهمها من التوجيهين القرآني والنبوي: 

1) الآية الكريمة: «وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم» (ابراهيم 4). 

2) الآية الكريمة: «ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن» (النحل: 125). 

3) دعاء النبي موسى عليه السلام: «... رب اشرح لي صدري ويسر لي امري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي» (طه 25 ـ 28 ) والتماس اعانته على مهمته في ايصال رسالته بأخيه هارون لأنه افصح لسانا (القصص: 34) ليفهم الناس عنه بوضوح فتتم الغاية من الرسالة، حيث أنه كان يخاف أن لا ينطلق لسانه بفصاحة (الشعراء: 13) ولا يتمكن من تقديم الحجج والأدلة بوضوح فيفشل في مهمته التي كلفه بها سبحانه وتعالى. 

4) الآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا» (الاحزاب: 70)، اي ان يكون الخطاب مستقيما صادقا في طروحاته غير مجاف للحقيقة والواقع ولا ازدواجية او اعوجاجا او انحرافا فيه. 

5) الحديث النبوي الشريف: «نحن معشر الانبياء امرنا ان نخاطب الناس على قدر عقولهم». 

ولو اسقطنا هذه الموجهات الخمس على الخطاب الاسلامي في اوروبا لتمكنا من تحديد مواطن الخلل والابعاد الغائبة فيه. وربما يكون مفيدا ان نطرح بعض التساؤلات التي تستند الى تجربة طويلة في مجال الترجمة وتحرير ومراجعة ونشر الكتب واهتمام كبير بالاعلام ووسائله: 

اولا) هل الكتاب الاسلامي الذي يستورد من العالم العربي وتغرق به المكتبة الاسلامية في اوروبا ما زال صالحا ومناسبا للاجيال الجديدة التي بدأت صلتها بهذه اللغة تضعف باطراد رغم كل محاولات الآباء والمؤسسات والمراكز والمدارس والمعاهد الاسلامية التي تهدف الى معالجة ذلك؟ 

ثانيا) هل التأليف والنشر باللغة العربية للمسلم في الغرب ما زالا يؤديان دورهما الذي ادياه لفترة ما عندما كانت غالبية المسلمين في المهجر من الجيل الاول تتقن هذه اللغة وتفضل استخدامها على اللغات المحلية؟ ثالثا) هل هذه الكتب والمطبوعات المستوردة تصلح اصلا للترجمة الى اللغات الاوروبية دون تنقيح او تعديل او اختصار، ام انها تحتاج الى اعادة كتابة وصياغة كاملة وبأسلوب ومنهجية مختلفين تماما؟ 

رابعا) ما هي الضوابط العلمية التي ترشد أو تعين في عملية الترجمة؟ 

من الملاحظ ان قرار ترجمة كتاب ما من اللغة العربية الى لغة أوربية يتخذ في اغلب الأحيان بسبب شعبية مؤلفه في العالم العربي ورواج الكتاب هناك او بسبب موقع المؤلف في الساحة الاسلامية وفي احيان عديدة بسبب انتمائه الفكري أو الحركي، بغض النظر عن صلاحية الكتاب للمخاطب. ان العديد من الكتب التي ترجمت وانفق عليها الكثير من الاموال لم تكن اصلا صالحة للنشر حتى باللغة العربية. كما ان بعضها كتب استجابة لواقع سياسي وتحديات آيديولوجية املتها اوضاع العالم العربي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ولم يعد خطابها صالحا حتى لظروف العالم العربي المعاصر. وكثير من هذه الكتب، بل اغلبها، تخاطب العقل العربي المسلم، والعديد مما يترجم منها تفتقر الى التوثيق السليم وقد كتبت بأساليب مفعمة بالبلاغة العربية ويزخر خطابها بالاطناب والمبالغات، ولا يمكن للمسلم الغربي وابناء الاجيال الجديدة ان تستجيب لها أو تتفاعل معها. اضافة الى ذلك فان الكثير مما يترجم بحاجة الى التوثيق وفي معظم الاحيان الى اعادة تبويب او ترتيب على الاقل. 

والتقصير في التوثيق السليم للمراجع والمصادر المستخدمة والتحديد الامين والدقيق للاقتباسات يشكل خللا اساسيا تعاني منه العديد من الكتب التي ترجمت، فكثيرا ما تختلط الفقرات المقتبسة بكلام المؤلف وافكاره ويتيه القارئ بين الاثنين. وعندما ينقل المترجم هذه الأخطاء والنواقص الى اللغات الاوروبية ينعكس ذلك بشكل سلبي على مصداقية الكتاب والخطاب معا ليس فقط لدى الغربيين بل حتى لدى ابناء الجاليات المسلمة الذين يتدربون في معاهد ومدارس تؤكد على الدقة المتناهية في هذه الامور وتعتبرها من اسس وضروريات الكتابة والنشر. ويخطئ من يتصور ان المترجم هو المسؤول عن اكمال هذه النواقص الاساسية ، اولا لأن هذا ليس من اختصاصه وثانيا لأن المراجع والمصادر الاصلية التي استخدمها المؤلف قد لا تكون متوفرة له او حتى للمحرر الذي يقوم عادة بمراجعة واعداد النسخة النهائية للنشر، كما ان البحث عن هذه المراجع يتطلب الكثير من الوقت والجهد. ان المسؤولية الاساسية تقع أولا على الكاتب والناشر اللذين كان عليهما توخي الدقة والحرص عند التأليف وعند الاعداد للنشر كي يخرج الكتاب خاليا من مثل هذه النواقص، وتقع ثانيا على من اتخذ القرار بترجمة مثل هذا الكتاب من دون ان يتأكد من نواقصه واشكالياته ويعمل قبل الشروع بالترجمة على معالجتها سواء قام بذلك المؤلف او غيره. 

ومن خلال تجربتي في هذا المجال قل ان تجد مؤلفا لا يؤكد لك باصرار وحماس شديدين ان بحثه او كتابه يجب ان يترجم وفورا لا الى لغة واحدة بل الى لغات عديدة لفائدة وخدمة الأمة بأجيالها الحالية واللاحقة!! مرة واحدة فقط اتصلت باحدى المؤلفات لاخبرها بأن احد الناشرين لديه اهتمام بترجمة كتابها الى اللغة الانجليزية فدهشت واستغربت بشدة قائلة: «يا اخي هذا طلب غريب. لقد كتبت هذا الكتاب للقارئ العربي، ومفرداته ومنهجيته واسلوبه اختيرت بدقة للوصول الى عقل هذا المخاطب، فكيف تريدني ان ادخل تعديلات بسيطة كي يصبح الكتاب ملائما للترجمة الى الانجليزية. ان اراد الناشر كتابا حول الموضوع باللغة الانجليزية عليه ان يحدد المخاطب لأعيد الكتابة من جديد واختار الاسلوب المناسب والمنهجية المناسبة للقارئ المنشود». لقد جاء كلامها تأكيدا لما كنت اشعر به منذ سنوات حول عبثية اتخاذ القرارات واضاعة الموارد في اختيار بعض الكتب للترجمة الى اللغات الاوروبية. هذه الامور يجب ان تؤخذ بجدية ودقة عند الشروع في ترجمة اي كتاب. قبل ايام فقط كنت اراجع احد الكتب المترجمة التي لاقت اقبالا طيبا بأصلها العربي وتأثر بها كثير من الشباب والمثقفين في العالم العربي الا ان اسلوب الكتاب بما يغلب عليه من استطراد واستدراك وتكرار قد يكون مألوفا ومقبولا باللغة العربية وربما يقوي ويدعم الطرح، ولكن هذا الأسلوب، كما لا يخفى على الكثير، غير مألوف في اللغات الاوروبية التي تركز على الدقة والايجاز والموضوعية. ومن يتقن العربية والانجليزية معا ويطلع على الاصل والترجمة سيجد ان الرسالة الاصلية قد ضاعت تماما ولم تصل الى القارئ الانجليزي (مسلما او غير مسلم). وكان من الافضل ان يلخص الكتاب وتعاد كتابته ثم يقرأه الكاتب الذي لديه إلمام جيد باللغة الانجليزية بعد ان يحدد الجمهور المخاطب. اما مستوى ترجمة العديد من هذه الكتب الى اللغات الاوروبية فحدث ولا حرج. ان إشكاليات الترجمة من العربية الى اللغات الاخرى وخاصة الاوروبية كثيرة جدا وتثير الحزن والاسى لما تولده من سوء فهم للاسلام ولقضايا المسلمين. فالكثير ممن يتصدى للترجمة يعتقد خاطئا أن الالمام البسيط بأي لغة ثانية يؤهل صاحبه للترجمة. والعديد ممن يترجم حاليا الى اللغات الاوروبية لا يراعي ابسط قواعد الترجمة. ان الترجمة فن وعلم يحتاج ممارسها الى كفاءات متعددة، اضافة الى اتقان تام للغتين ومعرفة عامة واطلاع جيد على الموضوع الذي تراد ترجمته خاصة اذا كان يتعامل مع قضايا فكرية وفقهية وشرعية. كما ان الترجمة في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية تتطلب كذلك اختيارا دقيقا للعبارات والمصطلحات كي لا تؤدي الى اخلال بالمعنى. ومن الملاحظ في كثير من الاحيان ان المترجم يهمل اجزاء لصعوبة ترجمتها فيسيء الى الموضوع ومؤلفه. ومهما بلغت كفاءة المترجم ومقدرته فأن كل ترجمة تحتاج الى مراجعة وتدقيق يُفضّل ان يكونا من قبل مختص في تلك المادة موضوع الترجمة. واضافة الى ان الترجمة هي علم وفن فهي ايضا امانة يجب ألا ان يقدم عليها الا من كان اهلا لها. وقديما صرخ احد المفكرين الاوروبيين وهو يهتز غضبا: «ايها المترجمون، ايها الخونة». وعندما تتم المراجعة والتدقيق ويؤكد الكاتب نفسه (ان كان يتقن اللغة المترجم اليها) او أي مختص بالموضوع سلامة الترجمة ودقتها لا يعنى هذا ان الكتاب اصبح جاهزا للنشر. فالامر يحتاج الى مراجعة لغوية وهو اختصاص دقيق آخر قد لا يتوفر في كثير من الاحيان للمترجم او المراجع. وأثناء ذلك يجب ان يقوم مختص آخر بالتأكد من ان المعلومات التوثيقية موجودة وان الكتاب خال من اي شوائب او نواقص. كما يتطلب الامر مراجعة اخرى بعد اكمال صف الكتاب وتصميمه للتأكد من ان خطأ بشريا او آليا لم يحدث. ومع الاسف الشديد فان الكثير مما يترجمه وينشره المسلمون في الغرب يفتقر الى هذه الخطوات الاساسية والمبدئية التى تتوخى الانجاز المتقن، ناسين ومهملين عن جهل او عن عدم اكتراث الحديث النبوي الشريف: «ان الله يحب اذا عمل احدكم عملا ان يتقنه». 

ان مخاطبة الناس على قدر عقولها لا تعني تبسيط الخطاب كما يعتقد الكثير فالتحدي الاكبر هو في الارتقاء بالخطاب الى المستوى المطلوب شكلا ومضمونا ليكون له التأثير المنشود. وهذا ما يقصد بالاستعلاء الفكري. فهل هذا متوفر في الخطاب الاسلامي الحالي في الغرب؟ لقد كان العرب في الجاهلية من افصح الامم فاستعلى القرآن الكريم على افضل ما لديهم من بلاغة وفصاحة وشعر وتحداهم في غير موضع ان يأتوا بسورة من مثله (البقرة 23: يونس38). وكان القرآن كلام حق وصدق لا مجازفة ولا افتراء فيه، على عكس اشعار العرب المليئة بالمجازفات والمبالغات والتي لا تحسن اشعارهم الا بها. لا بد من الاشارة هنا الى ان بعضا من العاملين في مجال التأليف والنشر والاعلام وكذلك في مجال الدعوة والتعليم الاسلامي في اوروبا لا يحاول ان يدرس ويفهم بعمق الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي والديني الذي يتعامل معه، ولا يحاول ان يتقن لغة البلد الذي يعيش فيه كي يتمكن من الاستعلاء الفكري وكيف يمكنه ذلك وهو لا يعرف من تاريخ البلد الا النزر اليسير ومن جغرافيته الا القدر الذي يحتاجه للتبضع وللانتقال من اجتماع الى آخر. وكيف يكون اي خطاب مؤثرا او محققا للاستعلاء الفكري اذا كان ركيكا ومليئا بالاخطاء اللغوية او المطبعية، ومع الاسف الشديد فان هذا الخلل موجود في كثير من المطبوعات الاسلامية التي توزع في الغرب. كما ان عدم الالتزام بضوابط في الكتابة والنشر يحافظ على الثبات والتناغم في كتابة الاسماء وبعض المصطلحات او عند ترجمتها حرفيا ينعكس سلبا على تقبل الخطاب والتفاعل معه. وأمامي كتاب باللغة الانجليزية ما زال يتداول في الاسواق وردت فيه كلمة «أمة» مترجمة حرفيا بسبعة اشكال مختلفة! واذا كان النبي موسى عليه السلام وهو نبي مرسل ومكلف قد شعر بالحاجة الماسة الى وضوح واتقان في التعبير لايصال رسالته وتحقيق الغاية منها فما احوجنا اليوم في الغرب الى اتقان التعبير الصحيح والاسلوب الصحيح والكتابة المؤثرة الخالية من الاخطاء اللغوية والمطبعية. 

وبسبب قلة الخبرة وانعدام التخصص تعاني المطبوعات الاسلامية من خلل اضافي في التصميم والاخراج. ولا يخفى على المطلعين ان هذا جانب مهم ومتخصص وان تصميم المطبوعات واغلفتها وحتى اختيار نوع الورق ووزنه ولونه تخضع الى معايير فنية والى اسس وضوابط وليس الى الاختيار العشوائي. فمن الملاحظ في العديد من الحالات ان فردا واحدا يقوم بدور المراجع والمصمم والمحرر والناشر وربما المؤلف ايضا. وتطرح هذه المنتوجات في زمان ومكان وصلت فيهما مستويات الطباعة والنشر الى ارقى درجات الدقة والاتقان والشكل الجذاب الذي يشد القارئ (خصوصا الاطفال والشباب) ويدخل الى قلبه قبل ان يجذبه الخطاب ويصل الى عقله ووجدانه. خامسا) عند التأليف والنشر باللغات الاوروبية او الترجمة اليها، هل يتم فعلا تحديد المخاطب بدقة؟ هل هو الجيل الاول ام الثاني ام الثالث؟ هل هو المسلم الغربي، هل هو المسلم في الهند او الباكستان، او جنوب شرق آسيا؟ ام ان الخطاب موجه الى المثقف غير المسلم الفرنسي او الانجليزي او الالماني، او غيره حيث ان لكل منهم نفسية وخلفية ثقافية وتاريخية مختلفة تماما تتطلب خطابا مختلفا. ان لم نفعل هذا نكون قد اهملنا التوجيه القرآني للدعوة بالحكمة وكذلك التوجيه النبوي بمخاطبة الناس على قدر عقولهم. 

اننا في كثير من الاحيان وفي خطابنا بانواعه واشكاله المكتوبة والمسموعة نخطئ تحديد المُخاطََبْ والتفريق بين مُخاطَبٍ وآخر، وبهذا يعجز المُخاطِبُ عن البيان ويعجز المُخاطبُ (سواء كان مسلما أم غير مسلم) عن الفهم، وينصرف الى كتابات تستطيع ان تحرك فيه الاهتمامات والافكار، وربما تقود الى فهم خاطئ للاسلام ومبادئه ولوضع الجاليات المسلمة وموقفها ودورها واسهامها الايجابي. ورغم انه يجب التخطيط في هذه المرحلة للجيل الثالث الذي بدأت الهوة بينه وبين لغة اهله تتسع باطراد نلاحظ التركيز المستمر على الخطاب باللغة العربية او الأوردية بدل اللغات المحلية التي يفضلها هذا الجيل، شئنا ام ابينا. هنالك العديد من المجلات والمطبوعات الدورية التي تصدر باللغة العربية في اوروبا وتعاني من مشكلة التوزيع والاشتراك ولا تحقق اية ارباح وتصرف عليها اموال طائلة. والتساؤل لماذا نخاطب انفسنا؟ والى اي جيل نتوجه بهذا الخطاب، الاول، الثاني ام الثالث؟ انتوجه به الى القارئ العربي في البلدان العربية لتعريفه بوضع الاسلام والمسلمين في اوروبا، ام انه وسيلة للحصول على الدعم والاسناد المالي وجمع التبرعات من الشرق؟ هل قام الناشرون قبل اصدار هذه المطبوعات والمجلات بتحديد جمهورها ومبررات صدورها بشكل موضوعي مستخدمين الوسائل الحديثة والمتوفرة في مجالات الانتاج والتوزيع والاعلان؟ ان قلة الراغبين في الاشتراك بمثل هذه المطبوعات التي تعتمد على الدعم المالي المستمر وقلة مبيعاتها (واضطرارها للمراوحة ثم التوقف والاستراحة بين الحين والآخر) لهو اكبر دليل على غياب المخاطب الذي تستهدفه. ولماذا لا توفر هذه الكفاءات الشابة النادرة والموارد المتوفرة للاستثمار في خطاب موجه الى الجيل الثالث وهو الجيل الصاعد الذي يحتاجه اكثر من الاجيال الاولى؟ 

* المسلمون والإعلام 

* وفي رأيي ينبغي ان نطرح سؤالين آخرين: 

1) هل لدينا خطاب اعلامي فعال نتوجه به الى الغرب بمختلف شرائحه؟ 2) هل لدينا تصور واضح لكيفية التعامل مع الاعلام الاوروبي ومع وسائله واستغلال الفرص المتاحة؟ ان المقولة او الحجة التي تطرح باستمرار، بان الاعلام الاوروبي والغربي بشكل عام هو اعلام معاد ولا يمكن التعامل معه، تعبر عن قلة في الخبرة والدراية وتحمل التقصير والأخطاء للآخرين. ان هناك قنوات عديدة ومنصفين على قلتهم يمكن الوصول اليهم لو احسنا واتقنا ذلك: اي لو تمت مخاطبتهم بالحكمة والموعظة الحسنة وعلى قدر عقولهم دون مبالغة او عواطف جياشة وصراخ وعويل، وبلغة مفهومة سواء من ناحية الاتقان او حسن التعبير واختيار المفردات المناسبة وكذلك اختيار الوقت المناسب والوسائل المناسبة. ويجرنا هذا الى الحديث عن تكاثر مؤتمرات «الاعلام الاسلامي والغرب» او «الاعلام الغربي والاسلام» التي اصبح عقدها «موضة»، خاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر. ان مناقشة موضوع الاعلام والاسلام ليس ظاهرة حديثة ويبدو ان الهجمة الحالية دفعت الكثير من المتحمسين وكردة فعل الى التنافس في عقد مؤتمرات جديدة. ورغم الاهمية القصوى للموضوع لم يعط الاولوية والاهمية المطلوبة في المراحل السابقة بل اعتبره البعض، اضافة الى دراسة الآداب واللغات الاوروبية والعلوم الاجتماعية والانسانية، نوعا من الترف الفكري والعيش في قصور عاجية ومضيعة للوقت وجهود الدعاة! الا ان ما يحدث حاليا هو تكرار واجترار في كثير من الاحيان لما سبق ان كتب وقيل قبل سنوات بل عقود رغم قلته ومحدوديته. لقد كان من الواجب ان يعطى موضوع الاعلام ومنهجية الخطاب المطلوب الاولوية القصوى فتعقد له الندوات المتخصصة وتعد له الدراسات ويشجع الشباب على دراسته والتخصص في مختلف جوانبه. ومما يثير الدهشة ان اكثر من يحاول ان يتصدى لهذا الامر الهام حاليا هو من الهواة، فهو لا يتقن لغة اوروبية وليس لديه معرفة بالواقع التاريخي او الثقافي او السياسي او النفسي الا بالقدر الذي يطلع عليه مترجما في مطبوعات تصدر في بلاده الاصلية، فيأتي الاسهام مشحونا بالعواطف والاخطاء ويركز على العموميات والمسلمات. ان ظاهرة عدم احترام التخصص وتغليب التطرف او الحماس العاطفي على العمل المنهجي المتخصص قد ادت الى اضاعة الكثير من الموارد والى احداث اشكاليات عديدة. قبل سنوات عقد مؤتمر عن «الاعلام الاسلامي في اوروبا» في احدى الدول الاوروبية. ومن حضر المؤتمر كان يتوقع ان يجد اعلاميين ممن لديهم تجارب في العمل في الدول الاوروبية. ولكن لم يشارك في المؤتمر (الذي كان باللغة العربية) الا بعض رموز العمل الاسلامي العرب وبعض المتطفلين على الاعلام ولم يكن عدد ما قد يطلق عليهم «اعلاميون» يتجاوز سبعة اشخاص، ثلاثة منهم مارسوا الاعلام العربي الموجه الى العالم العربي من اوروبا و ثلاثة مارسوا «نوعا من العمل الاعلامي» في العالم العربي والسابع كان خريجا جديدا حصل على شهادة الماجستير في الاعلام من جامعة اميركية ولا خبرة او دراية له باوروبا، ولم يكن حتى قد بدأ تجربته الاعلامية. وفي الواقع كان معظم الحضور متطفلا على الاعلام. ورغم وجود تجارب عميقة مارست الاعلام في الغرب وبلغاته، لم يحضر بل ربما لم يدع من يمثلها. وعلق بعض الحضور بان المؤتمر كان يجب ان يطلق عليه «الاعلام العربي لحركة سياسية في اوروبا» لأن هذا ما عرض وبحث: نشرات ومطبوعات دورية شبه داخلية مما يتداوله ربما المؤيدون والاتباع ويتم اصدار بعضها بواسطة الآلة الكاتبة أو الحاسوب. 

لا بد ان نقر بان الاعلام الاسلامي في الغرب ما زال ضعيفا جدا ويحتاج الى مراجعة جذرية عاجلة والى استراتيجية منهجية ومبرمجة تشجع على التخصص في كافة وسائل الاعلام واشكاله وادواته وفي التاريخ واللغات والآداب والفلسفة الغربية. وحتى لو توصلنا الى تطوير الخطاب والافكار المناسبة فان الاعلام سيكون له الدور الرئيس والاساسي في ايصالها والترويج لها. وربما يكون مناسبا ان نشير هنا الى أ.ف.هايك الذي اثرت كتاباته في المفكرين الغربيين، ووجهتهم خلال الاربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي عندما كانوا يسعون لتثبيت دعائم الفكر الليبرالي والاقتصاد الحر. والفقرة التالية هي ايجاز لاحدى اهم رؤاه الاستراتيجية: «انها في نهاية المطاف معركة افكار. والمثقف سواء أكان صحافيا ام روائيا ام منتج افلام ام غير ذلك، له وظيفة مهمة جدا، فهو الذي يترجم افكار وآراء المفكرين وينقلها الى الجمهور الواسع. انه المصفاة التي تفرز ما نسمعه، وفي اي وقت نسمعه، وكيف نسمعه». وحري بكافة العاملين في هذا المجال والمهتمين به سواء في الغرب او حتى في العالم العربي والاسلامي ان يدرسوا بعمق تجربة مجلة «المختار» التي تمكنت بسعرها المناسب وطباعتها الجذابة وطرحها للافكار السياسية والاقتصادية والفلسفية والاجتماعية بلغة مبسطة وباسلوب شيق جمع بين الصورة والطرائف والتجارب الشخصية الحقيقة والخيال ورسوم الكاريكاتير..الخ، من الوصول الى مئات الملايين من البشر وباكثر من مائة لغة. وربما كانت افضل اداة لايصال ونشر الفكر الليبرالي والاقتصاد الحر في كافة ارجاء العالم عندما لم يكن للتلفزيون او حتى للمذياع الدور الذي يلعبانه حاليا. 

* إشكالية الخطاب العاطفي الانفعالي 

* ان حرارة الخطاب الاسلامي في الغرب كثيرا ما ترتفع الى درجة الانفجار والمبالغة فتتحول اللغة العلمية المؤثرة والتي تتناول القضايا الفكرية والفقهية والعقدية والسياسية والدعوية الى لغة خطابية متطرفة ومتشنجة تفتقد الى الحكمة والسداد والقول الحسن ولسان الصدق. وبذلك تتخلى عن التوجيهين القرآني والنبوي، مما يزيد الهوة التي تفصل بين المسلمين وغير المسلمين وبين المسلمين انفسهم بمختلف فئاتهم وتوجهاتهم وتجمعاتهم. كما ان الكثير يخلو ذهنهم تماما او يكاد من ابسط شروط الخطاب العاقل والمؤثر ومعظمهم مع ذلك مقتنعون بطرائقهم ووسائلهم المحلية والحركية ومصرون عليها ويرون في مخالفتها ضربا من العبث او الخروج على اصول ومنهج الخطاب المستورد الذي شبوا وشابوا عليه، فيصبح بينهم وبين الخطاب المؤثر ما يستحيل التجاوز عنه، وهم على استعداد لخوض معارك طاحنة للدفاع عن منهجية خطابهم بكل ما يجره ذلك من مشاكل وتعقيدات للجاليات المسلمة في الغرب ومن ضرر على الاسلام نفسه. اضافة الى أن الازدواجية الممجوجة التي يعاني منها احيانا الخطاب الاسلامي في الغرب وينتقده عليها بحق العديد من الجهات الاسلامية وغير الاسلامية حيث تثير الاتهام بالنفاق وعدم المصداقية اضافة الى انفصام الشخصية وعدم الولاء وتذبذب الانتماء، بينما اكد القرآن الكريم في توجيهاته على خطاب صادق وسديد لا مجافاة فيه ولا ازدواجية ولا خداع. 

لقد حقق الخطاب الاسلامي في الغرب انجازات مهمة خلال العقود الماضية في ظروف صعبة واجهت وما زالت تحديات عديدة داخلية وخارجية. ولم تكن الغاية مما ورد اعلاه الانتقاص مما تم حتى الآن ولكنه محاولة متواضعة لتوجيه الانتباه الى بعض السلبيات والابعاد الغائبة التي تقف عائقا امام تحقيق قفزة نوعية في تطوير هذا الخطاب وفي طرق ايصاله الى المسلمين من ابناء الاجيال الجديدة التي نمت وترعرعت في الغرب والى غير المسلمين ممن نعيش بينهم ونتواصل معهم.
 

 

 

 

21-10-2005 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=405