/

 

 

هل مشكلاتنا مع العالم ثقافية حقًّا؟

معتز الخطيب

يحاول الأوربيون والأمريكيون تشخيص مشكلتنا - نحن المسلمين - مع العالم على أنها مشكلة ثقافية؛ من خلال الإلحاح على مسائل "دمج" المسلمين في البلدان الغربية، وربط العنف أو الإرهاب بالإسلام. ويبدو الإسلام الآن في وعي هؤلاء أهم مصادر الاضطراب الأمني، الحالي والمستقبلي. وفي هذا السياق تأتي تفسيرات الإرهاب بأنه يعبر عن انزعاج ثقافي عميق في العالم الإسلامي، وأنه يرمز إلى انهيار شامل للهوية!. وأطروحة فوكوياما عن نهاية التاريخ، وهنتنغتون عن صدام الحضارات هما أطروحتان تعتمدان التأصيل الثقافي وإن كانت أهدافهما سياسية واستراتيجية. 
ويمكن رَدّ الأبعاد الثقافية والاستراتيجية للصراع مع الصحوة الإسلامية إلى مطلع الثمانينيات في كتابي الروائي نايبول "بين المؤمنين" الذي دعا إلى تصعيد ذلك النزوع العدواني تجاه الإسلام باعتباره خطرًا على الاستقرار والتعايش في العالم، وإدوارد سعيد "تغطية الإسلام" الذي نبه إلى خطورة تلك العدوانية الثقافية والاستراتيجية على المسلمين. كما بدا ذلك أيضًا في أطروحة "أنثربولوجيا الإسلام" التي قادها أرنست غلنر في "أصولية الإسلام التأسيسي" وكليفورد غيرتز في "تشرذم الإسلام وفوضاه الضاربة" في العقود الثلاثة الأخيرة.
وبناء على التفسير الثقافي، بل والديني أيضًا، تبدو التحركات الأميركية عبر السنوات الماضية مفهومة، فلم يكن الحديث عن تجديد الخطاب الديني (الإسلامي) وتغيير مناهج التعليم الديني، وإقامة المحطات الإعلامية لنشر الخطاب الأمريكي مباشرة وتصحيح الصورة، والحديث عن حرب الأفكار، خارجًا عن هذا السياق.
فالتشخيص الأمريكي لمنشأ الإرهاب وأن أسبابه "ثقافية" – بالمعنى الأنثروبولوجي - جعل من الدين الإسلامي قضية مركزية في مشروعها للإصلاح، بغية ردم تلك الفجوة بين الغرب والشرق الإسلامي. ومن ثم أُطلق على الحرب "حرب الأفكار" أو "حرب المبادئ".
وتلخص الإصلاح الديني - وفق المنظور الأمريكي - في "تحديث الإسلام" لحل إشكالية "الإرهاب الإسلامي"، ووجدت خطابات أمريكية رسمية أو شبه رسمية تدعو لإنشاء "إسلام ليبرالي" يتم فيه فصل الدّين عن الدّولة، ويتقبل الدّيمقراطيّة، وحقوق النساء والأقلّيّات، وحرّيّة التّفكير والتّقدّم، وقبول الآخر، ونبذ العنف. 
الارتباط المدعى بين التعليم الديني التقليدي والتطرف، مقولة تحوز من السذاجة على نصيب وافر، ففضلاً عن أن عامة قادة التنظيمات العنفية ليسوا من خريجي مؤسسات التعليم الديني، وأن عددًا من منفذي 11 سبتمبر هم من دارسي العلوم التطبيقية، فإن ملامح فقه العنف لدى هؤلاء، تدل على أن قلة التعليم الديني هي المشكلة وليس التعليم الديني نفسه، وأن العقلية التقنية لمن يتدينون - بعد تسيب - من دارسي العلوم التقنية والتطبيقية تحملهم على التشدد والأحكام المنقوصة والمشوهة، كما أن التدخل السياسي الذي يراد له أن يتم لتنقية هذه المناهج، هو نفسه من أبرز العوامل لإنتاج العنف والتطرف، فقد أدى تسييس المؤسسة الدينية وإضعاف دور العلماء للسيطرة على الخطاب العام، الذي اكتمل منذ نهاية الستينيات – باستثناء السعودية وقتها – إلى فقدان المؤسسات الدينية استقلاليتها بالنسبة للسلطة، بحيث أصبحوا من موظفي الدولة، التي تلزمهم بتأييد خياراتها السياسية أو السكوت عنها على أقل تقدير، كما أن ضمَّ المدارس والمؤسسات الدينية والسيطرة على الشأن العام أدى إلى بروز ما يسميه المستشرقون "الإسلام الرسمي" الذي أفقده قربه من السلطة وتبعيته لها مصداقيته وشرعيته الدينية، ومن هنا كان استيلاء الدولة على المرجعية الدينية أحد مصادر نشأة العنف، بنشوء مرجعيات دينية تتغذى مصداقيتها وشعبيتها من شدة بعدها ومعاداتها للدولة في مقابل سحب شرعية "فقهاء السلطة" والمؤسسات التقليدية لكونها "مؤسسات سلطة" متهمة بالانحياز. 
وغني عن القول: أن تنظيم القاعدة بالأساس هو أحد مفرزات ذلك التلاعب بالإسلام من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ومع ذلك فقد همّشت هذه المسألة في التحليلات التي تناولت الإرهاب والقاعدة في حين راحت تعزوه لتفسيرات دينية وثقافية!.
إن التفسير الثقافي ينظر بعين واحدة فقط، ويتجاهل المشكلات السياسية، فضلاً عن أن ظواهر العنف والتحديث وغيرها ظواهر اجتماعية معقدة لا يمكن تفسيرها بعلة واحدة أو من زاوية واحدة فقط، هذا فضلا عن التعددية والتنوع في الإسلام، وفي الجماعات الإسلامية الناشطة والتجارب الإسلامية، فهذا التنوع يكشف بوضوح مدى قدرة الإسلام وتعدد التفسيرات واختلافها في سياقات محددة. وبالرغم من كل ما يقال عن المرجعية النصية لدى التنظيمات العنفية فإن خطاباتها مفعمة بالإحالة إلى مشكلات سياسية واقعية وحقيقية ما يعني أن مصدر العنف هو الواقع وليس شيئًا آخر.
 

 

 

 

13-10-2006 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=416