/

 

 

10 سبتمبر: يومٌ شاغر لمستقبل مختلف

احميدة النيفر

يَحكي القزويني في" آثاره" حكاية عن دَيْر مبنيٍّ على قمة جبل الجوديّ الذي استوت عليه سفينة نوح. يقول إن هذا الدَير مبنيّ من زمن نوح لم تتجدد عمارته، ويضيف :" زعموا أن سطحه يُشَبَّـــــر فيكون عشرين شِبرا ثم يُشبَّر فيكون اثنين وعشرين شبرا ثم يشبّر فيكون ثمانية عشر. فكلّما شُبِّـر اختلف عدده".
تحضرني هذه الحكاية مع ذكرى هجمات سبتمبر لأنّ تلك المأساة تضعنا في مواجهة مأزق يماثل مأزق تشبير سطح دير جبل الجوديّ. 
أيًّا كان حكمنا على الأحداث التي هزّت الولايات المتحدة الأمريكية ذلك اليوم فالمؤكد أنّ 11/9 صار كدَيْر الجبل، كلّما أُعيدت قراءته اختلف النظر إليه.
منذ سنة 2001 يُقبل يوم 11/9 حاملا معه حصيلة جديدة لعام مُثقَل بأحداث تضطرّ إلى إعادة تقدير دلالات ذلك اليوم تعديلا ومراجعة.
مع ذلك سيظلّ ذلك اليوم "تاريخيّا". ما نعنيه بصفة التاريخي في مستوى أول الدلالةَ التي ذهب إليها المؤرخ التونسي هشام جعيط حين قال " إن التاريخ يتقدّم من أحلك جوانبه". كان بذلك " يعلّل" ظاهرة انتشار الحركات الإسلاميّة التراثية. لعلّ مقصده لحظتئذٍ أن التاريخ ليس عقلا وأنّ العوامل الأكثر فاعليّة فيه قد تخفى عن كل حسبان.
مع ذلك فيوم 11/9 يظلّ يوما تاريخيّا بالمعنى الآخر الذي يرى في التاريخ التعبيرَ البارز عن حركة الفكر الإنساني وعمّا يعتمل في الأحداث من مقاصد. لذلك فلا يمكن حين نريد " تشبير" ذلك اليوم أن نقتصر على مجرّد الاستعراض معرضين عن التحليل و بيان للأسباب.
مع ذلك فقد تبيّن أن حدثا بفظاعة ذلك اليوم لم يحظ بوفاق بين أهمّ من قرؤوه.
اتضح تمايز أوّل بين قراءتين في السنتين التاليتين للأحداث حين احتدم النقاش بين الإدارة الأمريكية وبين من خالفها من المسؤولين الأوروبيين و عدد من المفكرين الغربيين. يمكن تلخيص الخلاف بين توجّهٍ لا يرى فيما حصل سوى جريمة مُنكَرة ينبغي تعقُّبُ الجناة فيها أينما كانوا وبين من يرى - موازاة لذلك – أن الحادثة ذات حجم تاريخي فهي محتاجة إلى تحديد الدوافع السياسية والاجتماعية والثقافية المختلفة التي تكمن وراءها.
بعبارة واحدة، كان الخلاف في هذا المستوى دائرا في الغرب بين من يحصر المسألة في: " كيف" و بين من يرى أنّ العناية ينبغي أن تتجّه أيضا إلى: "لماذا". 
ضمن تيار الليبرالية العولمية كان البحث عن: لماذا اقتُرِف هذا الجرم ؟ هَذَرًا مضيعا للوقت يُبرز تخاذل"أوروربا العجوز". ذلك ما عناه أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكيّة عندما قال : لسنا معنيين بسؤال : لماذا؟ 
في الجانب الآخر من المشهد وفي الفضاء العربي الإسلامي تحديدا كان التمايز في القراءات قد تمحور حول مقولة محاربة الإرهاب وضرورة تحديد مفهوم هذا الأخير. لكنّ التمايز هنا ظلّ أقلّ وضوحا و تأثيرا بسبب أزمة النظام العربي في تحقيق تكتّل أو مبادرة فاعلين. 
إثر الأعوام التي تلت 11/9 مباشرة و ما واكبها من حرب على أفغانستان ثم احتلال للعراق و محاصرة الوضع الفلسطيني بدت أنّ عوامل تدمير البلاد العربية ناجمة عن مخاطر خارجيّة أوّلا و أنّها ذات طبيعة سياسية دوليّة يجسّدها توسّع نظام عالمي أحادي القطبية ثانيّا وأنّها تستهدف تدمير الإسلام معتقدا وقيما وتاريخا قصد سلب المسلمين ثرواتهم والهيمنة على مقدراتهم. لذلك فإن الوعي العربي الإسلامي عند تشبيره لأحداث 11/9 في تلك السنوات انتهى في الغالب الأعمّ إلى ضرورة مجابهة سياسة الولايات المتحدة ومصالحها بكل الوسائل على اعتبار أنّها العدوّ الأساسي للعرب والمسلمين. في الاتجاه المعاكس كان تقويم الوضع لدى الأقليّة بأنّ الوقوف مع الولايات المتحدة رمز الديموقراطية هو المخرج الوحيد من سياسات القهر والجمود والتبعية. 
أهمّ ما في هذا التشخيص أنّ الموقف "الجهادي" شأنُه شأن التوجه الديمقراطي استبطن مقولة " صراع الحضارات " التي تُسوِّق حتميةَ زعامة الولايات المتحّدة للعالَم. ذلك صريح في خطاب الديمقراطيين العرب و نجده واضحا لكن بصورة معكوسة لدى الجهاديين الذي اعتبروا أنّ تفجير بُرجَي التجارة العالمية ينبغي أن يفضي إلى "حفر قبر أمريكا في أرض العرب".
بعد سنوات من هذا التشبير الأوّل تغيّرت مقاطع الصورة مؤكّدة أنّ القوة العظمى الوحيدة فقدت كثيرا من هيبتها نتيجة حروب خرقاء. الأهمّ كان اتّساعَ دائرة الضوء بما كشف أنّ استعمال القوّة العسكرية بصورة مستمرّة و الانحياز الكامل لإسرائيل يؤشّران على تفتّتٍ عضالٍ يتجاوز المجالين العسكري و السياسي. 
أضحى الجبّار الأمريكي الذي لايشَقُّ له غبار أقرب إلى عملاق قدماه من فخّار : اتّضح أنّ الولايات المتحّدة مصابة ومنذ سنوات بنفس مرض الأمبراطورية الرومانية: سطوةٌ في الخارج وتآكل في الصميم. إنّها تستهلك أكثر ممّا تنتج وتستورد أكثر ممّا تصدّر وتقترض أكثر ممّا تُقرِض، تحتاج إلى ملياري دولار توفّرهما من الخارج لتوازن ميزانها اليومي ولا تتمكّن من ذلك إلاّ بفضل تحكّم شبه كامل في الحركة العالمية لرؤوس الأموال. لقد تبيّن أنّ سرّ الهيمنة الأمريكيّة ليس لأنّها القوّة المحرّكة للتنميّة والتقدّم و لكنّ لكونها أكبر مستهلك لمختلف المواد و المنتجات و لأن ميزانيّتها للدفاع تعادل ميزانيات دول الحلف الأطلسي مجتمعة. من جهة أخرى فإن ما تسجّله الولايات المتحّدة من تفوّق في قطاعات محدَّدة كالصناعات الحربية والتقنيات الجديدة وغزو الفضاء لا يرجع إلاّ إلى الدعم المتدفّق من الأموال العامّة وليس نتيجة حركيّة تنافسيّة عاديّة للسوق. في كلمة، تبيّن أنّ ازدهار الولايات المتحدّة المالي والاقتصاديّ وَرَمِيٌّ و رهينُ علاقات غير متوازنة وغير عادلة مع العالَم. لا غرابة عندئذ إن تبنّت إحدى كبريات الصحف العربيّة الدوليّة مقولة: الدولار الأمريكي مريض فتعلَّّمْ المضاربة بالعملات الأخرى.
في ذات الاتجاه يأتي إعلان الجهات الرسمية بالكويت نهايةَ شهر ماي 2007 قرارها فكّ الارتباط بين الدينار الكويتي والدولار الأمريكي و اعتمادها مستقبلا في مبادلاتها المالية على سلّة من العُملات؛ أن يحصل هذا من الكويت تجاه العُملة الأمريكية بعد حرب الخليج وبعد أربع سنوات من الارتباط بين العملتين أمر يستدعي كل التأمل في عمليّة تشبير جديدة لأحداث11/9. نظير هذا قرارُ مجلس التعاون الخليجي إصدارَ عُملة موحّدة لدول الخليج انطلاقا من سنة 2010 بالتنسيق مع البنك المركزيّ الأوروبي.
عند اعتمادنا رؤية استراتيجية، تتجنّب التعميم وتسعى إلى قدر من الموضوعيّة والتركيب لجملة العناصر السياسية والاقتصادية والثقافية الفاعلة ضمن تحليل دقيق للمشهد العالمي وتغييراته الكبرى، يتبيّن أن العاهة الثانية للعملاق الأمريكي تتحدّد في المستوى الدولي.
يذكّر الباحث الإستراتيجي "باسكال بونيفاس"( Pascal Boniface) ، الخبير الفرنسيّ البارز في العلاقات الدولية في كتابه " فرنسا في مواجهة الأمبراطوريّة" أنّه آن الأوان – في المجال الدولي- للخروج من طور الإيديولوجية إلى طور السياسة. يقول مدير "معهد الأبحاث الدولية والإستراتيجية" في باريس : ليست الرؤية الأحادية للعالم التي تتبناها الولايات المتحدة والتي تنصّب بمقتضاها نفسها السلطة الدولية العليا صاحبة القرار المُلزم للجميع وليدةَ أحداث 11/9 . إنها تستمد قوّتها من مرحلة نهاية الحرب الباردة وسقوط النظام الشيوعي لكن جذورها تعود إلى سنوات استقلال الولايات المتحّدة في القرن الثامن عشر. لذلك فإنّ المحافظين الجدد الذين ظهروا تيارا إيديولوجيا في سبعينات القرن العشرين لم يزيدوا على الأفكار الطهورية المسيحيّة للآباء المؤسسين إلاّ أضافات حديثة طفيفة. 
تتحدد معضلة المسؤولين في الولايات المتحدة- جمهوريين و ديموقراطيين- في المستوى الدولي في رؤيةٍ للعالَم ذاتِ تميّزٍ لاستثنائيّة أمريكا في تقديرهم: " تلك الأمة الوحيدة التي لا يُستغنى عنها". هذا الاعتقاد الراسخ في الشرعية التامّة للموقع الأمريكي دوليا هو ما يفسّر رفض التوقيع على اتفاقيّة "كيوتو" المتعلّقة بالبيئة و مقاطعة مشروع تكوين محكمة جنائيّة دوليّة. ما تنتظره الإدارة الأمريكية من القوى المتوسطة الأوروبيّة مثل فرنسا وألمانيا وروسيا و الآسيوية مثل اليابان هو مشاطرة رؤيتها الدوليّة والسير في ركابها تأييدا و دعما. 
ما تكشّف بجلاء في السنوات الثلاث الأخيرة هو أن هذه الرؤية الأحادية ما عادت تلقى التأييدَ المطلوب من الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا بل وتركيا الحليف الأطلسي. بذلك انكسرت مقولة الدولة الصَمَدية لتبدأ في مزاحمتها فعليا مقولة عالَم متعدد الأطراف والأقطاب، عالم مستند إلى قانون ومنظمات دوليّة تسعى إلى التعاون والعدل. عندما انكفأت مقولة الاصطفاف وراء الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب تهاوت حجيّة توظيف 11/9 دوليا.
عندئذ طُرحت في البلاد العربية جملة أسئلة عن:
- سلامة الرؤية القائمة على مركزيتين ثقافيتين متصارعتين في العالم.
- جدوى الجدل بين القائلين بأن المخاطر المحدقة خارجيّة أساسا وبين من يراها داخليّة. 
- طبيعة الصراع المحتدم في منطقة الشرق الأوسط و صحة ما يقال عن مركزيته دوليا. 
- دلالة التحوّلات الاجتماعية والسياسية في عدة دول من أمريكا اللاتينية. 
- كيفية التعبير عن الخصوصيات الثقافية والدينية للعرب والمسلمين فيما بعد الحرب الباردة. 
ما زاد في تحفيز هذه التساؤلات عاملان متناقضان :انزواء الأفق العربي إلى درجة استسهال الإقبال على الموت عوض الرهان على الحياة، يبرز ذلك في عدمية الصراع الطائفي. في المقابل نجد بنائيةَ المقاربة "الإسلامية" لحزب العدالة والتنمية في تركيا القائمة على معالجة اقتصادية عوض التوجّه الإيديولوجي-السياسي السابق. 
في عبارة موجزة يمكن القول إن تشبيرا جديدا لـــ11/9 ينتهي إلى ملاحظتين :
-أنّ تفجيرات 11/9 أفضت أساسا إلى تفجير العالَم العربي وغرقه في عبثية فاجعة.
- أنّه لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا لتأكّد اعتماد يوم 10/ 9 وليس اليوم الموالي. 
الانطلاق من يوم 10 يمكن أن يتيح للمجتمعات العربيّة تراكما ذكيّا وواقعيّا لتجارب وطنيّة و قوميّة بعيدا عن الوثوقيات الإيديولوجيّة و فتنة الإسلام السياسي الحالم المدمِّر للذات. إنّه يوم انبجاس السياسة على حقيقتها: طِبابة الجسم الاجتماعي وانفتاح على الآخر والمجال الأفضل لحراك الفكر والثقافة.
 


 

 

29-09-2007 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=424