/

 

 

تحديث الإسلام والفكر الإسلامي: مشروع أركون بين العرب والآسيويين

عبد الرحمن الحاج

التجربة النقدية للمفكر الجزائري محمد أركون كما تصفها كتاباته تمثل أحد مشاريع «تحديث» الإسلام الجديدة، غير أنها ظهرت نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، أي في وقت كان الفكر اليساري والماركسي سائداً، وكل المشاريع النقدية وإعادة القراءة للإسلام والتراث الديني الإسلامي كانت تتم في إطار رؤية أيديولوجية مستحكمة، وهي - في العموم - تقوم على نقض الإسلام وتراثه، وليس على بناء مشروع لتحديثه وأنسنته، حتى ولو زعمت ذلك، ثم هي تستند الى منهج ماركسي يقرأ التاريخ والتراث على طريقة قص الرؤوس لتلائم العمائم التي يلبسونها، في حين أن دراسة أركون تقوم على فكر ليبرالي قادم من أوروبا الغربية، الفكر الذي فارق العالم العربي منذ بدء المد اليساري الماركسي الثوري في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم.

مشروع محمد أركون بهذا المنظور يمثل مشروعاً مهماً، كونه يستأنف البحث على أرضية المعرفة الغربية الليبرالية المتنوعة والدراسة الاستشراقية الأوروبية، ومن الطبيعي أن يحظى هذا المشروع باهتمام كبير نسبياً في الأوساط العلمية الأكاديمية والثقافية العربية، وقد كتب عنه عدد من الرسائل والأطروحات الجامعية يتجاوز العشرة، فضلاً عن المؤلفات الفردية والمقالات النقدية، غير أن هذا الاهتمام في العالم العربي كان عابراً، يُتسم بالنخبوية، ولا يضرب بجذوره في أوساط أكثر جماهيرية، ربما بسبب لغته المتعالية وأدواته المنهجية المعقدة، لكن المثير في الأمر أنه في الوقت الذي بقي مشروع أركون «قولاً بين الأقوال» المتكاثرة في العالم العربي التي تلوكها النخبة المثقفة، فإنه حظي باهتمام استثنائي في جنوب شرقي آسيا، لا سيما أندونيسيا، وفي الجامعات والكليات الإسلامية بالتحديد، وربما كان السبب في ذلك الحاجز اللغوي بين النصوص الدينية والتراث الإسلامي المكتوب بمجمله بالعربية وبين لسان أهل المنطقة الناطق بالمالايوية، إضافة إلى ذلك ساعدت الحكومة العلمانية في نشر أنماط من الفكر التحديثي في سياق مكافحتها الأصولية الدينية المتشددة، في حين كانت دول أخرى في جنوب شرقي آسيا (ماليزيا) قائمة على حماية الإسلام وتراثه وليس محاربة الفكر الديني، الأمر الذي حال دون تمكن الفكر الأركوني وأشباهه من اقتحام النخبة العالمة والمثقفة فيها.

لاحظ أركون وهو يعدّ لتسجيل أطروحته للدكتوراه في السوربون أن حصول نزعات عقلانية في التاريخ الإسلامي واقع لا يمكن ان ينفيه أحد، إلاّ أن المشكلة تكمن في اعتبارها نزعات عابرة غير قابلة للدراسة التاريخية والسوسيولوجية على النحو الذي حصل في أوساط البحث الاستشراقي؛ لأن الاستشراق خصوصاً الفرنسي استمّر خاضعاً إلى «الموضوعية التاريخية المتعالية» (على حد تعبير ميشيل فوكو) التي يولدها المفهوم الحظي والتراكمي للتاريخ، إذ لا يبدو الحاضر إلاّ استمراراً للماضي.

وإذا كان أركون قد لاحظ ذلك، فإن اهتمامه بالأنسنة العربية يعود إلى رغبته في تثبيت تاريخٍ آخر «للحداثة» - كما سيدعو إلى ذلك لاحقاً في سياق نقده المركزية الأوروبية - يمر عبر الحضارة العربية الإسلامية، ويتكثَّف في ثقافة متوسطية، وبالتالي حدَّد هدف دراسته الأولى في إثبات النزعة الأنسية العربية الإسلامية (من خلال كتاب مسكويه والتوحيدي).

وجد أركون في مدرسة الحوليات الفرنسية - التي كان قد عرف أحد مؤسسيها (لوسيان فيفر) في مطلع الخمسينات في الجزائر - نظرة جديدة الى التاريخ مكنته من «إعادة قراءة النزعة الأنسية على أنها لحظة تاريخ أصيلة وليست عابرة على مسار تاريخ خطي»، فالتاريخ أصبح ينظر إليه من منظور كلي، وكما يؤكد أركون فإن تأثره بالحوليات الفرنسية كان «لأسباب نفسية وعلمية محددة».

وإذا كانت مهمة إثبات نزعة الأنسنة العربية كنزعة أصيلة مهمة أولية في بحث أركون، فإن تفسير توقف هذه النزعة كان المهمة اللازمة لذلك، إن الإجابات الاستشراقية السهلة وليدة علل المنهج الاستشراقي التاريخوي نفسه، ما وضع أركون أمام ضرورة استخدام مناهج جديدة للقيام بتحريات عميقة مقنعة في تفسير الفشل الذي انتهى إليه التيار الإنسانوي العربي في وقت كانت منهجية الاستشراق لا تسمح بإدخال المنهجيات أو الإشكالات الجديدة التي كان يُسمع صداها خارج جدران الأقسام المحافظة والتقليدية في السوربون. وكان مفكرون ثوريون كبار قد شغلوا بها الساحة الثقافية الفرنسية، والمفارقة أن في الوقت الذي نظَّرت البنيوية الى موت الإنسان وانحلال الذات الإنسانية (فوكو) استخدمها أركون لإنجاز بحثٍ عن النزعة الإنسانية!.

وإضافة إلى نزعة أركون المتمردة (كما يؤكدها في عدد من حواراته وكتبه) فإن ضيق المنهج الاستشراقي وحصاره العلمي جعله يجد في فتوحات المعرفة في أواسط الخمسينات ما يساعده في إنجاز دراسته، التي وبسبب ذلك حالت دون إمكان إقامته مناقشات أكاديمية حول موضوع الفلسفة الإنسانية إلاّ مع فئة نادرة من الباحثين.

في الواقع إن بحث الأنسنة في الفكر العربي عند أركون سرعان ما تحول إلى مشروع فكري؛ فهو من جهةٍ يسمح بالتفكير في استعادة «نزعة الأنسنة» وإيقاظ الوعي الإسلامي بذاته، ومن جهة أخرى أسس هذا البحث لعلاقة متوترة بالمستشرقين ومناهجهم الكلاسيكية، ما وضع أركون أمام تطورات محتملة لم يتوقف عن الدخول فيها.

تأكد أركون في تجربته ببحث الأنسية العربية من عدم كفاية «القواعد الأكاديمية المعترف بها في البيئات العلمية» الاستشراقية الكلاسيكية، والتي يجد أن إصرار «الإسلاميات» - بما هي «خطاب غربي حول الإسلام» يهدف إلى «العقلانية» في دراسة الإسلام - عليها يرجع إلى أن معظم ممارسيها بقوا متضامنين مع الرؤيا التاريخية والعرقية - المركزية، التي تمثل استمراراً لحضور الممارسة في عهد الاستعمار التي كانت قد خضعت للنموذج الديكارتي الذي يدعو الى المعادلة الآتية: «أن تفهم أو أن تعرف = أن تتأهب للشيء من أجل السيطرة عليه»، ولهذا السبب يعزو أركون عدم خضوعها لأي تأمل منهجي.

في إطار الإسلاميات التطبيقية يتحدث أركون عن «سوسيولوجيا للإسلام»، و «عصر جديد للثيولوجيا»، و «مقاربة تاريخية للتراث»، و «الأنثربولوجيا الدينية»، و «إعادة قراءة القرآن»، و»الأنثربولوجيا التطبيقية»، لتدشين «تأصيل وتجذير للإسلام في أرض المعرفة الوضعيّة». وهكذا وجد نفسه مشرعاً على الدخول في دراسات كبرى للعقل الإسلامي تمتد من لحظته المعاصرة إلى لحظة انبثاقه؛ فالإسلاميات التطبيقية - إذ تقوم بدراسة الفكر الإسلامي المعاصر تمسُّ المشاكل الحارقة للمجتمعات الإسلامية، وحاجاتها الراهنة وتناقش مفاهيم الحداثة الغربية ذاتها لإغناء الإشكالية المتعلقة بالحداثة.

لقد حاول أركون من خلال نقده الاستشراق ودعوته الى مشروع «الإسلاميات التطبيقية» فتح طريق جديد، وميادين مهملة أو منسيّة في البحث عن الفكر العربي الإسلامي، لكنه لم يلبث أن وجد نفسه أمام النتيجة المنطقية للإسلاميات التطبيقية وهي «نقد العقل الإسلامي»، مستفيداً من مصطلحات الفيلسوف الفرنسي فرانسوا فورييه في كتابه «إعادة التفكير في الثورة الفرنسية» الذي كان أول من استخدام مصطلح «نقد العقل» من أجل هدف تاريخي.

وكما وجد نفسه أمام مشروع جديد، وجد نفسه وقد تحوّل من مجرد مؤرخ للفكر الإسلامي إلى دور «المثقف المفكر» (كما يصف نفسه) الحداثي الذي ينظر إلى الإسلام على أنه «لم يعد النظام المرجع الذي لا يمكن تجاوزه، بل هو حاجز يمنع اكتساح حركة عصرية مكروهة ومرغوبة في آنٍ واحد»، ويناضل - بحسب تعبيره - من أجل فتح العقليات المغلقة وتحريرها من «السياج الدوغمائي».

كانت «إعادة قراءة القرآن» قبل مشروع «نقد العقل الإسلامي» مجرد استكشاف لقدرة القرآن «في إطار العصرنة والتحديث [على] إكمال مهمته كمرجع تشريعي عالٍ» لكنها تتحول في نقد العقل إلى «نقد تاريخي» على شاكلة النقد التاريخي الأوروبي للأناجيل، والطريف في الأمر أن لا يحيل أركون هذا التحول الجديد إلى نضوج فكرة نقد العقل الإسلامي، وإنما إلى كتابات دانييل روس عن الأناجيل!

إن مشروع نقد العقل الإسلامي يرتكز - كما يقول أركون نفسه - على «روح الحداثة» او «القول الفلسفي للحداثة» كما أوضحها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماز، هذه الحداثة يراها أركون وحدها القادرة على زحزحة الموضوعات التقليدية نحو إشكالات جديدة، وعلى زحزحة العقائد الراسخة والمسلَّم بها في التنظيرات التقليدية والأرثوذكسية، لتصبُّ في النهاية في العلمنة التي يعتنقها أركون عقيدة «بالمعنى الإيماني لكلمة عقيدة» على حد تعبيره، والتي تصبح هدفاً بحد ذاتها في مشروعه كله وإن كانت تتجلى في «مجابهة السلطات الدينية التي تخنق حرية التفكير في الإنسان، ووسائل تحقيق هذه الحرية»، أي بصورة لا تكون العلمنة بدورها سلطة عليا جديدة تحدد لنا ما ينبغي التفكير فيه وما لا ينبغي التفكير فيه، إنها تتركز فقط في حاجة الفهم والنقد داخل توتر عام في الإنسان.

المشكلة أن مشروع أركون قائم على «ممارسة علمانية للإسلام» بمعنى إعادة قراءة الإسلام من منظور علماني مادي قائمة على وضعنة كل التراث الثقافي والديني من أجل أن تدخل الإسلام في الحداثة، والتحول - على غرار المسيحية - إلى «دين الخروج من الدين» لا إلى «الخروج من الدين» على حد تعبير مارسيل غوشييه!

لا شك في أن النزعة الوضعية التي يستند إليها أركون في مشروعه تتحول في شكل واضح إلى أيديولوجيا «تحديث» تنمّط التراث الإسلامي وفق عمامة جديدة مرة أخرى لكنها هذه المرة ليبرالية، ولأن العرب أتخموا بالأيديولوجيا فإنه ما عاد ممكناً للمشاريع الأيديولوجية أن تأخذ مدى واسعاً كما كان الحال في الخمسينات والستينات، في حين أن مسلمي جنوب شرقي آسيا لم يستطيعوا أن يلمسوا جيداً الأيديولوجيا الملساء في مشروع أركون، فأخذوا بسحرها على رغم انهم اكتووا بنار الدكتاتوريات.

 

 

21-02-2008 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=527