/

 

 

تجربة الأصالة الوجودية في زمن الاغتراب

صالح بن عمر بوال

من المقام المُصَلَّى، ومع إشراق أوائل ذي الحجة يتعالى أذان إبراهيم عليه السلام بالحج مخترقا آفاق الزمان والمكان ليبلغ هذه الفجاج العميقة. فقد أسمع عليه السلام -كما في الأثر- (من في الأرحام والأصلاب وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة، لبيك اللهم لبيك).[1]

وفي استجابة عجيبة... تعم تلك الفجاج ضجة (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) (27/22) ، فتبدأ حركة دؤوب في اتجاه المركز (مهوى الأفئدة) الذي لم يكن يُستقبل إلا رمزا في الصلاة (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (144/02) ، فوِجْهَةُ البيتِ القبلة أضحت مبتغى عينيا يتحرك نحوه الإنسان ليس إليه، بل تقربا وارتقاء إلى ما وراءه في حركة سير كثيفة نحو الله المعلم الأول (واتقوا الله ويعلمكم الله) (282/02) ، حركة يتداخل فيها الغيب والشهادة وتنسجم فيها المادة والروح كما لم تنسجم من قبل بالمجرد من الكلمات والمواعظ، فالأمر معاناة ومعايشة وجدانية لمعان جديدة. (إنه حج وليس مجرد زيارة دينية... إنه تظاهرة أصيلة للوجود).[2]

وعندما يقترن الحج باللحظة التاريخية التي يحياها الإنسان المعاصر يصبح للأمر معنى أخطر باعتبار تقهقر مؤشر التحقق في الأصالة الإنسانية بعالم اليوم. فإذا كانت لحظة الحج (كغيرها من اللحظات التعبدية الخالصة) هي نوع من تكثيف الوعي بغربة الذات في أتون الزمن، ومحاولة التحرر من حضوره الطاغي لاقتناص الروح والمعنى للحياة،...إذا كانت لحظة الحج كذلك فإن لحظة الإنسان الحالية هي بالمقابل لحظة تكثيف الوعي بالزمن، وهذا أحد أهم مفاهيم (العالمية) المتحققة الآن. والذي يزيد الأمر تقابلا تساوق هذا التحقق مع طفرة استهلاكية مريعة تسمى في انتشارها القهري (عولمة).

إن التحرر من أسر تلك اللحظة العولمية يصبح أعسر مع هذا التسارع المذهل في ظل (انتشار تسليعي)[3] استهلاكي رهيب أخذ يجتاح كافة الصعد والزوايا، فمهما حاول المتعبدون الانفكاك في يومياتهم من ثقل الأشياء، فإنها تظل تلاحقهم وتحاصرهم وتتركهم باستمرار يئنون تحت وطأة ركامها مخنوقي الأنفاس، ولا تلبث اللحظات التعبدية القصيرة تخرجهم منها حتى تعيدهم ضروراتهم المتسعة في هذا الزمن إلى دوامتها لتقذف بهم في بحر الغفلة، أو قريبا من حال (الذين هم في غمرة ساهون) (11/51).

ومن هنا تأتي أهمية الحج، والدور المضاف إلى دوره في هكذا زمن، وذلك باعتباره العبادة الأكثر تفرغا وقصدا وحركة، وهو ما نعنيه بالكثافة التعبدية، فهو انتقال أو خروج من المألوف وانفصال يكاد يكون تاما عنه في اتجاه أرض الله الحرام في زمن الله الحرام (كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا)[4] لأداء تلك المناسك التي لا تتكرر كواجب إلا مرة في العمر، ولمن استطاع إليها سبيلا. وقد يغدو اقتناص هذه اللحظات أحد أهم المداخل إلى مغاليق من الذوق والجمال تنفتح للحاج، وعلى كمالات وفيوض فكرية وروحية قد لا تتيسر له من عبادات أخرى. فـ (يرجع كيوم ولدته أمه)[5] وينبعث روحا جديدة للحياة.

الحج تجربة واسعة وعميقة الدلالات، وهي من اللاتناهي بما يجعل القول الفصل والنهائي فيها ضربا من الجهل ليس بالحج فحسب، وإنما هو جهل بالدين كله في علاقته بالتاريخ وجدلية خلوده وهيمنته وحيثيات تَكَشُّفِ مكنونه. وليس مدعي ذلك إلا (كمن يحاول صب البحر في إناء)،[6] وإن كان هذا لا يعني البتة التوقف عن الملاحقة الدءوبة لأسراره، واستكناه ما تيسر من دلالاته خاصة تلك التي قد تمد الإنسان بشيء من المعنى في عز غربته الوجودية، وذلك وجه من وجوه التعظيم (ذلك. ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) (32/22).

تختصر تجربة الحج في عمومها التجربة الوجودية للإنسان –أي إنسان- وهي في هداياتها النبوية (خذوا عني مناسككم)[7] تحاول أن تعطي لهذه التجربة المعنى برمزية بالغة التكثيف والروعة والجلال في طريق العودة بالكائن البشري إلى إنسانيته (فطرة الله التي فطر الناس عليها) (30/30).

فالإنسان في هذه التجربة هو المحور والهدف بما هو في كليته محور الحياة وهدفها المطلق، فهو الخليفة عبر التكريم والتسخير اللذين جعلا منه سر الله في وجوده، أو (تحفة الرب)[8] فيه بتعبير إقبال. وهو يتقلب فيه بين وجود حقيقي ووجود مجازي بتعبير هايدغر[9] ، أو هو وجود أصيل ووجود طارئ. وجود كوني ونفسي عميق (وفيك انطوى العالم الأكبر)[10] يمتد إلى لحظة الإشهاد الإلهي يوم عرفة (ألست بربكم قالوا بلى)(172/07)، ووجود آخر في التاريخ لا يمتد إلا إلى لحظات العلقة والمضغة، حيث يبدأ جزء من هوية الإنسان الاجتماعية في التشكل دنيويا خارج نطاق إرادته ليتراكم بعضه فوق بعض.

وبين الحقيقة وزيف المجاز تبدأ رحلة اقتحام العقبة من عدمه (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين) (4،5/95). وفيها يتحدد مصير الهبة الإلهية للإنسان (الحرية) تزكية أو تدسية.

الحج في جوهره رحلة استعادة الذات لحقيقتها وتطويع المجاز للحقيقة عبر إيقاظ يستمر من لحظة دخول الميقات إلى آخر شوط من طواف الوداع. ولا يبقى لمن دخل التجربة سوى التيقظ والانفتاح التام على مطلقيته، وإثارة حواس الوعي والتأمل الكامنة فيه، وعدم استنفاذها في تفاصيل التفاصيل التي ستبقى أشكالا من الدروشة المثيرة متى أغرقت فيها العقول وانشغلت بها الأفئدة.

إن مقام ما قبل الإحرام الذي يتم فيه التحلل من الأعباء والمظالم المادية والمعنوية، والاجتهاد في التطهر التام من أدران الجسد و(جنابة الغفلات)[11] (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) (197/02)، ثم مقام الإحرام الذي يأتي كأول أعمال الحج بمتطلباته ومحظوراته حيث لا ملبس إلا ما به حاجة الستر من غير المخيط المحيط، ولا عمامة ولا نعل يستر الكعبين، ولا نقاب للمرأة، ولا طيب...، إن كل ذلك ليس إلا صورة أخرى من صور الخروج من الرسوم والأشكال الطارئة على الإنسان إلى جوهره الحقيقي. وهو يعطي إشارات مدخلية هامة إلى حقيقة التجربة. إن ذلك أبدا لا يمثل كمال العودة إلى الذات -كما قد يفهم خطأ- ، ولكنه البداية الرمزية والوجهة الضرورية صوب الإنسان الأعمق... هكذا تبدأ التجربة.

إنها تبدأ بالاستعداد لركوب طريق لها بداية وليس لنهايتها حد إلا بمقدار ما يجتهد الإنسان الذي يخوضها في استجلابه واقتناصه منها (ألا إن لله نفحات فتعرضوا لها)[12]. إنها تبدأ من مكان ما (من كل فج عميق) ليضيق مجالها عند نقطة الكعبة (البيت العتيق) مركز الشحن والاستلهام، لا لتنتهي عنده، وإنما لتحدد الاتجاه وتبدأ منه انفتاحا على منوال آخر... انفتاح لا قياس لدرجته ولا أفق لسعته ... انفتاح على الله في عظمته ونفرة قصوى إليه في عرفات، فـ (الحج عرفة)[13]، ثم الإفاضة إلى المشعر الحرام فمنى. وتلك إشارة لا يمكن إغفالها في رحلة استعادة الصفاء الوجودي وهي أن العبادة طريق، وأن المعرفة الحقيقية بالله لا تتم بتكرار دائري تعيد فيه العبادات نفسها بطريقة غير هادفة،... ولكنها مسار ارتقائي متصل إليه، واقتراب دائم لا حدود له (فلا يزال عبدي يتقرب إليَّ...)[14]. وليس الإنسان كادحا لربه فحسب، وإنما هو (كادح إلى ربه) (06/84). (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (19/73).

إن هذا المعنى هو الذي يعطي للتدين روحيته وحيويته. وهذا من أهم المعاني التي يمكن استفادتها من التراث الصوفي في مقاربته للحظة الصفاء العرفاني التي ليست في النهاية إلا محاولة من محاولات العودة إلى الذات عبر أحوال ومقامات مختلفة، لممارسة اليقظة المستمرة على المجاز الزائف كي لا يسطو مرة أخرى فيقود إلى زمرة (من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) (28/18).

وكم من آثار قاسية يتركها هذا الفهم الساكن للعبادة عبر التوهم (أن الشعائر التعبدية التي نؤديها هي مجرد تعبير عن الإيمان ولا تمثل إرشادات لحياة المسلمين، ويكفي فقط أن تحقق لنا الأجر، وليس هناك شيء آخر يمكن أن نتعلمه منها)[15]. ولعل الحج هو أكثر العبادات كشفا لتجذر مثل هذا الفهم السطحي حين يتم تأجيل هذه الشعيرة بالنسبة لكثير من الناس إلى أواخر حياتهم بعد أن يكونوا قد استنفذوا جميع مآربهم وشهواتهم الدنيوية، ذلك لظنهم أنها شعائر للآخرة التي صاروا قاب قوسين أو أدنى منها، وليست هدايات للحياة.

فليس هناك في الإسلام عبادة ساكنة، وإنما حيويتها وحركتها تكون بقدر ما يوليه الممارس لها، ليس لكيفيتها وطريقة أدائها فحسب فذلك آلتها التي لا غنى عن ضبطها،... وإنما لروحها وحكمتها التي لا تنتهي بصاحبها إلا إلى مزيد من الاستفادة دنيويا وبالتبع أخرويا، وليس أخرويا فقط، وبالتالي الارتقاء في مدارج التقرب مع السالكين في هذه الحياة، وصولا إلى الفلاح الأخروي.

وما الحج في مفهومه إلا قدوم وقصد، وهذا أيضا من ما يشير ابتداءً إلى هذه الدلالة (دلالة العبادة المتحركة بصاحبها)، ومنه الشروع في التلبية إثر الإحرام بدخول الميقات، فالآذان الإبراهيمي ليس إلا استجابة لأمر إلهي هو: (وأذِّن في الناس بالحج) (27/22)... ففي الأصل هي دعوة الله عبر إبراهيم عليه السلام والتي تبدأ تلبيتها بإعلان جهري يختصر الأمر من مبدئه إلى منتهاه، (لبيك اللهم لبيك،...)، في شوق ووله منقطع النظير. (لبيك لا شريك لك لبيك،...). فإذا كان الأذان دعوة وطلبا للمجيء فما التلبية إلا استجابة وحضور، وذلك كله من الحركة والسير والاقتراب في اتجاه من لا اتجاه إلا إليه، (إن الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك)[16]. استحقاق مطلق لله ونعمة لا يحمد عليها سواه، وهذا اعتراف آخر بأن لا أصالة وجودية إلا بالله وما عداها زيف وعبث، فـ( الله نور السماوات والأرض) (35/24)، وفي حكم بن العطاء (الكون كله ظلمة، و إنما أناره وجود الحق فيه...)[17] (وماذا بعد الحق إلا الضلال) (32/10). إن الله هو المقصد الوحيد الذي يجعل الأمر حيويا أبدا، لأنه هو وحده الذي يعطي للوجود المعنى. (كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام). (26-27/55)

هكذا يحاول الحج اختصار المسافة بين الزيف والحقيقة. عبر معارج من الخضوع والافتقار إلى الله مطلق العظمة لاستمداد هدايات الصراط المستقيم الذي يتم عبره انكشاف أمر الذات كما هو صفاء ووضوحا، وبالعمق الذي لا يتيسر من طريق آخر. ذلك أن أي وعي يتكون في مستوى الوجود المجازي هو بتعبير هايدغر لغو وثرثرة لا يؤدي إلا إلى التشويش والسطحية والغموض بما هو طارئ عليها وليس من أصالتها.

وكم هي القضايا الأولية التي ما تزال تشوش القادم إلى هذه الرحاب، وكم ظل يصطنع الطمأنينة ويحسب أنه قد فصل فيها، فما لبثت أن تفجرت في وعيه مرات ومرات وبصور مختلفة عند مواجهته تعقيدات الحياة أو محاولاته فهم أحداثها وتفسير سيرورتها...

باستعداد مختلف ستعاوده تلك الأسئلة هنا في مدخل البيت وهو يقدم رجله اليمنى وَالِجًا ورافعا الدعاء: (أعوذ بالله العظيـم وبِوجهـه الكريـم وسلطـانه القديـم من الشيطانِ الرجـيم)[18]، (بِسـمِ الله، والصلاة وَالسلام على رسولِ الله، اللهـم افتـح لي أبواب رحمتـك).[19]

سيشعر الحاج وهو يتوجه صوب الكعبة بسلاسة خطواته وخفة روحه المتأججة شوقا فلا يستطيع حبس دموعه، ولا يملك إلا أن يطلق العنان لكليته لأنه في ضيافة الرحمن الذي سيتولى قياده. هنا سيجد روح الله تملأ المكان، وسيشاهد طيف خليله إبراهيم عليه السلام وهو يرفع يديه: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم)(37/14)، وسيلقى هاجر وهي تروي وليدها إسماعيل من زمزم، وقد نال منها السعي المضني بين تلتي الصفا والمروة.

وتبدأ رحلة العروج الرمزي والوجداني،... وهذا ما يعطي للتجربة بُعدها المختلف لأنها ستكون في مكان آخر وبالتالي فإنها تقتضي استعدادا آخر. فكأن الطواف السباعي هو معراج عبر السبع الطباق في صعود حلزوني إلى حيث البيت المعمور الذي يقابل البيت العتيق، و(هو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة تماما)[20]. ويأتي الحجر الأسود ليؤشر لبداية كل سماء، ولما يضع الحاج قدمه في باب كل سماء عند بلوغه الحجر الأسود من كل شوط يقبِّله مرددا (بسم الله. الله أكبر)[21] (بسم الله) يعلن بها ارتقاءه عند وضع قدمه مدخل كل سماء، وأمام جلال المشهد الذي يصادفه والدهشة التي تنتابه من قدر الدرجة يزيد قائلا: (الله أكبر). وهناك في علو و أنس السماء السابعة سيجد الخليل متكئا على البيت المعمور كما وجده النبي (ص) حين عروجه فيقف ليصلي لله عند مقامه (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (125/02). ويتضلّع من (خير ماء على وجه الأرض).[22]فـ(ماء زمزم لما شرب له)[23]. ثم يرتقي الصفا فالمروة في سبعة أشواط (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (158/02). يحلق أو يقصر فيتحلل، ولكنه يجتهد أن لا يشرد عن مداره الذي رسمه له الطواف حتى لا يغادر ذلك المقام.

سعت هاجر فشربت مع وليدها بعد الدفق المعجز لماء زمزم، ولكن محمدا (ص) شرب ثم سعى... هنا تعود الأسئلة لتجتمع في سؤال سيحمله معه يوم الثامن من ذي الحجة تاركا البيت خلفه ليلقى له الجواب. جواب سيتلقاه هذه المرة بقلبه بسيطا سلسا لأنه سيبحث عنه بالله ممارسة ومعاناة، وذلك لا يكون إلا بقدر تهيئه ودرجة استعداده للترقي فالتلقي.

إن ذلك سيكون مدخلا هاما لاستيعاب عمق السيرورة الوجودية وفهم الحركة التاريخية وجدلها، وبالتالي الحيوية الحضارية في سبيل تأسيس حضارة السلام التي هي انعكاس السلام مع الذات بنفي التمزق والانفصام عنها. وذلك أحد معاني وقوعها في ميقات زماني ومكاني هو أصلا ميقات سلام (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا). (125/02)

في صبيحة يوم التروية يتم التصعيد نحو منى الذي ليس إلا محطة في الطريق نحو عرفات، أو مقاما متقدما من شحذ أخير للهمم قبل دخول المقامات الكبرى (عرفات فمزدلفة فمنى). ويتجه التصعيد إلى نهايته بطلوع شمس التاسع. وتأخذ التلبية زخما آخر، فيقترب الحاج أشعث أغبر من المقام الأول ليصلي الظهر والعصر جمعا وقصرا بحدود عرفات (نمرة)، وهناك ببطن وادي عرنة سيلتقي بمحمد (ص) على ناقته القصواء وهو يودع أمته كما لم يفعل نبي من قبل (أمتي، أمتي). لأنه سيتركها لشيء آخر غير ما ألفته البشرية. فهو ليس نبي أو رسول فقط، (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (40/33) و(رحمة للعالمين) (107/21). وكذلك كان محمد فـ(اللهم اشهد،...)، ولذلك صلى الله عليه. (إن الله وملائكته يصلون على النبي. يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (56/33). سيجد صدى كلماته من خطبة وداعه التي أعلن بها اكتمال الدين (اليوم أكملت لكم دينكم) (03/05)، وفيها أكد (أن الزمان قَد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)[24]. وتلك إشارات عميقة وعجيبة يقدمها النبي الخاتم (ص) عن حقيقة رسالته التي هي في جوهرها التوحيدي ملة إبراهيم (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) (130/02). ولكن الزمن هنا يعود أدراجه ليبدأ من حيث بدأت البشرية. وكأن المحمدية ستبدأ التاريخ وتصبح أصلا تأخراً على فروعه لضرورة تراكم الوعي الإنساني وتقدمه في التاريخ. وتأتي الحقيقة المحمدية لتهيمن (مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) (48/05). ولذلك اختتمت آيات الرغبة عن الملة الإبراهيمية بـ(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) (134/02)، ولذلك أيضا لم تنفجر لمحمد عين في مكة كما انفجرت لهاجر، ولكنه (ص) شرب قبل السعي... فكم هو قدْرهذه الأمة؟ وكيف هو قدَرها؟...

أمة قدْرُها في (كنتم خير أمة)، وقَدَرُها في (أخرجت للناس).

تبدأ حقيقة الرسالة الخاتمة زمانا ومكانا في عرفات حيث اكتملت، وكأنها عود على بدأ، فقد استدار الزمان. والخاتمية ليست فقط ختما لتتالي الرسالات، ولكنها وبشكل أعمق ختم لوعي إحيائي خوارقي كامل، وبالتالي إعلان بدء وعي جديد مشدود أكثر إلى المعرفة الموضوعية في عالم الشهادة بقوانينه وسننه. (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا)(93/17).

تبلغ التجربة أقصى محطاتها تصعيدا لتنطلق مرة أخرى نفرة من عرفات بإقبال هذا السيل البشري إلى الرحمن (وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء)[25]. هنا في هذه المحطة الأولى سيحاول القادم أن يعرف المعرفة التامة لأنه ببساطة في عرفات. معرفة رمزية بالحقيقة الموضوعية كما هي في (عالم الشهادة)، تتم في وضح النهار وتحت نور الشمس الساطعة، وبما أن المعرفة قد تتيسر لكل الناس (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) (20/17) فإنها تقع في الحِل خارج الحرم، وعرفات هو المشعر الوحيد الذي يقع خارج الحرم. وتدوم الوقفة إلى مغيب الشمس.. لحظات تعبر قصيرة، فلا تكاد تبدأ حتى تنتهي (وأن إلى ربك المنتهى) (42/53). وكذلك التجربة الوجودية الموضوعية للإنسان (كأنَّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) (46/79). ذلك طولها الذي لا اعتبار له، وإنما ستتسع بركتها عرْضًا بقدر الاغتراف الحيوي من لا إله إلا الله بعد ذلك فـ(أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفْضل ما قلت أنا والنبِيون من قَبلي لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له). هذا أفضل أماكن المعرفة، فلا تشويش ولا تنغيص، ذلك أنه (ما من يوم إبليس فيه أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة)[26].

وبدخول ليل العاشر (والليل إذا يسر) يبدأ توجه الإنسان نحو (عالم الغيب)، إذ تنطلق الإفاضة والعودة من الحل إلى الحرم والمطلوب هنا (السكينة، السكينة)[27]. تتم الإفاضة في مشهد مهيب نحو المشعر الحرام بمزدلفة. (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) (198/02). والمشعر الحرام كما يعبر عنه ابن عربي (هو محل الشعور بالجمال المحرم من أن يصل إليه الغير)،[28] فهو ليس لكل الناس كالمعرفة، ولكنه لعباده وحسب. حنين وشوق إلى جمال ما بعد المعرفة، وما على المتشوق العائد من مقام المعرفة التامة إلا أن يذكر الله حتى يدخل مقام الشعور ( واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين) لتبدأ حركة الوجدان والقلب في ظلام الليل البهيم زمن إشراق القلب وإزهار البصيرة.

بين عرفات ومزدلفة يعود الإنسان إلى أسئلته الأولى في البداية ليحيا مرة أخرى أسئلة الطواف والسعي في طلب الماء، الطواف بما هو إرادة الله والسعي بما هو إرادة الإنسان، يعيش الشهادة كما لم يعشها من قبل، ويحس بالغيب كما لم يحس به من قبل، فيجمع بينهما كما جمع الله في (والشفع والوتر) (03/89) وبينهما (والليل إذا يسر) (04/89). (يعني: ليلة جمع؛ ليلة المزدلفة)[29]. والعجيب أن محمدا (ص) صلى وودع أمته بالضبط في الحدود بين الحل والحرم فبطن وادي عرنة يقع تحديدا بين حدود الحرم مما يلي مكة من جهة، ومبدأ حدود عرفات من جهة أخرى. فـ (هل في ذلك قسم لذي حجر) (05/89).

إذا أسفر العاشر من ذي الحجة يبدأ الزحف العظيم نحو منى، فها قد أينع جمال الشعور بعد المعرفة فآن أوان قطف الجمع بمنى الحب لترجم الأهواء التي تطغي الميزان. (أن لا تطغوا في الميزان) (08/55). وكم خسر الإنسان نفسه حين أخسر الميزان وهاهو يعيش السلبية أو الغربة كما لم يعشها من قبل، والإنسان في الحج لا يقف في عرفات فقط، ولا يبيت بالمشعر الحرام وحده، ولكنه يترقى من عرفات مرورا بالمشعر الحرام وصولا إلى منى.

هنا سيجمع الإنسان بين القراءتين في قراءة كونية واحدة ليس بطريقة تقابلية سطحية أو تلفيقية، وإنما بتمثل ذاتي داخلي سلس. وهنا يمكنه أن يستخرج منهما -أي من القراءتين- (لؤلؤ العلوم الكلية ومرجان العلوم الجزئية)[30] بما يجعله يفهم أنه (لكي يحصل على الماء فبالحب لا بالجهد... لكن لابد من جهد)[31].

في منى يرجم العقبة وهي الكبرى سبع رميات ومع كل رمية (الله أكبر) مدوية يتحرر بها من حظوظ نفسه كما فعل إبراهيم لتترك له مجال نحر محبوباته ومعشوقاته التي بلغت معه السعي و شغلته عن ربه، ولذلك فـ(إن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض)[32]. وذلك معنى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولَكن يناله التقوى منكم)(37/22).

إن العقبة بما هي الجمرة الكبرى قبل الوسطى والصغرى، لعلها تمثل النفس التي بين جنبي الإنسان والتي تسكن بداخله بقابليتي التزكية والتدسية. (وهديناه النجدين. فلا اقتحم العقبة) (10-11/90). وكذلك جمرة العقبة (وأنت حل بهذا البلد). (02/90)

تنتهي العقبة ومعها تكتمل التجربة ولا يبقى منها إلا الإحكام والتجويد إحسانا في أيام التشريق (فإذا قَضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) (200/02). تنتهي التلبية ويبدأ التكبير والتهليل والتحميد فاليوم يوم عيد وهو يوم الذروة إنه (يوم الحج الأكبر)[33]،

فالله أكبر من أهواء النفس التي هي أصل بلايا الإنسان (جمرة العقبة الكبرى كجمرة مركزية يُقتصر عليها يوم الحج الأكبر) والتي تصنع وتستدعي أبدا أصنام وأنداد الخارج من الجِنة والناس وغيرهما من الشرور الظاهرة والخفية وما أكثرها وأقواها في عالم اليوم، ولعلها (الجمرتان الوسطى والصغرى اللتان يتم رميهما في اليومين المواليين). وبما أن النفس تابعة للإنسان وهي المجال المركزي الذي يقع تحت إرادته ومسؤوليته المباشرة فقد انتفى أي ذكر أو دعاء في العقبة، (قل هو من عند أنفسكم) (165/03). بينما يسن استقبال القبلة والذكر عند الوسطى والصغرى باعتبارهما خارجة عن ذاته يستعيذ بالله من شرورهما (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط) (120/03). وإنما يتدخل الله ويتكفل بالتغيير فقط حين يغير الإنسان ما بنفسه (فلا اقتحم العقبة) (11/90).

وبعد النحر والحلق أو التقصير يعود الإنسان إلى حيث بدأ،... يعود إلى (البيت العتيق) ليس ليعرج هذه المرة، ولكن لينزل هذه المرة من معراجه بطواف سباعي وصلاة خلف المقام وسعي تنتفي فيه الكثير من الأسئلة التي بدأت معه في هذا المكان. يعود نحو الحياة التي تنتظره مشحونا بالمعاني من هذه التجربة الشاملة ليحيا في الأرض كما الأنبياء لأنه عاد، وذلك هو الفرق بين النبي والولي كما يرى إقبال، (إذ يعود النبي ليشق طريقه في موكب الزمان ابتغاء التحكم في ضبط قوى التاريخ وتوجيهها على نحو ينشئ به عالما جديدا من المثل العليا)[34].

يتم التحلل الأكبر. وتنتهي التجربة بغناها وعمقها وثرائها بطواف الوداع للمغادرة. تنتهي لتبدأ حقيقة أكبر في التاريخ ولتنطلق حية في كل فج عميق بوعي وروح جديدين كـ (خير أمة أخرجت للناس) (110/03). فالحج أيام معدودات في عمرٍ يفترض أن يكون كله لله.

تبدأ بعودة إلى الذات في أصالتها ارتقاء عرفانيا يفتح آفاقا أخرى لاستيعاب عمق الفعل الإنساني وحيويته ضمن الإرادة الإلهية في كونه، وبه ينطلق ليحيا الحياة الطيبة عبر جمع سلس بين الغيب والشهادة كما أرادت الرسالة الخاتمة في توجهها العالمي والإنساني ليس لإخضاع العالم وإنما لتحريره عبر ما يضفيه عليه من معنى يورث السلام .

وهنا لابد من الإشارة إلى موضوع التجمع البشري الذي يتم بالحج كأحد أهم المغازي التي ترافق هذه التجربة من بدايتها إلى نهايتها. فالله في الحج يخاطب الناس ولا يخاطب الحاج. فـ(أذن في الناس) و(البيت مثابة للناس) (وأفيضوا من حيث أفاض الناس). وقد خاطب محمد (ص) أمته في الوداع بـ(أيها الناس). والناس اسم جمع لا مفرد له. وفي ذلك من الدلالات ليس السياسية والاجتماعية التي تتعلق بالأمة فحسب، ولكن العالمية والإنسانية ضمن الميلاد المرتقب. (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا). (158/7)

هذا شيء من التجربة باختصار، وإذا جاز تسجيل بعض الدلالات الخواطر فمن باب استثارة الوعي وتحريكه ليس إلا. وهذه معاني دافعة لإحياء وتداول ليس نتائجها وخلاصاتها فما هي إلا خواطر، وإنما روحها ونهجها الذي هو في النهاية البحث والحركة للإبداع كما الحياة تطلب الحكمة وتأبى التكرار. وبهذا تُثرى التجربة الدينية للإنسان وتترقى ككل، وإلا عاد الحاج (من مكة بحقيبة ملأى بالهدايا وعقل فارغ)[35].

فـيا أيها الحاج (روحك تنتظر العازفين، فمن "غيرك" سيهيج أوتارها).[36]

 


[1] - أورده ابن كثير في تفسير آية ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا).

[2] - د.علي شريعتي– الحج الفريضة الخامسة –دار الأمير للثقافة والعلوم لبنان- ص117

[3] - كذلك عرف د.طه عبد الرحمن العولمة في مداخلته بندوة: سؤال القيم وتحديات العولمة- تنظيم مركز الجزيرة للدراسات 29/10/2007- الرباط

[4] - من حديث عمرو بن الأحوص رواه الترمذي.

[5] - من حديث أبي هريرة رواه البخاري: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)

[6] - د. علي شريعتي. المرجع السابق- ص250

[7] من حديث جابر بن عبد الله رواه البيهقي

[8] - د محمد العربي بوعزيزي- محمد إقبال فكره الديني والفلسفي. دار الفكر المعاصر لبنان- دار الفكر سورية- ص_

[9] - مقالات متفرقة حول فكرة وكتاب الوجود والزمن للفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر منشورة بالويب.

[10] - اختلف في قائل هذا البيت، وقد نسب إلى علي كرم الله وجهه، كما نسب إلى محي الدين بن عربي. والله أعلم

[11] - من حكمة لابن عطاء الله السكندري ورد فيها: (..،أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله و لم يتطهر من جنابة غفلاته،..)

[12] - من حديث محمد بن مسلمة مرفوعًا الذي رواه ال

 

 

03-12-2008 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=694