/

 

 

العنف والحضارة الغربية

جواد الشقوري

الكتاب: العنف والحضارة الغربية.. الإسلام كبداية جديدة للتاريخ
-المؤلف: د. ملازم كراسنتشي
-ترجمه عن الألبانية: د. زياد عبد الله
-قدم له: د. عبد الرحمن حللي
-الصفحات: 176
-الناشر: دار الملتقى, حلب
-الطبعة: الأولى/ 2008

الرؤية الإسلامية وفهم الغرب
يمكن اختصار موضوع هذا الكتاب في كونه دعوةً كما يراها المؤلف إلى التغيير الأخلاقي وفتح المجال لبداية تاريخ جديد. والمدخل إلى تحقيق هذا الفتح يتمثل في توعية الإنسان الغربي بحاجته إلى تغيير مفهوم العنف وعدم اعتباره وسيلة شرعية للوصول إلى أهداف معينة، أو اعتباره وسيلة أساسية لتقدم هذه الحضارة.
وكذلك بتصحيح القيم الثقافية والحضارية المنحرفة التي تشكل مفاهيم العنف وأفكاره وقيمه داخل الحضارة الغربية, لأنه لا يمكن انتظار أي تغيير أخلاقي ما لم يتغير أساس البنية الأيديولوجية والفلسفية التي تأسست عليها القوة المادية لهذه الحضارة.

من مزايا الكتاب، الذي قدّم له الباحث السوري د. عبد الرحمن حللي، أن صاحبه د. ملازم كراسنتشي كاتبٌ ألباني ينتمي للدائرة الثقافية الغربية، ومن الذين اختبروا قيمها الحضارية من الداخل وليس من الخارج.

فهو ينتمي في قسم كبير إلى هذه الحضارة، ومن الملاحظ أن الكثير من المفكرين المسلمين الذين ولدوا ويعيشون في الغرب تتميز مقارباتهم بالدقة والعمق، لأن الأبعاد العالمية والإنسانية في الإسلام يكتشفها الإنسان الذي يحتك بشكل يومي ودائم بـ"النموذج الشركي" الذي يؤثث فضاءَه الثقافي والحضاري، أكثر من الذي يعيش ضمن الفضاء الذي يؤسسه "النموذج التوحيدي"، ولهذا السبب كان تفاعل الصحابة رضوان الله عليهم مع النموذج القرآني التوحيدي تفاعلا فريدا ومتميزا.
ونعتقد أن استيعاب الغرب المعاصر وامتلاك ناصية فهمه يساعدان على إعادة اكتشاف الأبعاد الثقافية والروحية التي تجعل من الإسلام دينا عالميا وكونيا وإنسانيا.
قسّم المؤلف الكتاب إلى مجموعة من المباحث والعناصر، وهي: هل هناك علامات لبداية تاريخ سلام جديد؟، والعنف كجزء داخلي مكون للحضارة الغربية، والفن القديم اليوناني الروماني كمنتج لأفكار العنف، و"الجمال الأميركي" تراجيديا للحياة، والتسامح المخادع للمغلوبين، والعمود اليهودي المسيحي "إخوة حسب المسيحية"، والعنف المنبعث من الأفكار الرافضة للنظام الإلهي، وهل بقيت رسالة "ألزهايمر" غير مفهومة إلى من وجهت لهم؟، ورسالة الحضارات الميتة، وفرعون ولينين: رسالة المومياء للذين يعقلون، ورسالة أحصنة الأبطال، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.
يقدم الكتاب إطارا نظريا لفهم الحضارة الغربية المعاصرة التي آل إليها زمام التحكم في بوصلة العالم المعاصر، متوسلا في ذلك بـ"الرؤية الإسلامية القرآنية" لفهم آليات وكيفية اشتغال هذه الحضارة وباستدعاء التصور القرآني "للنموذج الشركي"، وهو النموذج الذي يعتقد الكاتب أن الغرب المعاصر يمثل امتدادا طبيعيا له، فالشرك هو الأساس الأيديولوجي لهذه الحضارة.
وهذه المحاولة من الكاتب -كما يقول في مقدمته- فرضتها بالأساس طبيعة التطورات الخطيرة والدراماتيكية التي حدثت في العقود الأخيرة، والمتمثلة أساسا في ازدياد وتيرة العنف والحروب، والتي كان الغرب "الفاعل" الأساسي فيها و"محركها" الرئيسي.

بنيوية العنف في الحضارة الغربية
يؤكد صاحب الكتاب أنه لفهم الغرب لا مناص من اكتشاف الثوابت التي تؤطر سلوكه السياسي ومساره الحضاري، كما يدعونا إلى فهم طبيعة العلاقة التي تربط العالم الغربي بالعالم كله وبالعالم الإسلامي بشكل خاص، انطلاقا من فهم جوهر وثوابت الحضارة الغربية خاصة ثابت العنف. ويصر الكاتب على أنه بدون اكتشاف واستحضار هذا الثابت يبقى أي فهم لهذا الغرب مجانبا للصواب.
يعتقد المؤلف أن العنف عنصر داخلي في الحضارة الغربية, فعلاقة الغرب بثابت العنف ليست علاقة طارئة، وإنما هو آلية مشروعة سياسيا ونموذج ثقافي وأخلاقي. ومن هنا كان هم الكتاب الأساسي هو البحث عن جذور "عنف العالم" وعن الأفكار المؤسسة له. فالكاتب ركز فقط على الجزء المحرك للعنف في الحضارة الغربية وليس في كل الحضارة الغربية وقيمها.
"العنف عنصر داخلي في الحضارة الغربية, فعلاقة الغرب بثابت العنف ليست علاقة طارئة، وإنما هو آلية مشروعة سياسيا، ونموذج ثقافي وأخلاقي تكشف عنها مشاهد وتعبيرات عنيفة في تلك الحضارة"
وقد برع المؤلف في استجماع مجموعة من الأحداث والتفاصيل التاريخية المفصلية، ثم الحفر فيها لاكتشاف مشاهد وتعبيرات العنف في الحضارة الغربية، ولتقرير أن العنف اعتبر قيمة في ذاته وأن تكراره لم يتم بشكل عفوي.
بل يسخر الكاتب من الذين ينظرون إلى هذا التاريخ كحدث عرضي أو كصدفة للحظ التاريخي، فالتاريخ والثقافة الأوروبية حملت قرونا عديدة من العنف والظلم في طياتها، واعتبر كجزء كبير ومهم من تاريخها وثقافتها.
ويؤكد د. ملازم أن هذا التاريخ الطويل للعنف امتد قرونا عديدة وبين المسيحيين أنفسهم، وكان علامة مميزة ورئيسية للتاريخ الثقافي لأوروبا الغربية، ووصل إلى قمتها في الأزمنة الأخيرة بظهور الاستعمار والنازية والفاشية والشيوعية، هذه الأيديولوجيات العنيفة تسببت في قتل الملايين من الناس على الكرة الأرضية.
ويضم الكتاب سلسلةً من الشواهد عما قامت به الإمبراطورية الرومانية وأباطرة روما القديمة وبيزنطة وقرطاج من إبادة لغات وتقاليد وإمكانيات بشرية للقبائل وشعوب كثيرة في أوروبا وآسيا.
والكاتب لا يضع الغرب في مقابل الإسلام كما هو شأن الكثير من الكتابات الإسلامية، بل يضعه مقابل بقية العالم. يقول د. ملازم: لقد شكّل الإنسان الغربي استعلاء اقتصاديا وعسكريا للحضارة الغربية مقابل الجزء الآخر من العالم.
لا تكمن خطورة الكتاب في تأكيده فقط على العنف المادي المصاحب للغرب في تاريخه القديم والحديث والمعاصر، إنما أيضا في ملاحظات تعبيرات العنف الأخرى في مجالات العلوم والفن والمسرح.. وهو ما يسميه الكاتب بفرض القالب الغربي للحياة وتنظيم الدولة والثقافة.
وقد وُفق المؤلف في وقوفه عند بعض العلوم التي يفتخر الغرب بنبوغه فيها، كعلم النفس أو التحليل النفسي وعلم الاجتماع، ليبين أن هذه العلوم مهّدت لنزوع الغرب إلى العنف، وذلك عندما وُضع العلم في خدمة المحتل وتقوية حضارة العنف.
فهو يرى مثلا أن "الداروينية تقدم أساسا خطيرا وأيديولوجيا لإبادة الناس والشعوب، ويبدو الربط واضحا بين أفكار الداروينية وبين أفكار المعتقلات والمعسكرات السياسية والتطبيق الإبادي للنازية الهتلرية. إضافة إلى أن الكثير من أحداث العنف كانت تتم دائما تحت غطاء الوسيلة الثقافية والحضارية".
توقف المؤلف بشكل لافت عند الفن في الحضارة الغربية باعتباره مدخلا لفهم الأحداث، وأداةً تفسيرية لما عرفه ويعرفه الغرب من انحرافات على المستوى الأخلاقي القيمي.
"انجذاب النهضة الأوروبية إلى الفنون والثقافة القديمة اليونانية الرومانية يعني محاولة منها لتبرير التوسعات والغزوات والانحرافات للإنسان الأوروبي"
وقد استطاع أن يكشف عن انعكاسات العنف على الفن، منطلقا من الملاحم الفنية الغربية كملحمتي أوديسيا وإيليادا، وكتراجيديا "أسكيل" و"كوويفورت" و"سوفوكلي" و"أوروبيدي".. ومكتشفا القدر الكبير من العنف الموجود فيها، فهو يقول مثلا بأن ملحمتي أوديسيا وإيليادا بقيتا كخميرة لكل الأدب الأوروبي الذي شرب من مواضيع الحرب والعنف.
وفي هذا السياق يشير د. ملازم إلى أن انجذاب النهضة الأوروبية إلى الفنون والثقافة القديمة اليونانية الرومانية يعني محاولةً منها لتبرير التوسعات والغزوات والانحرافات للإنسان الأوروبي.
وهذا الاتجاه الذي بدأ في عصر النهضة سيزداد أكثر في القرون المتأخرة منتجا الفاشية والنازية ومعاداة السامية والشيوعية.
ويدعونا الكاتب إلى أن نتخيل كم أثار فن المأساة الشكسبيرية من عواطف جياشة، وما زال يثيره حتى اليوم جاعلا من موضوعاته القتل الأخوي/الملكي واغتصاب الحكم والخيانة الزوجية والانتقام والفشل في الحب. أما بالنسبة لأعمال "دوستوفسكي" فإنها -في رأي المؤلف- قدمت قمة موضوعات الجريمة والعنف والفساد النفسي والعقلي للفرد، وفساد العلاقة بين الفرد والمجتمع.

قَبول الإسلام.. بداية جديدة للتاريخ
يمكن القول إن المؤلف في هذا الكتاب يعلي من شأن الرؤية الأخلاقية المستندة إلى الوحي الإلهي والمرتبطة بالطبيعة الإنسانية، والتي تَعتبر كُل خَلق إنساني يولد حسب نظام موحى به من الخارج لأن الإنسان خلق من إرادة خارجة عنه، فحياته بجميع مستوياتها مبرمجة حسب تلك الإرادة المطلقة.
كما أن وجوده في هذا العالم إنما هو أمر مؤقت، وما دام في هذا العالم فعليه أن يتصرف حسب الهداية الإلهية والأوامر التي وضعها له خالقه.
ومن ثم فإن الكاتب يرى في هذه الرؤية المخرج من الوضع الذي صاغت ملامحهُ الهيمنة الغربية لقرون عديدة، بل يرى أن أي مجتمع يقطع صلته بالوحي فإن العنف سيكون مؤطرا لحياته.
ويذهب المؤلف بعيدا عندما يُقدم الإسلام كمنقذ للعالم المعاصر، معتقدا أنه إذا ما اتحدت الحضارة الغربية بالإسلام متخذة إياه أساسا لنظرتها إلى الكون وجعلته داخل قيمها المطلقة فستتجه هذه الحضارة اتجاها صحيحا بعد أن تكون قد نفضت يديها من العنف.
وبهذا الشكل تكون قد قدمت خدمة كبيرة للإنسانية قاطبة، ولكن بشرط أن تنظر هذه الحضارة إلى الإسلام كوحي إلهي وليس كأسلوب ثقافي وحضاري لحالة المسلمين، فقبول الإسلام من قبل الحضارة الغربية سيساعد على اكتساب السلام العالمي كبداية سلام للتاريخ وليس كنهاية سلام له، ستعاد الكَرَّة بربط تاريخ الإنسانية بعصر ما قبل قابيل، بعالم دون إجرام، وبإخوة متحدين، حيث جميع الناس متساوون من ذرية آدم عليه السلام.

تعديل مسار الغرب الحضاري
"رغم تعامل الغرب باعتباره حاملا لمشروع حضاري عالمي، فإن هذه العالمية لن تكون أبدا في صالح البشرية ما لم يتخلص هذا الغرب من ثابت العنف أو ما يمكن تسميته باستعلاء الحضارة الغربية"
إن التدقيق في طبيعة المقاربات المركوزة في ثنايا الكتاب تجعلنا نؤكد أن المؤلف لا يرفض الغرب بشكل مطلق، إنما يدعوه إلى معرفة حجمه الحقيقي. فالكتاب هو دعوة إلى تعديل مسار الغرب الحضاري، وذلك بإدماج الجانب الأخلاقي في منظومته الحضارية ليتكامل مع الجانب المادي.
والمؤلف -كما يقول- يطرح حلولا لنتجنب المساوئ الأكثر ضررا على مستقبل ومصير الإنسان المهدد باستمرار العنف والقطيعة مع المنهج الذي كلفنا أن نعيش حياتنا ضمن حدوده في هذه الدنيا، ويدعو الحضارة الغربية إلى التخلي عن إستراتيجيتها التي تعتبر العنف الوسيلة الوحيدة للوصول إلى غاياتها.
كما يحث على إحداث تحول في طبيعة هذه الحضارة في جانبها العنيف إذا ما أريد التوصل إلى سلام حقيقي عالمي كي تتجنبها الأزمات والانحدارات، وكذا مساعدة هذه الحضارة على تصحيح الآلية التي أبعدتها عن المنهج الإلهي، لأنه أينما وجد التكبر الإنساني الذي يتحدى القوانين الإلهية هناك تبدأ عملية الانحدار.
إن كتاب "العنف والحضارة الغربية" يستبطن فكرة محورية مفادها أن الغرب عاجز عن قيادة الإنسانية بسبب هذا الثابت/العنف الذي لن يستطيع التخلص منه إلا باستلهام والاسترشاد بالجانب الروحي والقيمي في المنظومة الإسلامية، ومن ثم فإن حضارة مبنية على العنف بشقيه المادي والرمزي لا تستطيع أن تكون نموذجا للبشرية.

بكلمة، إن الغرب -في نظر المؤلف- رغم تصرفه باعتباره حاملا لمشروع حضاري عالمي، فإن هذه العالمية لن تكون أبدا في صالح البشرية ما لم يتخلص هذا الغرب من ثابت العنف ومما سماه الكاتب بـ"استعلاء الحضارة الغربية".

المصدر: الجزيرة

عرض/جواد الشقوري

 

 

15-12-2008 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=695