/

 

 

ما وراء التبشير والاستعمار: ملاحظات حول النقد العربي للاستشراق

رضوان السيد

العنوان الأصلي  :     التبشير والاستعمار في البلاد العربية

تأليف : مصطفى الخالدي

الناشر : المكتبة العربية

سنة النشر : 1973

عدد الصفحات : 280

بدأ الدكتوران مصطفى الخالدي، وعمر فروخ صياغة كتابهما: "التبشير والاستعمار" عام 1944، وصدر في طبعة منقحة ومزيدة عام 1953، وظل يتضخم بما يرفدانه به - بما كان يرفده به د.فروخ تحديدًا - من وثائق ومعلومات جديدة حتى السبعينيات [1].

والحق أن هذا الكتاب لم يكن أول مؤلَف يهاجم التبشير أو ينتقده، ولا سيما فيما يتعلق باستخدام الجمعيات والرهبانيات البروتستانتية والكاثوليكية لمجال التربية، ومدارس الإرساليات أداة للتبشير بالدين المسيحي، فقد سبق إلى ذلك الانتقاد النهضويون المسلمون، منذ القرن التاسع عشر. إنما الجديد في كتاب الخالدي وفروخ هو ذلك الربط المحكم، الذي حاولا إقامته بين الاستعمار والتبشير، عن طريق إثبات قيام تعاون وتنسيق بين الدول الاستعمارية ورجال الدين المسيحي، من أجل نشر المسيحية - على اختلاف مذاهبها - بين المسلمين من جهة، ومن جهة أخرى لتثبيت السيطرة الاستعمارية.

وفي فصل صغير من الكتاب، عنوانه: "تشويه الثقافة العربية الإسلامية"؛ يُذكر المستشرق "ماسينيون" بين القائمين على هذا التشويه، [2] أما سبيله لذلك - كما يذكر المؤلفان - فكان الدعوة إلى الكتابة بالعامية، وبالحرف اللاتيني. ولكي تتأكد علاقة "ماسينيون" بالتبشير والاستعمار؛ يذكر المؤلفان أنه كان موظفًا في قسم الشؤون الشرقية بوزارة الخارجية الفرنسية، وأنه حاول بث دعوته هذه في المغرب ومصر، وفي سورية ولبنان خاصة.. وينهيان الحديث عن "ماسينيون" بالقول الجازم: "وكذلك سعى لهذه الغاية مبشرون واستعماريون من أمم أخرى. أما فيما يتعلق بلبنان؛ فهناك محاولات عملية كثيرة لم تنجح، ولن تنجح إن شاء الله". [3]

 

النهضويون ونقد الاستشراق

وكما لم يكن الخالدي وفروخ أول من هاجم التبشير من المسلمين، فكذلك لم يكونا أول من هاجم الاستشراق؛ فمن المعروف أن محمد عبده ناقش "جابرييل هانوتو" في رأيه في الإسلام والمسلمين، [4] كما نقض السيد محمد رشيد رضا كتاب "أميل درمنغهام" عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتابع محمد كرد علي - صاحب مجلة "المقتبس" ورئيس المجمع العلمي العربي بدمشق - فيما بعد، أعمال المستشرقين منذ العشرينيات، بالتقريظ والنقد والمراجعة. لكن الجديد في تعرض الخالدي وفروخ للمستشرقين هنا هو تلك العودة للربط بين الاستشراق من جهة، والتبشير والاستعمار من جهة أخرى.

يمتلئ كتاب "التبشير والاستعمار" بالاقتباسات والقصص، والأقوال المجموعة من مصادر إنجليزية، وفرنسية، وألمانية، لإثبات عدة أمور يعتبرها متلازمة، مثل: أن رجال التربية، ومؤسسي المدارس والجامعات في الشرق الإسلامي، وفي لبنان بالذات، كلهم من المبشرين، وأنهم تبادلوا ويتبادلون الدعم السياسي والسياسات الاستعمارية، وأن المستشرقين فريق ضمن ذلك الكل التبشيري الاستعماري، وأنهم استطاعوا (يعني المبشرين والمستعمرين) بفضل المدارس، والأفكار التي نشروها، أن يكسبوا لجانبهم فكريًا أو دينيًا، أو الاثنين معًا، جانبًا من النخب الجديدة ببلادنا، التي صارت أبواقًا لآرائهم، واتجاهاتهم ومصالحهم.

والواقع أن هذا الكتيب المتأثر - فيما يبدو - بالتوترات التي اشتدت ببلاد الشام في الأربعينيات، عشية ضياع فلسطين، وبروز الغلبة الإسرائيلية إقليميًا، والغلبة المسيحية محليًا، هذا الكتيب ما كان وحيدًا أو فريدًا، في سياق الجو الذي بدأ يظهر في الأوساط العربية والإسلامية، منذ أواسط الثلاثينيات، حتى استتب تمامًا في الستينيات والسبعينات.

كان محمد عبده، ومحمد كرد علي ما يزالان - رغم نقدهما لأطروحات استشراقية سائدة - ينصحان بقراءة كتب المستشرقين، التي تعرض جديدًا في المعلومات والمناهج. وكان ذلك جزءًا من تراث الإصلاحية الإسلامية، التي رأت أن تأخذ عن الغرب الصالح والنافع من الأفكار والمؤسسات. ثم جاءت عشرينيات هذا القرن بأهوال جديدة غير متوقعة؛ فقد ألغي الأتراك الخلافة عام 1924، وظهر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي يشرع لهذا الإلغاء، واستعمر الأوروبيون بلادنا كلها تقريبًا استعمارًا مباشرًا، وبدأت تظهر في ظل انتدابات الاستعمار حكوماتٌ، وأنظمة، ونظم مدنية تعادي الإسلام، أو تقف منه موقف الحياد. وقد أحدث ذلك لدى شرائح مهمة من النخب الإصلاحية صدمة، دفعت لإعادة النظر في الغرب بصفته مصدرًا ثقافيًا وحضاريًا، وفي الحكومات الوطنية باعتبارها جزءًا من البنية الاستعمارية. وبدأ في ذلك الوقت ظهور جماعات وجمعيات تهدف إلى صون الهوية والحفاظ عليها، ومقاومة تغريبها أو تذويبها، مثل: جماعة الإخوان المسلمين، والشبان المسلمين بمصر، واتحاد الشبيبة الإسلامية بيروت. [5]

وقد شهد الاستشراق أول الهجمات القاسية عليه في سياق الرد على كتاب علي عبد الرازق، إذ قيل إنه استند في كتابه إلى "توماس أرنولد" أو "مرغليوث" أو "بارتولد"، الذين كتبوا إبان الحرب الأولى وأثناءها في موضوعات مشابهة. وجاء كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"؛ فأثار ردود فعل أعنف، لما اعتُقد فيه من مساس بالقرآن، فاشتدت الحملة على المستشرقين في دراساتهم للنص القرآني، وفي ذهابهم للقول بانتحال الشعر الجاهلي، وهو ما ذهب إليه طه حسين أيضًا. [6]

كان من الطبيعي - ما دامت الأجواء السائدة هي أجواء الخوف على الهوية، الهوية الدينية والثقافية بالذات - أن يبدأ التوجس من التبشير، ثم يصل سريعًا إلى الاستشراق. وأن يتحول النقاش بعد فترة إلى نقاش عربي وإسلامي داخلي، لا يتناول الاستشراق أو الغرب بحد ذاته. ولبنان ومصر هما البيئتان اللتان كان يجري على أرضهما هذا الصراع الثقافي والسياسي في الأربعينيات والخمسينيات، ولذا قامت جمعية الشبيبة الإسلامية في بيروت، وظهر كتاب "التبشير والاستعمار" في بيروت، وظهرت عشرات الكتب التي ترد على عبد الرازق وطه حسين، في الثلاثينيات، والأربعينيات والخمسينيات وما بعد، وما تزال تظهر بالقاهرة.

ظل الدكتور عمر فروخ طول حياته العلمية والكتابية مصرًا على الطبائع الأيديولوجية والرمزية، ومعاني الهوية في قراءة أعمال المستشرقين، وسائر غير المسلمين. لكن بيئات الحداثة كانت قاهرة بلبنان طول الخمسينيات والستينيات، فبدا صوته نشازًا، لم يشاركه فيه سوى قلة من رفاقه وبجهد ضئيل. أما في مصر فإن ذلك التطور الناجم عن تضاؤل اندفاع الإصلاحية الإسلامية، وظهور الدولة الوطنية، والانفصام ثم القطيعة بين النخب الإسلامية والدولة البازغة، كل ذلك استمر مؤثرًا في أوساط المثقفين المسلمين، وفي رؤيتهم للاستشراق باعتباره وجهة نظر الغرب في الإسلام، ثم أخيرًا في تحول النقاش حول الاستشراق إلى نزاع ثقافي داخلي حول هوية المجتمع والدولة.

 

نقد نقد الاستشراق

بين يديّ عدة كتب يجري فيها نقد الاستشراق في الخمسينيات والستينيات، وتظهر فيها التوجهات السالفة الذكر. هناك الكتيب الصغير، الذي أصدره عز الدين فراج عام 1953، بعنوان: "نبي الإسلام في مرآة الفكر الغربي"، وكتاب أبي الحسن الندوي، الصادر عام 1958 بعنوان: "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية"، وكتاب محمد البهي، الصادر عام 1957 بعنوان: "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي"، وأخيرًا كتاب محمد محمد حسين، الصادر عام 1970 في جزأين، بعنوان: "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر".

أما فراج، فما يزال يخالجه بعض التفاؤل، [7] إذ يعرض لصورة النبي (صلى الله عليه وسلم) في أعمال عشرات المستشرقين، منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، فيجد بعضًا منهم منصفين له (صلى الله عليه وسلم)، ولذا فهو يرى أن المجتمعات الغربية المثقفة ليست منحازة ضد الإسلام بطبيعتها، بل بسبب الجهل، إذ يكفي أن تعرف هذه المجتمعات الإسلام، لكي تقتنع بأنه دين جدير هو ونبيه بالاحترام. لكن فراج حائر إزاء المستشرقين الذين يعرفون النبي محمدًا (صلى الله عليه وسلم)، ومع ذلك فإنهم يفتئتون عليه، ومن هنا يعود لتعديل نظرته المتفائلة، ناسبًا عدم موضوعية هؤلاء إلى أغراضهم التبشيرية والاستعمارية, وينحو نحوه محمد البهي، الذي لا يفرق بين مستشرق وآخر، رغم معرفته الجيدة بأعمالهم؛ فهو متخرج من ألمانيا في الثلاثينيات، وظل يزور الغرب مسؤولاً، أو أستاذًا زائرًا حتى الستينيات، ومع ذلك فهو يورد في كتابه: "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي"[8] فصلاً ملحقًا، بعنوان :"المبشرون والمستشرقون وموقفهم من الإسلام"، [9] ولا يدرس هذا الفصل أطروحات المستشرقين، بل هو مقسم إلى ثلاث فقرات أو قوائم، في القائمة الأولى: أسماء المستشرقين المعاصرين، أي الذين كانوا معروفين في الخمسينيات مع أسماء مؤلفاتهم، وفي القائمة الثانية: أسماء "الخطرين من المستشرقين" – على حد تعبيره، وفي الفقرة الثالثة: أسماء "بعض الكتب الخطيرة" – على حد قوله أيضًا. وإيضاحًا لحقيقة المستشرقين - كما يذكر- فهو يورد مقالة لحسين مؤنس، نشرها بجريدة الأهرام المصرية، فيها نقد وإدانة لكتاب المستشرق الفرنسي المعروف "غاستون فييت"، الذي يحمل عنوان:"مجد الإسلام". ويورد البهيّ - أخيرًا - ترجمة لمقالة عبد اللطيف الطيباوي المشهورة: "المستشرقون الناطقون بالإنجليزية ومدى اقترابهم من حقيقة الإسلام والقومية العربية". [10]

ويُشكل هذا الكتاب للبهيّ أول إدانة شاملة للاستشراق، مثلما أدان عمر فروخ ومصطفى الخالدي التبشير. بل إن الاستشراق يصبح عند البهيّ العنوان الرئيس للمؤامرة على الإسلام، أو "رأس الحربة"، في حين يرفده ويدعمه التبشير والاستعمار. لكن كتاب البهيّ يكرس ظاهرة أخرى أشرت إليها من قبل، وأعني بها ظاهرة تحول نقد الغرب والاستشراق إلى صراع ثقافي داخلي، فهو يعرض في فصول متلاحقة العوالم المؤثرة في نشوء الفكر الإسلامي الحديث، بادئًا بذكر الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، وظهور اتجاه فكري ممالئ له، ويكشف في فقرة مستقلة علاقة الاستشراق بالاستعمار، محددًا لتلك العلاقة بأمرين يتعلقان بالهوية، إذْ النزعةُ الأولى لدى المستشرقين- في نظره - هي: إضعاف القيم الإسلامية. والنزعة الثانية: تمجيد القيم الغربية المسيحية. [11] ويرى البهيّ في فصلين متلاحقين عن الأفغاني وعبده، أن لهما دورًا إيجابيًا أساسيًا في نشأة الفكر الإسلامي الحديث، ثم ينتقل إلى النقاش الإسلامي الداخل، ي أو الصراع على الساحة الثقافة الداخلية؛ فيتصدى لتيار "بشرية القرآن"، الذي يمثل رمزَه – في نظر البهيّ - طه حسين، وتيار "الإسلام دين لا دولة"، ورمزه - في نظره - علي عبد الرازق، وتيار "الدين خرافة" ورمزه زكي نجيب محمود، وتيار "الدين مخدر" ورمزه الشيوعيون المصريون، ويثني على محمد إقبال في فصل طويل، ليعود في فصل أخير بعنوان "الإسلام غدًا"، فيرى أن مستقبل الإسلام يكمن في مواجهة الصليبية والماركسية. [12]

أما أبو الحسن الندوي، الهندي الأصل، الذي نشر كتابه بالعربية غير مرة؛ فهو يناقش في مؤلفه: "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية" كتبًا استشراقية، صادرة في الخمسينيات عن الإسلام الحديث، ومن تلك الكتب كتابان: "وجهة الإسلام" لـ"هاملتون غب" ، و"الإسلام في العصر الحديث" لـ"ويلفرد كانتويل سميث". ومربط الفرس في الكتاب هو تلك الفكرة التي سادت في أوساط الإسلاميين في السبعينيات، وظهرت في كتاب فروخ والخالدي، وكتاب البهي، وهي أن الأفكار الغربية ما عادت أفكارًا خارجية، بل إن أفكار المستشرقين - حتى عن الإسلام - صارت سائدة لدى نخب ثقافية في البلاد العربية الإسلامية؛ فالصراع بين الفكرتين الإسلامية والغربية إنما يجري على أرض الإسلام وبين المسلمين. لقد نشر المستشرقون شرهم وبذروه في ديارنا، فخرج نباتًا شيطانيًا تعملق، ونحن نعاني اليوم من تعملقه هذا، الذي قسّم مجتمعاتنا ومثقفينا، ووصل للسلطة في كثير من نواحينا. [13]

والملاحظ في كتاب الندوي حملته الظاهرة على القومية، باعتبارها فكرة غربية تقف في مواجهة الإسلام، وهذا الأمر يلمح إليه البهي دون أن يصرح به. بيد أنه ظاهر أيضًا في "معالم على الطريق" لسيد قطب، الذي كُتب كذلك في مطالع الستينيات.[14] أما سيد قطب؛ فيعتبر القومية جزءًا من المادية الغربية، التي تعني التمسك بالتراب، وتجاهل قيم الروح، والاحتكام إلى الدم والعصبية. وأما الندوى، فيرى في القومية عصبية تفرق بني المسلمين، ولذا فإن المستشرقين ينشرون الفكر القومي لتحطيم وعي المسلمين بالأمة الجامعة. هذا في حين يؤثر البهيّ، وهو المستظِل بالنظام القومي الناصري، أن يتحدث عن العلمانية مهاجمًا، جاعلاً القومية تحت مظلتها. حتى إذا مضى بالهجوم إلى نهاياته؛ صارت العلمانية صليبية، فاعتبر أن مستقبل الإسلام يعني مواجهة الصليبية والماركسية.

مع محمد محمد حسين نصل إلى نهاية وذروة حقبة من حقب الهجوم على الاستشراق، مع أنه لم يكن همًا رئيسيًا لديه، [15] ففي كتابه "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر"، هناك فصل واحد يتعرض فيه للباحثين الأوربيين، ومستشرقيهم المهتمين بالاتجاهات الإسلامية، وبمدى تأثير الإسلام في توجيه الحياة، ومدى سيطرته عليها بعد هجوم الآراء الغربية الجديدة. [16] ويبدأ محمد محمد حسين في هذا الفصل عرض كتاب أخرجه "هاملتون غب"، واسمه: Whither Islam (إلى أين يتجه الإسلام)، فيلاحظ أن الغربيين معنيون بالإسلام علميًا وعمليًا، كما يلاحظ امتداح الأوربيين لجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وادعاءهم اتجاه مصر لقطع الصلة بالإسلام مثل تركيا كما يأملون. ويذكر قول الكاتبيْن إن التغرب في الديار الإسلامية اكتمل، وصار التعليم وصارت الصحافة لا دينيين، ويلاحظ حسين أن "غب" ضائق بالمعاهد الإسلامية القديمة على ضآلة تأثيرها.

هذا كل ما يذكره محمد محمد حسين في كتابه الضخم، الواقع في حوالي تسعمائة صفحة عن الاستشراق. ففي الفصل نفسه يتجه إلىكتب أخرى ألفها مسلمون ومصريون، مثل طه حسين، وسلامة موسى. وهذا هو هدف الكتاب كله: عرض التغريب بمصر والعالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر حتى الستينيات، واعتبار ذلك كله مؤامرة على الإسلام ومصر، لكن إن كان الدافع لهذه المؤامرة والداعم لها هو الاستعمار الغربي بشقيه الرأسمالي والماركسي؛ فإن المنفذين لهذا الهجوم أو أدواته هم مسلمون وعرب، بدءًا بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وانتهاء بطه حسين وسلامه موسى. [17]

وهكذا فإن النزاع نزاع ثقافي، نزاع هوية ورموز، وهو نزاع داخلي يرمي الطرف الإسلامي فيه إلى الدفاع عن الهوية الإسلامية للمجتمع والدولة، ويعتبر خصومه فيه عملاء لذلك الاستعمار، ساسة كانوا أم مَسُوسين. ولذا فقد وصل الأمر إلى إدانة كل الحقبة الإصلاحية، الممتدة من مطالع القرن التاسع عشر حتى اليوم. وكانت الخصومة بين الدولة والمثقف الإسلامي قد انتهت في الستينيات إلى قطيعة كاملة، فجاءت أعمال محمد حسين، والقرضاوي، ومحمد قطب لتؤكدها، ولتبدأ بطرح رؤية بديلة للحاضر والمستقبل، فمما له دلالاته أن يكتب محمد قطب في "جاهلية القرن العشرين"، ومحمد محمد حسين في أن "حصوننا مهددة من داخلها"، والقرضاوي في "حتمية الحل الإسلامي".

على أن نقد الاستشراق لم ينته بمحمد محمد حسين؛ فقد ظهرت بعض الدراسات المتخصصة في ناحية معينة، كالقرآن، والنبي، والفقه الإسلامي.. إلخ. وظهرت كتب أنور الجندي، التي تربط الاستشراق بالتبشير والاستعمار رابطًا كاملاً، لكنها لا تعرض معارف جديدة، بل تكرر ما قاله النقاد السابقون عن المستشرقين بلهجة أعنف. [18] لكن الملاحظ - كما سبق وذكرت - أن الاستشراق ما عاد الموضع الرئيس، بل المقدمة للهجوم على الخصوم الداخليين، حتى لدى المعتدلين، الذين يريدون حوارًا بين الأديان والحضارات، مثل محمود حمدي زقزوق في كتابه: "الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري"، عام 1983. [19]

 

تحولات نقد الاستشراق

يشكل كتاب "التبشير والاستعمار" إذن خطًا فاصلاً بين ما قبله وما بعده، في موضوع نقد الاستشراق ودوافعه، ويرتبط ذلك – جزئيًا - بالوضع الداخلي في لبنان، والقضية الفلسطينية، لكن يمكن فهمه في إطار عربي وإسلامي عام، تتحدد معالمه بتراجع أفكار الإصلاحية الإسلامية حول الاستمداد من الغرب، وبدء الانفصام بين المفكرين الإسلاميين والدولة الوطنية البازغة، وظهور جماعات الهوية في المجتمعات العربية والإسلامية. [20] ولذا فقد جاءت مهاجمة الاستشراق في هذه المرحلة دفاعًا عن الهوية بأبعادها الرمزية والشعائرية والتاريخية.

كان محمد كرد علي يطالب المستشرقين بالإنصاف والموضوعية، ويستفيد هو ورفاقه مما يعتبرونه إيجابيًا من بحوثهم ودراساتهم، مثل نشر النصوص، والقراءات الشاملة للحقب التاريخية، ومتابعة أحوال المسلمين الفكرية والثقافية في العصر الحديث، والعناية باللغة العربية، ومحاولة وضع معجم تاريخي لها. [21] أما عمر فروخ؛ فما عاد يقبل من المستشرقين إلا الكلام الذي يقرظون فيه العالم العربي الإسلامي، أو الشخصيات التاريخية العربية الإسلامية، [22] لكن جيل عمر فروخ كان قد تربي في الغرب، وعرف المستشرقين عن كثب، ولذا فإنهم ظلوا يُضمنون نقدهم الحاد معلومات غزيرة، يتخذونها شواهد للآراء التي وصلوا إليها. [23]

بيد أنه مع تفاقم الصراع الداخلي السياسي والثقافي، وحدوث القطيعة بين المثقفين الإسلاميين والدولة؛ فإن جيلاً إسلاميا نشأ لا يعرف المستشرقين ولا الحديث من دراساتهم، بل يعتمد على ما كتبه جيل الثلاثينيات والأربعينيات من أجل نقد المستشرقين، ونقد الغرب عن طريقهم، توصلاً للقول بتغرب السياسة والثروة في المجال الداخلي العربي والإسلامي. [24]

وما دام نقد الاستشراق يهدف إلى اعتبار المثقفين العلمانيين وبعض الساسة أفراخًا للاستشراق والتبشير؛ فإن المعلومات لم تعد مهمة، حتى لو كانت تخدم غرض الناقد، إذ المقصود هو القول بأن الغرب كله شر. وهو عند المثقف الإسلامي الخائف على هويته: غزو ثقافي شرس يتهددها، يتمثل في لتبشير والاستشراق بالمجالين الديني والثقافي، باعتبارهما رأس الحربة الموجهة إلينا. فإذا شاء الناقد أن يظهر علمه - لا أن يقنع قارئيه المقتنعين أصلاً - ذكر أسماء مستشرقين ممن ذكرهم الجيل السابق، مع المبالغة في الحط عليهم. وإذا شاء أن يريح نفسه- باعتبار أن تأمل الاستشراق بحد ذاته ليس هدفًا- اكتفى بذكر قائمة بالمستشرقين الخطرين، كما فعل محمد البهي، الذي خصص أكثر كتابه لنقد المتغربين من المسلمين.

على أن الحصيلة المعرفية الضئيلة في أعمال نقد الاستشراق، لا تقتصر على المؤلفات التي تعني بالاستشراق بشكل عرضي، مثل أعمال محمد البهي، ومحمد محمد حسين، ومحمد قطب، ويوسف القرضاوي. بل إن تلك الحصيلة تبقى ضئيلة في الأعمال المخصصة لقراءة الاستشراق أو بحوثه في مجال ما، مثل أعمال أنور الجندي، الذي يطلق دعاوى هائلة الاتساع، دونما اسم واحد تقريبًا في الكتاب كله، والذي يرى أن مقولات الاستشراق تغلغلت في مجتمعاتنا، فتابعتها بعض الفئات الاجتماعية، وفئات النخبة السياسية، أما القضايا التي يعالجها، فهي قضايا الغزو الثقافي المهددة للهوية. وهكذا فإنه حتى في الدراسات الخالصة لنقد الاستشراق من جانب الإسلاميين، يظل الهدف هو المشاركة أو الإسهام في الصراع الثقافي الدائر حول الهوية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات في المواقع الاجتماعية والسياسية.

والأمر الطريف - لكن المفهوم الأسباب - أن الباحثين الإسلاميين عادوا للربط بين التبشير والاستشراق بعد الحرب الثانية، في الوقت الذي كان فيه الاستشراق يتحرر نهائيًا من التبشير ونزعاته. بل إن مفاهيم التبشير نفسها تغيرت في العقود الأخيرة، دون أن يبدو أي أثر للتغيير في المعالجة منذ الخمسينيات، وهكذا فإن المقصود كان شتم الغرب. والمعروف تقليديًا لدى المسلمين أن المستشرقين هم نظارات الغرب التي ينظر بها إلينا، أما المبشرون فهم أدواته لإفساد ديننا وشبابنا. ولذلك كان من رأي رجل معتدل ثاقب النظرة في العادة كمالك بن نبي في مطلع السبعينيات، التشديد على وجوب الحذر من المستشرق، حتى لو مدح الإسلام وأثنى عليه. [25]

إن هذا الذي تقدم عن أهداف المسلمين والعرب من وراء نقد الاستشراق، يجعلنا نفهم لماذا لم يستطع النقاد الإسلاميون للاستشراق الإفادة من محاولة جادة، كمحاولة إدوارد سعيد الشهيرة. فنقد سعيد نقد تفكيكي، هدفه إيضاح أجزاء الصورة الوهمية التي يضعها الغرب لنا لخدمة أهدافه، وهو ينصر بهذا النقد غربًا معينًا على غرب آخر، وتبلغ المحاولة في إحدى ذراها درجة "كشف الحساب"، بالمعنى الكبير بين حضارتين أو حضارات وثقافات. أما النقد الإسلامي؛ فينظر إلى الغرب باعتباره آله ضخمة، يشكل المبشرون والمستشرقون أجزاء مهمة فيها، إنها الوحش الخرافي الذي يسمى أحيانًا "مادية"، وأحيانًا أخرى "جاهلية"، وفي أحسن الأحوال:" بشرية"، بينما حضارتنا إلهية أو قدسية. وهذه الآلة بمجموعها زاحفة علينا، فينبغي مواجهتها كلها وبشتى الوسائل دونما تفرقة أو أولويات. وما دام المفكرون الإسلاميون يعتقدون أن الحرب الغربية علينا شاملة، فإن حربهم المعلنة على الغزو الثقافي وعملائه عندنا ستبقى شاملة، وإن خالطتها في السنوات الأخيرة تكتيكات التسيُس.

_____

 [1] مصطفى الخالدي وعمر فروخ: التبشير والاستعمار في البلاد العربية- عرض لجهود المبشرين التي ترمي إلى إخضاع الشرق للاستعمار الغربي. وبين يدي الطبعة الصادرة عام 1953، والرابعة الصادرة 1970.

[2] التبشير والاستعمار، مصدر سابق، ص ص217-233. والحديث عن "ماسينيون" على الصفحة 224.

[3] التبشير والاستعمار، ص 224.

[4] الشيخ محمد عبده: الإسلام والرد على منتقديه، القاهرة 1346هـ/ 1928، ص13-28. وقارن بـ: فهمي جدعان: أسس التقدم عند مفكري الإسلام، بيروت، الطبعة الثانية، 1981، ص202-206.

[5] قارن برؤى عن المستشرقين لدى كرد علي في: الإسلام والحضارة العربية، مجلدان، القاهرة، 1950.

[6] قارن عن الأزمة التي حدثت في العشرينيات، والتي كانت في منطلق أو أساس الفكر الإسلامي المعاصر، مقالتي بعنوان: "الفكر الإسلامي المعاصر : أصوله، وبيئاته الأولى ومآلاته"، وانظر عن فكر" الإصلاحية الإسلامية" كتاب فهمي جدعان: أسس التقدم عند مفكري الإسلام، مصدر سابق، بيروت، الطبعة الثانية 1981، وقارن بـ: ألبرت حوراني (مترجم): الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939، دار النهار للنشر، الطبعة الرابعة، 1986، ص 198-233.

[7] قارن عن الأمرين: مشكلة طه حسين، ومشكلة علي عبد الرازق من وجهات نظر الإسلاميين، كتاب البهيّ: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، الطبعة الرابعة، 1964، ص 203-226، ص 227-267.

[8] عز الدين فراج: نبي الإسلام في مرآة الفكر الغربي، 1953.

[9] محمدي البهي: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي. صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1957، وملحقه عن المستشرقين في الطبعة الرابعة، الصادرة عام 1964.

[10] الفكر الإسلامي الحديث، 1964، ص 505- 607.

[11] المستشرقون المعاصرون (528- 542)، والخطرون من المستشرقين (543- 549)، وبعض الكتب الخطيرة (550- 554)، وكتاب مجد الإسلام لجاستون فييت (555-569)، وترجمة مقالة طيباوي (571-607).

[12] الفكر الإسلامي الحديث، فصل : المستشرقون والاستعمار (ص39-54).

[13] الفكر الإسلامي الحديث، ص483 وما بعدها.

[14] أبو الحسن الندوي: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، دمشق وبيروت، 1959. وبين يدي طبعة من العام 1966.

[15] أصدر زكريا هاشم زكريا كتابًا ضخمًا بعنوان: المستشرقون والإسلام، صدر بالقاهرة عام 1965، يستعيد نقاشات نصف القرن السابق، لكنه يستشهد كثيرًا بالمستشرقين المقرظين للإسلام.

[16] محمد محمد حسين: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، 1-2، دار الإرشاد بيروت، 1970، والفصل المذكور على الصفحات م2/ ص 211-221.

[17] الاتجاهات الوطنية، م1، ص 243 وما بعدها (الهجوم على جمال الدين ومحمد عبده)، وم2، ص221 وما بعدها (الهجوم على طه حسين وسلامه موسى).

[18] هي أطروحة للدكتوراة عنوانها بالعربية: الدراسات الإسلامية في الغرب في ضوء النقد الإسلامي – الاتجاهات السياسية والمعالم الحضارة لنقاش إسلامي داخلي.

[19]من كتب أنور الجندي: سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية، القاهرة 1984، وإعادة النظر في كتابات العصرين في ضوء الإسلام، القاهرة 1985، والإسلام والثقافة العربية في مواجهة تحديات الاستعمار وشبهات التغريب، القاهرة، بدون تاريخ (1968). وقارن بكتابات أخرى مشابهة وإن تكن أقل حدة: أحمد عبد الحمدي غراب: رؤية إسلامية للاستشراق، لندن، 1411هـ، وعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني: أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها، التبشير والاستشراق والاستعمار، دراسة وتحليل وتوجيه، الطبعة الرابعة، دمشق 1985، ومحمد محمد الدهان: قوي الشر المتحالفة: الاستشراق، التبشير، الاستعمار، وموقفها من الإسلام والمسلمين، الطبعة الثانية، المنصورة 1987، وعلي بن إبراهيم النملة: الاستشراق في خدمة التنصير واليهودية، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ع3 (1990)، ص237-277.

[20] محمود حمدي زقزوق: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، قطر 1404هـ/ 1983م.

[21] قارن بمقالتي "ثقافة الاستشراق ومصائره وعلاقات الشرق بالغرب" في مجلة الفكر العربي، م5، ع31، ص 4-2،

 [22] قارن بمحمد كامل عياد: محمد كرد علي والمستشرقون، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، م40 (1965)، ص161، وما بعدها، وقارن بمصطفى السباعي: الاستشراق والمستشرقون، مالهم وما عليهم، الكويت 1968.

 [23] حاول الدكتور ميشال جحا في مقاله بمجلة الاجتهاد أن يصل إلى فهم جديد لكتابات عمر فروخ عن الاستشراق، قارن بميشال جحا: عمر فروخ والاستشراق، مجلة الاجتهاد، م2، خريف العام 1994، صلى الله عليه وسلم 131-151.

 [24] قارن على سبيل المثال بكتاب صدر بدار بيروت عام 1953 عنوانه: الإسلام في نظر الغرب، يعرض بالمناقشة الموضوعية لقرارات غير المستشرقين للإسلام (نقله إلى العربية إسحاق موسى الحسيني، وعلق عليه علي عبد الواحد وافي).

 [25] قارن على سبيل المثال بمصطفى نصر المسلاتي: الاستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين، طرابلس (ليبيا) 1986 وقارن بخالد زيادة: تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، بيروت، 1983، ص211 وما بعدها. وهناك استثناءات طبعًا حتى في الثمانينيات، انظر الكتاب ذا الأجزاء الثالثة الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1986 بعنوان: مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية. مالك بن نبي: المستشرقون وأثرهم في الفكر الإسلامي، بيروت 1971، انظر عبد الجليل شلبي: الإسلام والمستشرقون، القاهرة 1977، وللباحث نفسه: صور استشراقية، القاهرة 1978.

 

 
 

 

 

05-04-2009 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=729