/

 

 

النهضة العربية الأولى ورجالها

احميدة النيفر

-1- تاريخ التاريخ

 

يطرح "راشومون"، الشريط الياباني الشهير معضلة الواقع و مدى اتفاق المرويّات عن ذلك الواقع ودقّتها وحدود موضوعيتها. في هذا الشريط الحائز على جائزتين كبيرتين يقدّم المخرج "كوروزاوا" (Akira Kurosawa)، أحد أساطين الفن السابع العالمي، أحداثا عادية لا تثير في الظاهر أية مشكلة. في مزيج عجيب من الوضوح والأناقة والرهافة و العمق يعرض علينا الشريط وقائع أدّت إلى جريمة قتل ذهب ضحيتها أحد فرسان "الساموراي" كان مسافرا مع زوجته عندما التقيا في إحدى الغابات بقاطع طريق. قريبا منهم تابع عابرُ سبيل الأحداث وذهب شاهدا ليروي مع زوجة القتيل و قاطع الطريق إلى مجلس خاص انعقد للنظر فيمن قتل "السموراي"حقيقةً.  جاءت روايات الزوجة والشقيّ و عابر السبيل متباينة كل التباين ولمّا انضافت إليها شهادة روح القتيل التي استحضرتها كاهنة معبد "راشومون" استمع المجلس إلى رواية رابعة مختلفة تماما عن الروايات الثلاث.

أين حقيقة الواقعة؟ أقتل قاطع الطريق الفارسَ ليستولي على الزوجة أم أن الفارس شعر بالخزي لعجزه عن حماية زوجته ففضّل الانتحار أم أن الزوجة هي التي حرصت على التخلص من زوجها لاتباع المغامر الشقي أم كان عابر السبيل هو القاتل الذي أراد الاستفادة من فرصة نادرة؟

نظرا إلى أنّ الشريط من نوع الدراما الإنسانية التي تريد معالجة اختلاف مستويات تمثُّـل الإنسان للواقع في تعقيده وحركته فإن حل الإشكال جاء في النهاية من ذات الطبيعة أي إنسانيا متفائلا لا صلة له بالأشرطة البوليسية التي تُُختَـتَم بكشف المجرم المتستّر على حقيقة الواقعة. إلى جانب هذا النزوع الإنساني تمثّلت أهمية الشريط في تنسيب الرؤية البشرية ذلك أننا كثيرا ما ننسى ونحن نحيل على الواقع أن إدراكنا له مختلف باختلاف زوايا نظرنا إليه و ما تؤدي إليه من تنوع درجات التقدير. من ثم يتعذّر إدراك الحدث في كليته بصورة واحدة ووحيدة خاصة إذا كان الحدث استثنائيا. هناك أوّلا مستوى التمثّل المادي المباشر وهو مختلف عن المستوى الشعوري كما يرتسم في ذهن المُتَلقّي عبر أحاسيسه إلى جانب مستوى ثالث نفساني يتدخل فيه المخيال في تفاعل مع القدرات الاستيهاميّة لكل إنسان. ثم هناك التمثّل الرمزي الذي يُسبِغ على الوقائع دلالةً خُلقية ومعنوية توجّه إدراكَ الحدث واستيعابه وجهةً خاصة. 

هذا الإشكال يصبح أكثر تعقيدا حين نقارب ظاهرة اجتماعية سياسية مركبة أو قضية تاريخية كبرى. في تلك الحالة يكون التوصّل إلى تقييم موحد وتطابق في الاستنتاجات أكثر صعوبة بما يستلزم مراجعات ومناهج نقدية تمكّن من إعادة النظر والتصويب. ذلك ما نبّه إليه عبد العزيز الدوري في كتابه " علم التاريخ عند العرب" عند حديثه عن "تاريخ التاريخ". يرى المؤرخ أننا نظلّ بحاجة ملحّة إلى أن نفهم النظريات الحديثة في علم التاريخ لنستنير بها وهي آراء توصل إلى تطوّر الكتابة التاريخية أو "تاريخ التاريخ" الذي بدونه لن نستطيع تمييز الأصيل من الموضوع ولا الروايات التاريخية من القصص.   

تتأكد هذه المقاربة النقدية حين يُطرح سؤال " لماذا أخفقت النهضة العربية؟" أو حين نقوم بتعريف مُحَـيَّنٍ لشخصية مؤثرة في المسعى النهضوي من أمثال الطهطاوي و الأفغاني و خير الدين و عبده و الكواكبي وكيفية إعادة  تقييم جهودهم، عندئذ تتضارب الأحكام بصورة لافتة وندرك أهمية تاريخ التاريخ أي ضرورة الاحتكام إلى معيار نقدي مُحَكّم.  

لا خلاف مثلا في اعتبار جمال الدين الأفغاني ( تـ 1897) أحد أبرز وجوه مشروع النهضة العربية بما كتبه وعبّر عنه والتزم به من مواقف متصلة بالمجالات الفكرية و السياسية والثقافية. أمّا إذا تجاوزنا هذا الإطار العام ومَحَّصْـنا ما يورده الباحثون عن تفاصيل مولده ونشأته وتحصيله ثم حقيقة أفكاره وطبيعة علاقاته السياسية و توجهاته الحركية تبرز عندئذ تقديرات متباينة. هل ولد فعلا في أفغانستان في "أسعد آباد" القريبة من أعمال "كابل" حاضرة الأفغان أم أنّه فارسي الأصل ولد في إيران من أسرة شيعية إمامية و تلقى تعليمه في طهران و النجف؟ هل كان مجددا للفكر وأحد مؤسسي حركة الإصلاح الديني أم أنّه داعية للثورة والتمرد على أنظمة التسلط والاستبداد؟  ما معنى انتمائه إلى الحركة الماسونية و ما دلالة قوله: " إن الأديان في مجموعها هي "الكلّ" وأجزاؤها " الموسوية" و "العيسوية" و "الإسلام" فمن كان من هذه الأديان على الحق فهو الذي يتم له الظهور والغلبة لأن الظهور الموعود به الدين إنّما هو "دين الحق" وليس دين اليهود ولا النصارى و لا الإسلام إذا بقوا أسماء مجرّدة ولكن من عمل من هؤلاء بالحق فهناك "دين الحق"؟

هذه التساؤلات- وغيرها كثير- تنتهي إلى سؤال يجمع تلك الدقائق والأسرار: هل كان الأفغاني حكيمَ الشرق وأحد رموز النهضة العربية أم هو زعيم سياسي داع إلى الثورة أم أنّه يختزل في حياته وفكره تعثّر المسألة الشرقية في الأزمنة الحديثة؟ ثم نتيجة لهذه الاعتبارات كلّها تتضح الحاجة إلى مراجعة الموقف من النهضة العربية الأولى وعوامل تعثرها تعميقا لخبرتنا التاريخية وتصويبا للانبعاث النهضوي العربي الحاضر.

مثال ثان يؤكد أهمية إعادة القراءة التاريخية يحضرنا عندما ننتقل صوب المغرب العربي ونتوقف في تونس مع شخصيات ساهمت بقدر من الأقدار في النهضة من أمثال ابن أبي الضياف وخير الدين والثعالبي. مع هؤلاء نجد أنفسنا مدعوّين إلى تجاوز التقديرات العامة لأننا لا نلبث أن نترك جزء هاما منها عند القيام بمزيد البحث والتقصّي.

ذلك ما يحصل عند مراجعة سيرة خير الدين الذي يفضّل البعض أن يلقبه بالتونسي بينما يرى آخرون أنّه يظل "الجنرال" أو "الوزير" أو "الباشا" الشركسي إيحاءً بأنّه رجل سلطة أكثر من كونه من دعائم النهضة والإصلاح الوطنيين. يضيف بعضهم تأكيدا على ذلك تفاصيل متعلّقة بحياته و مغادرته البلاد والتحاقه بعاصمة السلطنة العثمانية كما يرى آخرون أنّ تحليل مقدمة كتاب " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" لا يمكن أن ينتهي إلى الإقرار بأن خير الدين هو مؤلفه على وجه الحقيقة. قد يكون الوزير متفقا مع ما ورد في الكتاب من رؤية إصلاحية لكن بنية النص و لغته و أسلوب الاحتجاج والمراجع المعتمدة فيه تشير إلى ثقافة المحرر الفعلي وإلى أنها بالضرورة تقليدية زيتونية صيغت في ضوء رؤية إصلاحية مستنيرة. مثل هذا الطرح يفضي إلى ضرورة مراجعة مقولةٍ طالما وقع تسويقها وهي أن المؤسسات التعليمية التقليدية لم تكن سوى معاقل للجمود و مقاومة الإصلاح.

إلى هذا الحدّ نصل إلى سؤال مفصلي: هل مقتضى ما تفضي إليه كشوف البحث من معطيات جديدة وما يُتوصَل إليه من أخبار و تفاصيل وما يؤدي إليه كل ذلك من اختلاف في التقدير، هل معناه أنّ التاريخ ليس علما وأنّه لا جدوى من البحث عن حقيقة الوقائع وخصوصية القامات التاريخية والمؤسسات الكبرى وطبيعة فكرها؟

ما يبدو أصوب للإجابة هو تمثّل المعنى الذي انتهى إليه شريط " راشومون" من أن الرؤى البشرية وإن كانت نسبية في إطباقها على الحقيقة فإن ذلك لا يدل على عبثية البحث عنها. ذلك أن استمرار الحياة الإنسانية ونموّها يستلزم من جهة الإقرار بوجود حقيقة وأنها من جهة ثانية لا تنقدح إلاّ من خلال التعدد والاختلاف وليس بناءً على الرؤى الأحادية الخطّية التي تتواطأ فيها الأقوال وتتحد فيها زوايا النظر.

-2- "رسالة التوحيد" المعلَّقة

يقف قارئ اليوم عند عودته إلى نصوص رواد النهضة العربية الأولى على الجهد الفكري المبذول من قِـبَلهم لمواجهة الأوضاع الحضارية السائدة عندئذ وعلى اتساع أثر ذلك الجهد في التحولات التي أمكن تحقيقها عربيا في وقت وجيز نسبيّا. لكن أكثر ما يلفت النظر عند مراجعة تلك النصوص هو احتفاظها براهنية لافتة للنظر بل وأحيانا بريادة يعزّ العثور عليها اليوم.

هذا ما يحصل بالعودة إلى الطهطاوي في "تخليص الإبريز " المحرَّر منذ أكثر من قرن ونصف. كتب الرحّالة بعينه الفاحصة وذهنه الثاقب المستحضر مشاغلَ مصر المتوثبة و نخبها الساعية إلى النهوض و أزهرها المحافظ و القلق، كتب يقول عن أحوال فرنسا العلمية:" لا تتوهم أن علماء الفرنسيس هم القسوس لأن القسوس إنما هم علماء في الدين فقط وقد يوجد من القسوس من هو عالم أيضا وأما من يطلق عليه اسم العالم فهو من له معرفة في العلوم العقلية ...بذلك تعرف خلوّ  بلادنا عن كثير منها...والعلوم في مدينة باريس تتقدم كل يوم فهي دائما في الزيادة". بعد أكثر من قرن ونصف تلتقي التساؤلات الفكرية والسياسية العربية المعاصرة التي يفرضها تسارع التحديات الحضارية  مع صاحب الإبريز في معضلة عربية لم نتمكن بعدُ من حلّها هي : كيف نتجاوز مرحلة استهلاك المعرفة ونتحوّل إلى منتجين لها؟

عند البحث عمّا أتاح لجهود رجال النهضة العربية الفاعلية والاستمرار نجد جملة عوامل أوّلها اللغة. لقد أدركوا أنها ليست مجرد أداة للتعبير بل هي رَحِم التفكير الجمعي وبؤرة الإبصار والإبداع وأنها لذلك تتطلب عملا تقويميا لا غنى عنه. من ثم طوّعوها حتى تتمثّل روحَ العصر ومقتضياته ولقوا في ذلك عنتا واضحا خاصة في المراحل الأولى نتيجة ما ران عليها من تخشّب اللفظ وركاكة التركيب وهزال المضمون. لعل أفضل نموذج عن هذه اليقظة اللغوية- الفكرية نستمده من كتاب " أقوم المسالك" حيث نقرأ:" إن الأمر إذا كان صادرا عن غيرنا وكان صوابا موافقا للأدلة لا سيما إذا كنّا عليه وأُخِذ من أيدينا فلا وجه لإنكاره وإهماله بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله. وكل مستمسك بديانة وإن كان يرى غيره ضالاّ في ديانته فذلك لا يمنعه من الاقتداء به فيما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلّقة بالمصالح الدنيوية ...وشأن الناقد البصير تمييز الحق بمسبار النظر في الشيء المعروض عليه فإن وجده صوابا قبله واتبعه سواء كان صاحبه من أهل الحق أو من غيرهم فليس بالرجال يُعرف الحق بل بالحق تُعرف الرجال". نلمس في هذه الفقرة ذلك الجدل المبدع بين اللفظ الذي ما يزال عصيّا وبين المعنى الجديد و منهما ترشح أهمية تقويم اللغة- الفكر حتى تستوي على عودها مجسدةً قيمة من قيم الحداثة وهي التعددية التي تقتضي تفاعلا بين الإقرار بتحوّل الذات و الإقبال على فهم الآخر المختلِف. حصل ذلك منتصفَ القرن التاسع عشر في حين أن ذاتَ الرهان يقضّ اليوم مضاجع الكثير من النخب العربية بمشاربها التحديثية والإحيائية.

العامل الثاني الذي مكّن لنصوص الإصلاح من الاحتفاظ بنسغ معاصر حتى اليوم هو أنّها كانت ناقدة لواقعها ومؤسساتها وفكرها من الداخل الثقافي. كانت، رغم تحديات الصراع الحضاري ومخاطر الاستلاب الثقافي، لا تتردد في إعادة النظر في القيم والمفاهيم الإسلامية من زاوية حاجات العصر بما يواجه القصور الذاتي الذي أفقد الهوية الدينية مصداقيتها. قد لا يعير البعض أهمية للفرق بين ما وقع ويقع من نقد للتراث والفكر الديني من خارجهما  وبين خطاب ناقد لا يقطع مع الخصوصّيات التّي تميّز المجتمع ثقافيا في تمثّله للحياة وكيفية تفهّمه لما يجري في المجتمعات المعاصرة. النقد من الخارج يرى في التراث تركة ثقيلة وإرثا عائقا عن التحديث لذلك فهو يظل نقدا هامشيا و دون فاعلية مهما حاول الاستفادة من علوم العصر ومناهج تحليله. هذا في حين أن النقد من الداخل ينطلق من اعتبار التراث لازمة من لوازم الانتقال النهضوي ومدخلا يفتح أمام النخب والمجتمع طرقا مبتكرة في التفكير والاتصال بالتاريخ، لذلك فإن فاعليته تكون أوثق لكون التراث المعتمَد عليه يظل كيانا فاعلا في الواقع و طاقة يمكن أن تتولد منها المعاصرة.   

من بين الأمثلة التي يمكن استحضارها في هذا المستوى ما كتبه محمد عبده في " حكم الشريعة في تعدد الزوجات" حيث حمل على الذين اتخذوا التعدد" طريقا لصرف الشهوة واستحصال اللذة لا غير وهذا لا تجيزه الشريعة ولا يقبله العقل" داعيا إلى الاقتصار على زوجة واحدة لصعوبة العدل الذي "اشترطته الآية: فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة".

ما نقرأه اليوم بعد أكثر من قرن يستعيد جوهر تلك النصوص في مقاربتها للتراث بالتأكيد على أن التجديد لا بد أن يأتي من داخل الفكر العربي، حتى لا تفتقد المجتمعات  العربية الإسلامية  السمات والخصوصيات المميزة. بدون ذلك ينقلب التراث إلى صور باهتة لا تنطوي إلاّ على التقاليد مما يُعجِز الثقافة الخاصة عن التحكّم في واقع الناس وسلوكهم فاتحا سبل تشكّل المجتمع بثقافة أخرى.

يبقى بعد هذا عامل ثالث تجرّأت عليه نصوص النهضة العربية خاصة مع محمد عبده فاكتسبت ريادة لا يبدو أن المفكرين العرب المعاصرين تمكنوا من تحقيقها. ما نقصده هو الشروع في تجديد علم الكلام من خلال " رسالة التوحيد"الصادرة سنة 1897. في تلك الوثيقة التي لحقـتها على يد رشيد رضا بعد وفاة المؤلف تحويرات غيّرت جملة من أهم مضامينها نجد تحوّلا فكريا هاما استأنف به المؤلف بحثا توقف منذ قرون. لقد تناول فيه قضايا العقيدة الدينية بعيدا عن الروح السجالية التي ميزت أعمال عموم المتكلمين والتي كانت مسكونة بهاجس حماية العقيدة الدينية من " أهواء أهل البدع والزيغ ". أمّا "رسالة التوحيد" فقد اتجهت إلى اعتبار أنه لا معنى للإصلاح الديني بدون إعادة بناء العقائد الدينية بصورة تحدد المعاني الحية المترتبة عن وحدانية الله ووجوده بالنسبة إلى المؤمن في حياته المعاصرة. كانت الرسالة في ذلك متجاوزة للنزعة التجريدية التي ميّزت عموم المراجع الكلامية وما اعتمده من جدل صوري غدا عقيما بما جعل الفكر الديني يبدو بناء منخورا.

مع أن المسعى الحقيقي لــ "رسالة التوحيد" لم يتضح على الصورة التي أرادها مؤلفها فإن ما بقي من تلك الرسالة يؤكد على العلاقة بين الدين والفلسفة وعلى الحاجة إليهما معا لتفعيل واقع المسلمين وأن ذلك لا يتم إلا بإعادة النظر في المأثور من الفلاسفة المسلمين وباعتبار ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور.

تلك هي الدلالة الريادية لــ "رسالة التوحيد": تأسيس " علم كلام جديد" يجعل معاناة الوحي في ضوء مساءلات الحداثة المعرفيّة والوجوديّة. هي مساءلة فكرية كبرى تسعى لإنهاء الحرج المكتوم في العالم الإسلامي المُنجَرّ عن المسألة الإيمانية . إنه الحرج الكبير الذي يتطلب معالجة جريئة تُخرج عالم المسلمين من الأزمة العقدية التي عبّر عنها أحد المفكرين العرب المعاصرين حين قال:" كلما حصلت مواجهة بين الإسلام والعقل تقع الفضيحة وينهزم العقل أمام الإسلام".

 

 

-3- الكواكبي : في إعادة الاعتبار إلى الرجل الغريب.

يحلو للبعض أن يؤكد أن مصر هي "أم الدنيا" بالمعنى الاستغراقي الذي لا يرى لغيرها سبقا في الحضارة أو قدما راسخة في المدنيّة والتقدّم. لذلك لا يتردد هؤلاء في القول بأن مصر كانت منطلقَ النهضة العربية الأولى و المركز الوحيد لحيويتها و إشعاعها بينما ظلّت الأقاليم والأقطار الأخرى تبعا لها تسير على هداها و تقتبس من نورها. ما يفضي إليه البحث الدقيق يختلف مع هذه الرؤية التبسيطية دون أن يعني إنكار ريادة مصر العربية في العصر الحديث؛ ذلك أن تجاهل المساهمات الإقليمية والقُطرية أو التقليل من شأنها خاصة عند التأريخ للنهضة العربية لا صلة له بالواقع التاريخي العلمي كما أنّه لا يجدي فيما يجري حثيثا اليوم من سعي لإرساء نهضة عربية ثانية. لا شك في أن مصر كانت أوضحَ تعبيرا عن هاجس التقدّم والسعي إلى التحديث لمواجهة التحدّي الأوروبي لأسباب عديدة إلاّ أن المخاوف من اندثار الهوية والحرص على صون الذات من المخاطر الغربية المحيطة بالعالم العربي والإسلامي كانت قاسما مشتركا لدى الجميع. لقد أدركت كل النخب العربية بدرجات تتفاوت حسب موقع كل إقليم وخصوصية كل قطر الحاجةَ إلى الإصلاح بواجهتيه: من جهة ضرورة إقامة منظومة جديدة تستوعب المتغيرات الحديثة التي يقتضيها الوقت حرصا على المنافع و تجنبا للمضار ومن جهة أخرى لزوم مواجهة فقهاء التقليد ومؤسساتهم التعليمية والقضائية ونقد للفكر الذي تستند إليه. هذا ما ذهبت إليه مجلة العروة الوثقى حين اعتبرت أن "الرزايا الأخيرة التّي حلّت بأهم مواقع الشرق جدّدت الروابط وقاربت بين الأقطار المتباعدة المتّصلة بجامعة الاعتقاد بين ساكنيها فأيقظت أفكار العقلاء وحوّلت أنظارهم لما سيكون من عاقبة أمرهم".

لكن هذا الاتفاق في تشخيص " الفتور العام" في الأمة لم يمنع من الاختلاف في تحديد آليات المعالجة وأولوياتها إذ اعتمد البعض مقولة " المنافع العمومية "بينما تبنى آخرون أطروحة " التنظيمات " في حين قال فريق ثالث بالاجتهاد انطلاقا من اعتبار أن تدهور حال المسلمين نابع من واقعهم و لا علاقة له بالإسلام معتقدا وتراثا و شريعة.

ما يقدّمه في هذا المضمار  رجال النهضة والإصلاح في بلاد الشام ( سورية و فلسطين ولبنان وأجزاء من جنوب شرق تركيا) عظيم الأهمية لكونه يعرض ريادة ذلك الإقليم وخصوصيته في تعبيره المبكر عن هاجس النهضة وتصديه إلى الاستبداد بصفته ناقضا للعمران وعدوّا للعلم والحكمة والتقدم.

ما قدّمه عبد الرحمن الكواكبي ( تـ 1320هـ - 1902م) في حياته وآثاره يوفر أكثر من دلالة على ما نحرص عليه من القول بضرورة مراجعة ظاهرة النهضة الأولى وخاصة ادعاء انفراد قطر بريادتها دون غيره. بإعادة قراءة نصوص رجال النهضة الشوام نقف على عنصرين يضيئان خصوصية ذلك الإقليم من جهة والطابع الذي يميز نضال الكواكبي ضمن المشروع النهضوي. أول العنصرين هو تلك السمة الضاربة في القدم والتي تجعل لرجال العلم و المعرفة مكانةً اجتماعية عالية لا نكاد نعثر على ما يشابهها في عدد من الأقطار العربية الأخرى. أما الثاني فهو بروز السلطة "الرمزية – الروحية" التي بها يحتل الأشراف ورجال الصلاح والزهد موقعا موازيا لأصحاب سلطة المعرفة.

نكتشف قيمة سلطتي المعرفة العلمية والرمزية في التاريخ الثقافي والاجتماعي للشام في أكثر من طور مع أكثر من علَم من الأعلام ابتداء من العز بن عبد السلام ( تـ 660/1261) حتى الكواكبي والبيطار والقاسمي. تفيدنا مصادر مختلفة  عن مواقف عدد من علماء الشام كانوا قد عبّروا طوال القرون عن مكانتهم الاجتماعية والروحية بما أتاح لهم شرعية الاعتراض على تعسف الولاة العثمانيين. نجد نماذج لهذه السلطة التفويضية المذكِّرة لأصحاب السلطان بضرورة رعاية أحوال الأمة مثلا في رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للشيخ ابن علوان الحموي (تـ937/1530) العالم الزاهد إلى السلطان سليم التي يقول فيها: " ومن المنكرات هجوم الطارقين من العسكر على بيوت الرعية والدخول على حريمه والنزول في ديارهم قهرا لأن ذلك من مخالفة الكتاب والسنة". يتكرر نظير هذه الممارسة لسلطة المعرفة والصلاح مع الشيخ عبد الغني النابلسي(تـ1134/1731) و مع الشيخ أبي المواهب الحنبلي الدمشقي ( تــ1187/1773). لا نعدم في الفترات اللاحقة أحداثا تجسد إباء هذا الإقليم للقهر والذل و خصوصيةَ مرجعيته العلمية والاجتماعية و تميّزها الإصلاحي وجرأتها  في مناصرة جانب الرعية لـ "كشف الغمة عن الأمة" بوسائل شتى كمناهضة الضرائب الباهظة أو مواجهة الاستبداد بإجازة الهجرة من البلاد. من ذلك تبرز المفارقة الشامية التي استفادت منها مصر أيّما استفادة في تعزيز موقعها الريادي في مشروع النهضة بما كانت تتيحه للاجئين إليها من أعيان الشام ونخبها بحثا عن ملاذ آمن ومجال فيه من الحرية ما يوسع آفاقها ويتيح لها الحركة والتعبير.

 من هذا يمكن أن نحدد مَلمَحًا أساسيا من ملامح شخصية الكواكبي و فكره اللذين يحتاجان إلى مراجعة أكيدة مقارنة بأهم رموز النهضة الأخرى كالأفغاني و عبده وخاصة رشيد رضا. 

هيأت النشأة الحلبية للكواكبي في أسرة علم ترفع نسبها إلى آل البيت عنصرا للتميّز أضيف إليه تحصيل علمي في أنطاكية أتاح له دراسة العلوم الدينية و الاطلاع على أمهات الكتب التاريخية والفلسفية مع معرفة باللغة التركية والفارسية. ثم كان توليه لعدة مناصب رسمية وخطط قضائية تلاها ترحالٌ أدّى إلى القطع مع ممثلي السلطان العثماني الذي بلغ به سوء الحال دركا سحيقا ضاع نتيجته " ثلثا المملكة وضُُرب الثلث الباقي وأشرف على الضياع لفقد الرجال وصرف حضرة السلطان قوة سلطنته كلّها في سبيل حفظ ذاته الشريفة وفي الإصرار على سياسة الانفراد".

لا غرو إن جاءت نصوص الكواكبي ومواقفه متكاتفة في التصدي بالتحليل لما كان يسميه " الفتور العام" واعتباره أعقدَ من أن يفسَّر بعلّة واحدة. من ثم كانت خصوصية الكواكبي في تناول الأبعاد الثلاثة لذلك الفتور وهي: الأسباب الدينية المتصلة بفساد الاعتقاد ومضار " الجهلة المتعممين" ومعها الأسباب الاجتماعية المتعلّقة بنظام التعليم و العمل و الأسرة إلى جانب الأسباب السياسية التي يختصرها فيما يسميه "بَـليّة فقد الحريّة" وفقدان " المساواة في الحقوق ومحاسبة الحكّام باعتبارهم وكلاء".

هذا ما مكّن فكر الكواكبي من تجاوز الطور الإجرائي الذي يقتصر على معالجة موضوعات بذاتها في انفصال تحتّمه المنفعة الآنية و يقتضيه الاستعجال التاريخي. في مجمل ما هو معروف من كتابات الكواكبي يتضح قطعه مع عقلية رد الفعل الدائم المعللة تردّي حال المسلمين بسرّ الأقدار التي تخفى عن البشر. إنّه في ذلك إعلانٌ عن ولادة المثقف العربي الباحث في " الطبائع" والسنن أي إقرارٌ فكري بنهاية العصر الوسيط وطرق إنتاج المعرفة فيه. إلى هذا يمكن إرجاع أحد أسباب خفوت صوت الكواكبي و التراخي في نشر كل نصوصه وبحثها بما تستحق من موضوعية وإنصاف. لقد كان سعي الرجل في حياته أن يعلن عن ضرورة الشروع في بناء حداثة عربية إسلامية من أهدافها إصلاح ديني لا يكون فيه الدين مجرد شعور أو مجرد عمل أو مجرد اعتقاد بل أن يمثل بين كل هذه العناصر جوهر تأليف يقوم على التفكير تحت شروط العصر الحديث. إنها دعوة إلى بناء المسلم المتعدد، دعوة قد تفسر ضمور أثر الكواكبي في عصره وبعد وفاته، إلا أن المؤكد أنه كان مدركا لسابقية أوانها حين كان يسجل في طبائع الاستبداد : "أن كل الأنبياء العظام، عليهم الصلاة والسلام، وأكثر العلماء والأعلام والأدباء النبلاء تقلبوا في البلاد وماتوا غرباء". 

 


 

 

27-04-2009 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=739