/

 

 

مقاربة في الحداثة الإسلامية

عبد العالي الحارث

المقدمة :

أول سؤال يتبادر إلى الدهن هو ما هي الحداثة ؟

ذهب البعض (1) إلى أنه من العسير كل العسر تطويق معنى الحداثة وذلك باعتبار أن المصطلح جديد متعدد الدلالة، ومفهوم لا يخلو من الالتباس، يداهمه الكثير من سوء الفهم.

وفي مقابل هذا، ذهب البعض الآخر (2) إلى أن هذا الالتباس من شأنه أن يقلب   الحداثة إلى كائن تاريخي عجيب يتصرف في باقي الكائنات بضرب من القدرة الخارقة، وبمضمون من النظر الغريب، مما يجعل من تعريفها التهويلي التضخيمي غير النقدي تعريفا غير حداثي وذلك مادام ينقل مفهوم الحداثة إلى وضع أقرب إلى التقديس . 

الحداثة، أصبحت تكتسح كل المجالات… ولا أحد يمكنه أو يوقفها، وأضحت معها في اللحظة الراهنة تحديا، يطرح نفسه على صعد متباينة، الفكرية والسياسية، الاقتصادية والاجتماعية، مما ظهرت معه تيارات مختلفة في العالم العربي  والإسلامي، بوجهات نظر متضاربة، كل ينشد الحداثة على منواله الخاص، حيث توزعت هذه التيارات بين ما هو سلفي يرى أن الحداثة لا تكون إلا بالاعتماد على التراث الإسلامي ومخزونة النفسي للتعبئة والبناء وتيار عصري ليبرالي يرى أن الارتباط  بالحداثة الأوروبية هو الطريق الوحيد للتقدم فيما حاول التيار الأخير التوفيق بين الاتجاهين                   

إن فكرة الحداثة، تتسم بالنسبية فيما يتعلق بالحقيقة وبعامل تطورها المستمر، فبالنسبة إلى الحداثة لا يوجد أي شيء سواء كان مكتوبا أو منطوقا لا يحق ولا يمكن للإنسان أن لا يعيد صياغته وتطويره أو التشكيك في صحته.

وهكذا يجد المسلمون أنفسهم  بين دفتي الرحى: رحى الحقيقة الأزلية الثابتة الموجودة في القرآن الكريم من ناحية ورحى الحداثة التي  ترى أن جميع الأمور قابلة لإعادة الصياغة والتطور  الدائم من ناحية أخرى ، وهنا يطرح السؤال التالي نفسه، هل يكمن الحل في تحديث الإسلام أم في أسلمة الحداثة؟ ومن واجب المسلمين تقديم الإجابة عنه.

في اعتقادنا نرى أن من لازم الأمر، طرح المقاربة الإسلامية، ليس من واقع رفض الحداثة الغربية، ولكن من واقع بيان منطق الأشياء، وكل ذلك سوف نعالجه في مبحثين وخاتمة وذلك وفق خطة البحث الآتية.

المبحث الأول : التجديد طريق نحو الحداثة

  المبحث الثاني : مناط التجديد الاجتهاد والعقل

                 الخاتمة

              التوصيات

 

المبحث الأول : التجديد طريق نحو الحداثة

الحداثة من المصدر الأسمى لفعل أحدث، والضد المقابل لها هي القدامة، ويأتي في سياق نفس الدلالة مصطلح التحديث الذي هو المصدر الفعلي، وضده المقابل  هو التقليد.

ويقصد بالحداثة : عملية متكاملة في اكتساب معرفة متقدمة،ورفع مستوى المهارات واستيعاب التكنولوجيا المتطورة وإنتاجية منافسة، إلا أنها أيضا حـداثة سياسية وديمقراطية (3)

ويعود تاريخ الحداثة، أساسا، إلى ظهور اقتصاد السوق، وبروز العلم التجريبي والتنظيم الديمقراطي .وفي أنظار المؤرخين يصير الإنسان الحديث إنسان التنازلات والتسوية والتراضي (4) لأنه لاشيء في اعتبار الحداثة يكون كاملا وتاما ونهائيا، لا الديمقراطية، ولا العلم،ولا التقنية ولا حتى الأيديولوجيات… وذلك حتى لو كانت تعاش أحيانا على إنها مطلقات وأوابد ودوائم (5) .

 وفي سياق المقاربة الإسلامية للحداثة، يطرح التحدي نفسه على المسلمين في كيفية الولوج إلى الحداثة المعاصرة لتحديث الدولة والمجتمع؟ وللإجابة عن هذا الأشكال نرى ضرورة اعتماد حداثة الإسلام مع السعي للبحث عن شروطها وهو ما سنعرض إليه فيما يأتي وفق مطلبين اثنين.

المطلب الأول : اعتماد حداثة الإسلام

لابد من الوضع في الاعتبار في بادئ الأمر، إن مسألة الحداثة تبقى نسبية لأنه ليست هنا حداثة مطلقة، كلية وعالمية، وإنما هناك حداثات تختلف من وقت لآخر ومن مكان لآخر.

الحداثة ظاهرة تاريخية مشروطة بظروفها ومحدودة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور.الحداثة في أوروبا غيرها في الصين وغيرها في اليابان…في أوروبا يتحدثون اليوم عن ما بعد الحداثة باعتبار أن الحداثة انتهت مع نهاية  القرن التاسع عشر بوصفها مرحلة تاريخية قامت  في أعقاب "عصر الأنوار" (القرن التاسع عشر )، هذا العصر الذي جاء هو نفسه في أعقاب عصر النهضة (القرن الثاني عشر)، هـكذا مسلسل النهضة والتحديث في أوروبا استمر ثمانية قرون (6)

الحداثة روح وإبداع، إلا أن لهذه الروح تطبيقات لا تطبيق واحد، وما الحداثة الغربية إلا إحدى تطبيقات روح الحداثة، وليس يفترض أن يكون هذا التطبيق تطبيقا مطابقا بالتمام والكمال لروح الحداثة، ومن تم يمكن أن تكون لكل أمة حداثتها المخصوصة، بمعنى تطبيقاتها الخاصة لروح الحداثة على شرط أن تكف هذه الأمة عن الاتباع وان تنشد الإبداع، وبالنظر حتى لتطبيقات الحداثة الغربية فهي ليست واحدة، ولا ينبغي أن تكون كذلك.. إن واقع الحداثة تحقق بصور مختلفة في الدول الغربية، فالأمم الحضارية تستوي في الانتساب إلى روح الحداثة بينما يختلف واقع الحداثة فيها مما يعني إمكانية أن تسلك الأمة الإسلامية طريقا للحداثة بغير الطرق المقررة في الغرب  بشرط أن يكون التطبيق تطبيقا مبدعا.

أن روح الحداثة، قيم كونية بالطبع، ولكن تطبيقها يبقى محليا، وبذلك فإنه يمكن أن تكون لأمة الإسلام الحداثة التي تنتسب إليها مما يؤدي بنا إلى القول أننا نصير أمام حداثات لا حداثة واحدة، وذلك شأن أن نصير أمام حداثة أولى وثانية وثالثة حيث إن ذلك يؤدي إلى أن تصير الحداثة آمرا ممكنا لا قدرا منزلا وهكذا  "فإذا وجد الإنسان العربي المسلم أن الحداثة الأولى فشلت، يمكن أن يبدع حداثة ليست من صلب الحداثة ذاتها، فالحداثة ليست سوء ظاهرة تاريخية عارضة، والظواهر كما تأتى تفنى…." (7)

إن إمكانية القول بانبعاث حداثة الإسلام مرده واقع تعدد الحداثات في التطبيق، إلا إن ذلك يتطلب شروطا لابد من توافرها وهو ما سنتعرض إليه وفق  المطلب الثاني.

المطلب الثاني : التطبيق والتجديد من داخل الإسلام.

يشترط في تطبيق الحداثة، أن تكون من الداخل لا إنزالها من الخارج، إن الحداثة لا تنقل وان "كل أمة واقعة بين أمرين: إما أن تنتصر حداثتها داخليا، وإلا لا تتحقق لها الحداثة أبدا" (8)

وما لم نعمل على تجديد مجتمعاتنا من داخلها، فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة العالمية، والتجديد من الداخل  يجب أن تكون استراتيجية عامة… ومن المؤسف حقا أن يلاحظ المرء إن إدخال الحداثة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يصار بطريقة سطحية كل همها إضفاء الطابع الفلكلوري الرخيص وتقديمها كسلعة سياحية ترضي السائح الأوروبي الذي يجري وراء الغريب والشاذ والمضحك (9).

إن طريق الحداثة عندنا يجب أن ينطلق من الانتظام النقدي بهدف تحريك المتغير فينا من الداخل..وهذا راجع إلى أن التجديد كان يراد له منذ أزيد من قرن أن يتم من الخارج بنشر الفكر الغربي فقط… في حين أن التجديد لا يمكن أن يتم إلا من الداخل بإعادة بناء وممارسة الحداثة في معطياتها وإعادة قراءة تاريخها والتماس وجوه الفهم والتأويل لمسارها بما يسمح بربط الحــاضر بالماضي في اتجاه المستقبل (10).

إن الحداثة تجديد لا تقليد، والإبداع شرط في الحداثة، بالمحصلة فكل مقلد غير حداثي حتى ولو قلد الحداثة " فما يدعيه المثقف العربي من انخراط في الحداثة إن هو إلا أية في التقليد والقدامة" (11) لأنه إن سلمنا أن للحداثة شرطين التطبيق  والتجديد من الداخل فان " المشكل في واقعنا لا يستفي هذين الشرطين . واقعنا الحالي ليس تطبيق لروح الحداثة، وإنما تطبيق لتطبيق آخر لروح الحداثة، ولا يمكن أن نسمي ذلك واقعا حداثيا أو حداثة، وإنما يمكن أن يوصف بشبه الحداثة أو مسخ الحداثة" (12).

وللعلم فإننا نرى أن شرطي التطبيق والتجديد من الداخل، لا يمكن والحال هاته أن تقوم لهما قائمة بدون الارتكاز على الاجتهاد المبني على عقلانية متجددة وهو ما سوف نقاربه ضمن المبحث الثاني الذي نخصصه لقضيتي الاجتهاد والعقل.

 

المبحث الثاني : مناط التطبيق والتجديد هما الاجتهاد والعقل

أن التجديد مصطلح رسالي، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها "

وفي اعتقادنا، فإن التجديد لا ينهض إلا بإعادة إحياء الاجتهاد وبعت عقلانية إيمانية وكل هذا سنتعرض إليه في المطلبين الاثنين.

المطلب الأول : إحياء الاجتهاد.

الاجتهاد بمفهومه الإسلامي مصدر رابع من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع.

ومجال إعماله هو القضايا التي لم ينص عليها القرآن والسنة، وهذا هو الموطن الأوسع لحركة الاجتهاد لان القضايا الجديدة متكاثرة يفرضها الواقع الاجتماعي والاقتصادي، والنصوص محدودة والوقائع متجددة  (13) لأجل ذلك علم قطعا آن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد (14) .

 وأمام الأهمية القصوى التي يحظى بها الاجتهاد كمصدر للتشريع فقد حرص الفقه على أن يجعل له شروطا وطرائق وأحكاما، وللمجتهد منهجية دقيقة هو محمول على الالتزام بها، وفي الشريعة أهداف ومقاصد هو مضطر إلى استيعابها أولا، والى مراجعاتها والعمل في نطاقها ثانيا (15).

وفي اعتقادنا، فإن الوقت قد حان لدعم ما يسمى "إسلام التأويل الجديد " لأنه يحاول فتح باب الاجتهاد مرة أخرى، وكان هذا الباب، كما يعتقد، قد أغلق تماما في منتصف القرن العاشر، وإسلام التأويل الجديد يحتوي على تيارات مختلفة واتجاهات عديدة. وأهمية هذا الاجتهاد تكمن في شجاعة البعض على إعادة التفكير في الأحكام الفقهية والشرعية القديمة وصياغتها من جديد. وهذه الأحكام تعود إلى حوالي ألف سنة مضت واعتقد الناس بصحتها طوال هذا الوقت وانتهى أمر النظر فيها قطعا، وتتميز أهمية هذه المحاولات الجديدة في معالجاتها النصوص التأسيسية للإسلام ومحاولة إيجاد تفسير جديد ليس طبقا لحرفية النص، بل على روح النص. هذا التيار يتمتع بميزة التوافق مع الأهداف والأفكار التي تتبناها أغلبية الناس، وبطبيعة الحال لا يتطرق الإسلام القائم على تفسير النصوص طبقا لروح النص وليس حرفيته إلى جميع المسائل … ولكن هذا التفسير طبقا لروح النص يمكن أن يحمل في طيا ته بذور الأمل في مستقبل أفضل حيث أنه يواجه بمرونة تحديات الحداثة من دون إنكار الأفكار الإسلامية التي توصل إليها القدماء (16).

ومجمل القول، فان مناط الاجتهاد هو تجديد الفكر الإسلامي ببذل الجهد بالعقل في النصوص الشرعية لاستنباط الأحكام ،وكل ذلك يستتبع بالضرورة تطبيقيا- العمل على إصلاح أوضاع المجتمع المسلم مما قد يكون ألم به من أشكال التقليد والتحريف والابتداع وكل ذلك يتم وفق أحكام الشرع ومناهجه وضوابطه.

إن هدف الاجتهاد هو المطالبة بإعادة صياغة أحكام الماضي (وليس إلغاؤها أو القضاء عليها نهائيا) وضرورة إتاحة الفرصة أمام كل مسلم وكل إنسان صادق للتوصل إلى حقيقة الرسالة الإسلامية عن طريق المعرفة العميقة لخلفيات النصوص دون التعرض للتشويه الأيديولوجي المتعمد (17).

إن الاجتهاد، يتطلب إعمال العقل، وهو ما يطرح علينا التساؤل عن أي  عقل نبحث ، هل هو العقل المتشيئ الذي عرفه الغرب أم أن الأمر يتطلب منا التأسيس لعقل آخر ؟ وهو  ما سنجيب عنه في المطلب الموالي.

 

المطلب الثاني إحياء العقل الإيماني.

يفرض التجديد علينا إحياء العقل الإيماني، فيا ترى ما هي أسس ومرتكزات هذا العقل ؟ في اعتقادنا، وتمشيا، مع اجتهاد أحد المفكرين المغاربة (18) ، نرى هذا العقل متصفا بالأوصاف الآتية :  

1-     انه العقل الرامي للبحث عن نفع المقاصد ونجاعة الوسائل

2-     إنه العقل المتخلق بالإسلام 

3-     انه العقل المتيقن بالإيمان

4-     انه العقل المتنوع والمتكاثر

5-     انه عقل العمل والنظر

6-     انه العقل الذي يحسن ويقبح تماما كأفعال الإنسان

إحياء العقل الإيماني، يستتبع بالضرورة الشرعية والعملية استجابته لنفع المقاصد ونجاعة الوسائل. إن تصور الحداثة الغربية للعقل أخل بمبدأ النفع مما أدي إلى الوقوع في النزعة النسبية لأن هذا العقل أصبح يرى إن كل شيء ممكن، وكل ما كان ممكنا وجب صنعه وبالتالي إمكانية تحلله من الموانع الشرعية والخلقية، هذا  العقل  بهذه الأوصاف أصبح "يطلب النسبية والتفاضل بدل الوحدة والتكامل والاسترقاق بدل التحرير والفوضى بدل النظام ……"(19) وعقلانية هذا شأنها لا بد أن تنقلب ضررا على الإنسان (20) .

إن عقلانية  الغرب أضحت تعتبر مفهوم العقل جوهرا قائم الذات أو ذاتا مستقلة بأمرها، لكن العقل الإيماني الذي ننشده هو عقل الفعل أي ينقلب إلى فعل من الأفعال وسلوك من السلوكات يدخل في باب الأفعال والسلوكات الإنسانية…لان ما فعل للجوارح إلا والعقل داخله مما يفترض فيه انه العقل الذي قد يحسن بحسن الأخلاق ويقبح بسوئها، يحسن خاصة إذا سلك به صاحبه مسالك المعرفة الحقيقية وإلا انه يقبح إذا سلك به صاحبه مسالك المعرفة المضرة. انه باختصار عقل مثل سائر الأفعال يجري عليه التحول والتحسن وبالتالي فهو على الضد المقابل من العقل الغربي المتشيئ الجامد والثابت في رواه وأحكامه والحال " إن العقل الذي لا يتقلب ليس بعقل حي على الإطلاق، والعقل الذي يبلغ النهاية في التقلب، فذالكم هو العقل الكامل " (21).

الحداثة الغربية القائمة على العقلانية المجردة، سعت إلى توحيد العقل وتنميطه وجعله قسرا على منوال واحد، فيما انه تبث أن العقل متنوع ومتكاثر مما يعني انه ليس هناك عقل واحد وإنما هناك عقول وبالقياس عليه هناك عقلانيات متعددة وان "ما عرفه الغرب يقف عند حد الأخذ بأدناهـــا وهو ما يمكن تسميته بالعقل المجرد" (22). الذي لا يعدو أن يكون عقل النظر بدل العمل، يأخذ بالنظر ويترك العمل وصولا إلى طلبه العلم لذاته لا لما قد يثمره من المنافع، واقتصاره على ظاهر الأشياء وعاجلها مما قد  يورث معه النظر الضال كما يورث  العلم الضار (23). وبذلك كان من تداعياته على النحو السالف كونه أصبح مستقلا ومنفصلا عن الشرع وعن الأخلاق مما يجعله في حاجة ماسة إلى عقل أعلى منه يكون متصلا أو موصولا بخالقه.

إن الحداثة الغربية، سعت إلى تكريس قاعدة العقل المطلق، والحال أن العقل محدود لأنه لا يعقل كل شيء. إن العقل لا يمكنه أن يعقل الكل وهو جزء منه وجماع القول انه  "لا يمكن أن يكون العقل بغير عنان " وان لا سبيل إلى دفع تسييب العقل إلا بشيء يتقدم عليه، ولا يتقدم عليه إلا بالإيمان" (24).

وعليه  فلا سبيل إلى التجديد إلا بتقويم العقل بالدين ، نقصد بالدين الإسلام وصولا إلا عقلانية تكون متوافقة مع الأخلاق الإسلامية لا عقلانية مجردة مطلقة ومفصولة عن خالقها وبارئها، بل عقلانية تذكر الميثاق وتداوم على حفظه ترى في كل شيء إن في نفسها أو آفاقها آية من آيات بارئها.

الخاتمة :

1-     لا بد من الوضع في الاعتبار أن الحداثة ليست معطى جاهزا، نكتفي فيه بترديد بعض المفاهيم ، بل هي عمل صبور وشاق ويتطلب تفاعلا في مجالات معرفية متعددة .

2-     ضرورة الانتباه إلى أن الرفض التام لحداثة الغرب يعتبر انتحارا حضاريا، فالحداثة إذا كانت غربية المنشأ إلا أنها عالمية في التطبيق .

3-     إن الحداثة في الاقتصاد والاجتماع والفكر والسياسة، تتطلب حداثة دينية،لا تطال الدين في حد ذاته بقدر ما تطال تغيير نظرة الناس إليه، لان الدين عموما والإسلام خصوصا جاء لخدمة الإنسان وليس العكس.

4-     ضرورة الوضع في الاعتبار أن تغيير نظرة الناس للدين  يتطلب إعادة الاعتبار لمؤسسات المعرفة وتجديد البرامج التعليمية وإنتاج ثقافة الشوري والديمقراطية والقبول بلغة الاختلاف والاستنارة بقيم الإسلام الكبرى كالتسامح والتعارف والتعايش والتساكن وتبادل المنافع والمصالح ونبد العصبية الجنسية والعنصرية والإقليمية والنعرة الثقافية مصادقا لقوله تعالى "يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم "

5-     ضرورة سعي الحداثة الإسلامية إلى إشاعة قيم العقل الإيماني وسط المسلمين وتعميم سلطته في المجتمع، بما ينمي خطاب المحبة والأخوة والسلام ونبذ العنف وإدارة الصراع بطرق سلمية وتشجيع الفكر النقدي والتاريخي والفلسفي ومحاربة أفكار التطرف والتعصب وإشاعة قيم المواطنة والتربية عليها والرحمة والحوار والإيمان بالحركية والتجديد والعلم والمعرفة والإبداع

6-     لا بد من التأكيد على أن الحداثة الإسلامية تسعى كذلك إلى إشاعة ثقافة الديمقراطية والقبول بلغة الاختلاف سياسيا وعقائديا انطلاقا من المصلحة العامة والمصير المشترك والمواطنة الصادقة والملتزمة.

7-     ضرورة سعي الحداثة الإسلامية إلى الحسم مع الموروث بطريقة عقلانية لأنه من لم يحسم مع موروثه بالعقل سيضطر إلى إعادة إنتاجه بشكل كارثي كما عليها السعي إلى التصالح مع العقل حتى لا يصدق عليها قول الفيلسوف  الألماني ايمانيول كانط "أن دينا يعلن الحرب على العقل سوف يصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه : (25).

8-     وأخيرا ضرورة سعي الحداثة الإسلامية إلى تحويل الاتجاه من ماضي السلف إلى مستقبل الخلف وتعويض سؤال ماذا ترك الأجداد بسؤال ماذا أضاف الأحفاد .

                                                       والسلام

الهوامش :

1 – انظر بهذا الشأن الدكتور محمد سبيلا :  أمشاج . حوارات في الثقافة والسياسة . المطبعة السرية . القنيطرة . المغرب ، الطبعة الأولى . السنة 1999 .

2 – أنظر بهذا الشأن الدكتور طه عبد الرحمان . روح الحداثة . المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية . المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء . الطبعة الأولى . 2002 .

3 – مداخلة علي أومليل بمنتدى الفكر العربي يوم 25/26 أبريل . 1998 . تحت عنوان مواقف الفكر العربي من التغييرات الدولية. الديمقراطية والعولمة ، منتدى الفكر العربي . سلسلة دراسات عربية عمان . الأردن 1998 . ص 41

4 – Abdellah LA Roui : Islam et modernité  . Coll . Armllaire . Edit la de converte 1987 . P : 72 .

5 - – Abdellah LA Roui : IDID .P : 97  .

6 – انظر الدكتور محمد عابد  الجابري : التنمية وحالة العلم . مواقف العدد 64 ، دار النشر المغربية أديما ، الطبعة الأولى 2007 . ص : 70 .

7 – الدكتور طه عبد الرحمان . روح الحداثة والإبداع . محاضرة بجريدة السياسة الجديدة . العدد 442 . الجمعة 11 يوليوز 2003 . عرض وتعليق فوزي منصور . ص : 4 .

8 – الدكتور محمد الشيخ  : المغاربة والحداثة . قراءة في ستة مشاريع مغربية . منشورات رمسيس . العدد 34 2007 ص : 132 .

9 – الجابري المرجع السابق ، ص : 71 .

10 – الجابري المرجع السابق ، ص : من 73  إلى 77 .

11 – الدكتور طه عبد الرحمان . فقه الفلسفة في القول الفلسفي . كتاب المفهوم و التأويل . المركز الثقافي العربي . البيضاء . بيروت . الطبعة الأولى . 1999 . ص 12 .

12 – روح الحداثة والإبداع : " المرجع السابق ص : 4 .

13 – فاروق النبهان : منهج التجديد في الفكر الإسلامي . في تجديد الفكر الإسلامي . مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود المركز الثقافي العربي الدار البيضاء . 1989 ص 55 .

14 – أبو الفتح الشهر سثاني . الملل والنحل . مؤسسة ناصر للثقافة . الطبعة الأولى . بيروت 1981 . ص 86 .

15 – سعيد بن سعيد العلوصي . الاجتهاد والتحديث . دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب . سلسلة الفكر الإسلامي المعاصر ، مركز دراسات العالم الإسلامي . مالطا .1992 . ص : 16 و 17 .

16 – مقالة  لكرستيان تروك . الفكر التقدمي في الإسلام المعاصر . نظرة نقدية . ترجمة حامد فضل الله . المستقبل العربي . العدد 240 . 2007 . ص : 9 .

17 – Rachid Benzine . Les nouveaux penseurs de l’islam . L’islam des limieres . Paris . Albin Michel . 2004 . P : 13

18 – الدكتور طه عبد الرحمان . سؤال الأخلاق . مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية . المركز الثقافي العربي . البيضاء . بيروت . الطبعة الأولى . السنة 2000 .

19 – الدكتور طه عبد الرحمان المرجع أعلاه . ص : 60 .

20 - الدكتور طه عبد الرحمان المرجع أعلاه .

21 - الدكتور طه عبد الرحمان . قراءات من أجل المستقبل . ص : 5 .

22 - الدكتور طه عبد الرحمان . سؤال الأخلاق . م. س . ص : 179 .

23 - الدكتور طه عبد الرحمان . سؤال الأخلاق . م.س . ص . 179 .

24 - الدكتور طه عبد الرحمان . تعددية القيم . ما مداها وما حدودها . منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش . أكتوبر 2001 . ص : 49 .

 

25 – Voir  KANT. la religion dans les limites de la  Simple raison  . Oeuvres Philosophique volomes III .  Paris . Callimard .  1980 . 

   


 

 

30-07-2009 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=763