/

 

 

العالم من منظور فقهي: ضرورات إعادة الاجتهاد

عبد الرحمن الحاج

لم يكن البحث في التقسيم الإسلامي للمعمورة أمراً له من الأهمية في الفكر الإسلامي الحديث كما هي الحال اليوم، فمنذ نشوء تنظيم "الجهاد الإسلامي" في مصر سنة 1976م الذي استثمر ـ لأول مرة ربما ـ على نحو استراتيجي مفهوم: دار الكفر ودار الإسلام، في مسألة انقلاب دار الإسلام دار كفر(1)، انطلاقاً من فكرة سيد قطب (رحمه الله) عن "الجاهلية"(2) المعاصرة، التي وَسَمَ بها المجتمعات المسلمة بالاستناد إلى مفهوم "الحاكمية"(3)، وصولاً إلى حادثة 11 أيلول/سبتمبر 2001م التي أكسبت تصور العالم من منظور البنية الفقهية الإسلامية أهمية غير عادية، فلقد تمت عملية القاعدة في 11 أيلول على أساس أن أميركا "دار حرب"، وقد قال أسامة بن لادن في بيانه الأول عبر الفيديو: "إن هذه الحدث قد قسم العالم إلى فسطاطين"، يقصد: دار الحرب ودار إسلام، أو دار كفر ودار إسلام وإيمان (كما في بيانات أخرى). وهنا يجب أن نلاحظ كيف انقلب الحديث في حركات الإسلام السياسي الراديكالية من "دار كفر" فحسب إلى "دار حرب"، هذا الانقلاب يعكس ـ في الواقع ـ تحولاً في تصورها للأزمة(4) التي يغرق فيها العالم الإسلامي، ولمسار قضاياه المزمنة.
أياً ما يكن هذا التصور، فهو مستند فعلياً إلى الإرث الفقهي الذي صاغه علماء الفقه في المذاهب السنية الأربعة على الأقل، غير أن هذا لا يعني البتة أن تطبيقهم (حركات الإسلام السياسي) للمفهومين دقيق وسليم من الناحية الفقهية، كما لا يعني أيضاً أن التقسيم الفقهي ذاته مسلمة لا تقبل الجدل؛ فمعظم الباحثين المعاصرين يرون أن التقسيم كان في إطار ظروف تاريخية معقدة تعود مرجعيته إليها أكثر مما يمكن إرجاعها إلى النص القرآني الكريم، أو النبوي الشريف، وبالتالي هو رهين للسياق التاريخي الذي ولد فيه.
لقد بدأ موضوع التقسيم الإسلامي للمعمورة يحظى بالبحث والاهتمام منذ مدة قصيرة ـ فيما إذا استثنينا منشورات الحركات ـ؛ فتاريخ أول بحث فقهي متخصص بهذا الموضوع وقعنا عليه يعود إلى ما بعد منتصف الستينيات، غير أننا لا نعثر بعد هذا التاريخ على عدد من الدراسات المهمة إلى ما بعد منتصف التسعينيات(5)، وعلى الرغم من أن ذلك مؤشر لبروز هذا الاهتمام الجديد، فإن المنشور من هذه الدراسات حتى الآن هو دراسة محي الدين قاسم عام 1996م، وحتى هذه الدراسة ـ على أهميها ـ ليست متخصصة في الفقه الإسلامي، بل هي دراسة من منظور العلوم السياسية، وعلى هذا الأساس فإن البحث الفقهي المعاصر ما يزال يفتقر إلى بحث فقهي متخصص منشور في هذا الموضوع وخصوصاً باللغة العربية(6).
خطورة الموضوع تتطلب الكثير من البحث والدرس، فمن جهة نحن نحتاج إلى مراجعة فقهية عميقة تكشف حيثيات نشوء فكرة تقسيم العالم إلى دور، وتعيد مرة أخرى صياغة المنظور الفقهي لتقسيم العالم على إطار رؤية واقعية لصورة العالم الراهنة، إذ من دون هاتين العمليتين يصعب إنجاز أي تقدم على صعيد البحث الفقهي، وعلى صعيد التكيف مع العالم الحديث بما يجعل الأحكام واقعية وقابلة للتطبيق. وانطلاقاً من ذلك أريد أن أشير إلى عدد من الملاحظات النقدية المتعلقة بالمادة الفقهية (القديمة) التي تناولت هذا الموضوع: 
أولاً: الملاحظ على مجمل البحث الفقهي افتقاره للبحث في القرآن الكريم، واقتصار استدلالاته على السنة النبوية بمنطق الاستئناس وليس الاستنباط، وبأثر رجعي من مرجعية الواقع التاريخي. فلم تكن السنة تقدم تصوراً لتقسيم العالم، بقدر ما قدمت أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله إمكانية لتفسيرها وفق مقتضى الواقع التاريخي الذي أفرزته ظروف نشوء الخلافة الإسلامية وامتدادها بالفتوحات على رقعة العالم القديم، ولذلك ارتبط مفهوم "الدار" بالنفوذ السياسي للخلافة عبر بسط النظام الذي تقوم عليه على البلدان (أو بعبارة فقهية: "غلبة الأحكام وظهورها مع وجود المنعة والسلطة المطبِّقة لتلك الأحكام")، أو انحساره عنها.
ثانيًا: تداخل مفهومي دار الحرب ودار الكفر في البحث الفقهي القديم تداخلاً يصل إلى حد التطابق المعلن تارة والمضمر أخرى، وهو ما يجعل بعض الفقهاء يصرح بأن المراد من المصطلحين: "دار الكفر" و"دار الحرب" واحد، هذا التداخل الحاصل بمبررات تاريخية (دار أهل الكفر كانت دار حرب على الدوام)، ولذلك كان أبو حنيفة وأصحابه وأوائل فقهاء الحنفية يستدلون على قتل المرتد بأحاديث الحرب، ويدخلون بحث الردة تحت كتاب الجهاد وليس تحت الحدود.
وهذا التطابق بين المفهومين هو الذي جعل بعض حركات الإسلام السياسي المسلحة تبرر تفجير البرجين وقتل المدنيين الأمريكيين باعتبارهم حربيين (لأنهم هم الذين يدفعون الضرائب لخزينة الحكومة الأمريكية: دار الحرب) وكفاراً مهدوري الدم!. 
ثالثًا: العالم عموماً ينقسم في المنظور الفقهي إلى دار حرب ودار إسلام فقط، ذلك أنه وإن كان منقسماً إلى: دار العهد ودار الأمان ودار الدعوة، ودار الفسق، التي قال بها بعض الفقهاء ، وإلا أن هذه المفاهيم وقعت فعلياً خارج نطاق بحوثهم الفقهية عموماً، مما يعطي انطباعاً بأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم مبنية على الحرب، وهو ما يناقض عموم الآيات القرآنية الصريحة في علاقة المسلمين بأنها مبنية على السلم.
رابعًا: إن تصور العالم مقسوماً إلى دارين جعل من غير الممكن تصور مفهوم الأقلية المسلمة في بلاد غير المسلمين، ولهذا أجرى الفقهاء عليها عموماً أحكام دار الكفر ذاتها، واعتبروا الإقامة بدار الكفر لغير حاجة وضرورة غير جائزة، وجعلوا الهجرة واجبة عموماً إلى دار الإسلام، مما يجعل الآن ضرورة الأخذ في الحسبان ما جرى من تطورات في العالم الحديث، ووضع الأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين.
خامسًا: التعامل مع مفهوم دار الإسلام وصيرورتها (انقلابها) دار حرب أمر لا يتصل بالواقع الراهن، كما أنه من الممكن أن يجر عواقب وخيمة فيما يتعلق بالأرض الفلسطينية والأراضي الواقعها فيها حرمات المسلمين الدينية (المساجد الثلاث: المسجد الحرام، المسجد النبوي، المسجد الأقصى)، فإذا كان البعض (الشافعية) لا يرى إمكانية انقلاب دار إسلام البتة إلى دار حرب، بمجرد تحولها مرة إلى دار إسلام فعلينا إذا أن نعتقد بأن فرضاً عينياً يوجب علينا العمل المباشر لاستعادة الهند والأندلس وغيرها! وإذا كان جمهور الفقهاء يقولون بإمكانية انقلاب دار الإسلام دار حرب فما مصير الأراضي المباركة بمساجدها الثلاث في ظل ظروف أصبح يهددنا فيها الغزاة صباح مساء على مشارفها؟ وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي/اليهودي لأرض المسجد الأقصى (فلسطين) مثلاً!.
سادسًا: لقد أهمل الفقهاء الاعتداد بالمعيار السكاني (غلبة عدد المسلمين) في وصف ما يدخل تحت مسمى "دار الإسلام"، ذلك لأنهم ينطلقون من تصور أوضاع الخلافة وعلاقتها مع الدول المجاورة، وفي إطار ذلك السياق التاريخي من غير الممكن تخيل غلبة مسلمين دون ظهور أحكام الإسلام أو انضمامهم للواء الخليفة أمير المؤمنين حتى لو وجد أكثر من خليفة في وقت واحد. أما الآن وفي ظل تفتت بلاد المسلمين وغلبة النظم العلمانية ومفهوم الدولة الوطنية التي تعتمد مفهوم الأقلية والأكثرية أساساً للنظام السياسي فإن من غير الممكن تجاهل معيار العدد السكاني. ونحن نميل إلى ابتكار تمييز دقيق بين دار مسلمين ودار إسلام، مما يساعد في سد فراغ فقهي يسبب هذا الإشكال.
هذه الملاحظات القليلة توفر ـ بنظرنا ـ مبرراً معرفياً لإعادة التفكير والبحث في الموضوع، وتحليل الخطاب الفقهي المتعلق بتصور العالم.
كما أسلفنا فإن تقدم البحث العلمي مرهون إلى درجة كبيرة بإعادة بناء تصور للعالم ينسجم مع حالة العالم الراهن، وفي الوقت نفسه يتمتع بمرجعية نصية أكبر من القرآن الكريم والسنة الشريفة، صحيح أنه لا يمكننا أن نتحدث عن تصور قرآني تفصيلي (نسبياً) للواقع المعاصر ولا حتى عن تصور مماثل في السنة النبوية، وأنا لا أقصد بزيادة الاعتماد على المرجعية النصيَّة هذا، بل أقصد أن بإمكاننا أن نبحث عن تصور قرآني كلي للعالم بوصفه أساساً نظرياً يشكل خلفية فلسفية لأي تصور واقعي فقهي للواقع، مما يؤثر في أحكامه. وقد يكون في السنة النبوية الشريفة أيضاً امتداد لهذا الأساس الفلسفي، وذلك يعني ضرورة تكامل التصور عبر دراسة مزدوجة للقرآن والسنة معاً.
وبنظري فإن هذه الدراسة تستحق بحوثاً كثيرة، وهذا المقال لا يتَّسِعْ لبناء تصور مركب من هذا النوع، ولهذا أعتبر أن المحاولة يجب أن تقوم الآن هي اكتشاف نقاط رئيسة في القرآن الكريم في خصوص نظرة القرآن الكريم للأرض، أما السنة النبوية فتحتاج إلى بحوث كبيرة جداً بسبب اتساعها الكبير، ولهذا فالبحث في القرآن الكريم ليس إلا جزءاً من البحث الكبير الذي يشمل السنة الشريفة أيضاً، فبدونها يبقى التصور غير مكتمل. 
إذا استطعنا تركيب تصور متماسك عن التصور القرآني للأرض وعلاقة الإنسان بها فقد أصبح بإمكاننا أن نجمعه مع التصورات المطروحة في السنة النبوية وتصرفات الرسول  الفعلية، ونخرج حينذاك بتصور فلسفي يحكم منظورنا للعالم وتحولاته الدائمة. وبالإمكان ابتكار مصطلحات جديدة قادرة على تغطية مفاهيم المنظومة العقدية هذه. 
لقد أشرنا من قبل إلى أن التقسيم الفقهي للعالم يحتاج إلى إعادة تفكير، فالكيانات السياسية الجديدة وضعتنا الآن أمام كيان سياسي مختلف تماماً عن الخلافة، أعني بذلك الدولة الحديثة، التي تقوم على مفهوم المواطنة، يناء على معيار الحدود الجغرافية السياسية، فيما كان الانتساب للخلافة قائماً على معيار الإسلام (الدين). وفيما كانت الخلافة تستمد مشروعيتها وتقوم فلسفياً وقانونياً أيضاً على أساس الدين، تقوم الدولة الحديثة (التي بدأت بمفهوم الدولة الأمة وتحولت فيما بعد) على أساس علماني عموماً. وفيما كنا في مركز العالم (حضارة المركز) تحولنا إلى أطراف تقاوم بصعوبة الدوران في فلك الحضارة الغربية وهيمنتها السياسية على وجه الخصوص.
وفي هذه التغيرات الجذرية المهولة، يمكن لمصطلحات جديدة أن تعدل المنظور الفقهي، فقد يكون ذلك بإدخال مفهوم الدولة ذاته ودمجه في الأحكام الفقهية بوصفه مصطلحاً من الفقه السياسي الحديث مساهماً في إعادة البناء هذه. ويمكن لمصطلح وسيط، مثل: دار المسلمين (الذي أشرنا إليه آنفاً) أن يلعب دوراً مهماً في صياغة تصور الجديد.
أخيراً
قد يكون هناك ملاحظات عديدة على البحث الفقهي المعاصر في الموضوع ، فهو ـ مثلاً ـ لم يدرس مفهوم الدار ذاته على نحو مقصود وعميق، كما أنه لم يدرس المصطلحات والمفاهيم المجاورة، مثل: الوطن، الأرض، البلاد، الإقليم..الخ ؛ غير أن الأكيد هو أن السعي لتجاوز هذه الملاحظات جميعها يقتضي الآن تفكيك جوهر الرؤية الفقهية للعالم، وإعادة تركيبها.
---------------------
(1) يجب أن نلاحظ هنا استخدام مصطلح "دار الكفر" دون "دار الحرب"، وذلك يشير إلى أصل فكرتهم المستمدة تكفير الأنظمة و المجتمعات المسلمة. وفي نشرة رقم 3 لجماعة الجهاد المصرية (التي كان يتزعمها الدكتور أيمن الظواهري) نجد مثلاً تأكيداً لمصطلح دار الكفر دون دار الحرب في وصف البلاد المسلمة.
(2) أطلق سيد قطب هذا الوصف على المجتمعات المسلمات التي لم تعد مسلمة بالمعنى الكامل للكلمة، ولم تصبح كافرة بالمعنى الكامل، فيها ما ينتسب للكفر والإيمان معاً. مصطلح سيد قطب كان قنطرة نحو تكفير المجتمعات فيما بعد، علماً بأن أول تكفير للمجتمعات على أساس قبولها أو سكوتها عن تطبيق القانون الوضعي كان رئيس المشيخة العثمانية: مصطفى صبري في كتابه الشهير "موقف العلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين"، إلا أنه لم يتم استثمار حركات الإسلام السياسي المسلحة لموقف صبري، وإنما سيد قطب، وهذا بحد ذاته مؤشر إلى أن بروز الفكرة كان في إطار الصراع مع الأنظمة وليس مجرد استنباط وتخريج على أصول الفقهاء.
( 3) كان أبو الأعلى المودودي (رحمه الله) أول من صاغ مصطلح "الحاكمية" في سياق صراع الهنود المسلمين لإنشاء كيان سياسي خاص بهم (باكستان)، ومصطلح "الحاكمية" يشير إلى حاكمية الله مقابل الحاكمية البشرية الوضعية، وتطورت شروحه حتى جعلت أصبحت الحاكمية قرينة التوحيد الملخصة لعبارة التشهد ذاتها: "لا إله إلا الله"!.
(4)حول هذا الانقلاب الفكري، انظر: أنور أبو طه، السلفية الجهادية ومسألة الدولة، ورقة مقدمة للندوة البحثية التي عقدها "مركز الدراسات الحكمية" حول "السلفية"، والمنعقد في بيروت، بتاريخ 5 كانون الأول 2004م، ص17. 
(5) التقسيم الإسلامي للمعمورة، محي الدين قاسم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن ـ القاهرة، 1996م. وهناك ثلاث رسائل جامعية فقط حتى الآن، آخرها قدمت عام 2002م.
(6) أول كتاب كان بالأردية، تحت عنوان: "دار الإسلام ودار الحرب" (المجمع العلمي، مرقات العلوم، مدينة مئو ناتهبهنجن، يوبي، الهند، د.ت)، للعلامة حبيب الرحمن الأعظمي (ت 1992م)، والكتاب ـ الذي يقع في 118 صفحة ـ في الأصل مقالات كتبت ونشرت سنة 1967م في مجلة البلاغ التي كان يصدرها الشيخ القاضي أطهر المباركفوري (ت 1996م)، وقد جمعها سبط المؤلف مسعود الأعظمي، وليس لدي ما يشير إلى تاريخ أول طبعة للكتاب، ومن المهم هنا ملاحظتان، أولاهما أن المؤلف محدِّث، والثانية أن الكتاب كتب في ظروف متعلقة باستقلال باكستان عن الهند

 

 

21-03-2005 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=872