/

 

 

انقسام الوعي القيمي...بين نموذج النبي ونموذج السلطان

محمد فراس أدنى

خضعت المجتمعات الإسلامية على طول تاريخها لتحولات عدة في منظومتها القيمية والأخلاقية، ليس أخرها تأثيرات الحداثة الغربية بنموذجها الليبرالي، ولا يزال الشيخ يسعى لاستعادة قيم عصر النبوة، كمخرج لا بديل عنه لأزمات الأمة، رغم إيمانه القاطع بتدحرج التاريخ دائماً نحو الأسوأ.

وبصرف النظر عن إيمان الشيخ، يدلنا رصد المنظومة القيمية في جانبها المتعلق بالمال (كنموذج) في الحقبة الممتدة من عصر النبوة حتى أواخر العصر الأموي، على خضوع تلك المنظومة لإعادة ترتيب في سلَّم أولوياتها، على عدة مراحل، وذلك تحت تأثير التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المُتسارعة في تلك الحقبة.

كرَّس عصر النبوة في مرحلته المكية، وبدايات المرحلة المدنية، جميع القيم الداعية إلى التفاني في سبيل الدعوة والجماعة، معتمداً على إشعال جذوة الإيمان والأخوة في نفوس المؤمنين كافة، وربط كمال الدين ببذل الغالي والرخيص في سبيل الله والجماعة، مؤسساً لمفهوم شراء الفاني بالخالد، والذي رسخه النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) من خلال الآيات القرآنية، بحيث مَثَّلت حادثة الهجرة من مكة إلى المدينة أحد أبرز صور التضحية بالأموال والأولاد من المهاجرين من أهل مكة، وبذل الغالي والرخيص من قِبَل الأنصار أهل يثرب، بحيث غدا الفناء في الجماعة من أولويات المنظومة القيمية القائمة.

ما أن استقرت دولة المسلمين في المدينة، حتى بدأت النصوص التشريعية تعيد ترتيب القيم المتعلقة بالمال في منظومة استدعاها منطق المصالح، والحياة اليومية والاجتماعية المُستقرة، بحيث رسمت توازناً يكبح الحماس الزائد، من خلال مجمل التشريعات المتعلقة بالتداولات المالية، والحقوق والأمانات والمواريث، مع التفريق بين القيم المتعلقة بالله، كالزهد والإنفاق، وبين حقوق العباد، كالجود والعفة والسخاء والتسامح، بالإضافة إلى شجب أكل أموال الناس بالباطل.

في الوقت ذاته أكدت النصوص على كسر العزلة الطبقية السائدة بين الفقراء والأغنياء، والأشراف والعبيد، حين عمل النبي الكريم على إذابة تلك الاعتبارات من الوعي الجمعي من خلال صياغة مختلفة لقانون وزن الرجال، والتأكيد على مفهوم المساواة بين البشر جميعاً، كونهم ينحدرون من أصل واحد، معززاً ذلك بالممارسات العملية، عبر عمليات التآخي التي لم تأخذ في اعتبارها المعايير الطبقية الجاهلية، وممارسة العبادات بطرق تدعم عملية الإمحاء الطبقي، والتأكيد على حقوق العبيد والتشوّف إلى تحريرهم، والتشديد على مفهوم الأخوة الدينية، واعتماد مفهوم التقوى والعمل الصالح كمعيار للأفضلية.

الحقبة الراشدة وانقسام والوعي:

شهدت الحقبة الراشدة للخلافة يساراً مادياً،لم يعرفه عصر النبوة، إلا أنها حرصت في البداية على استمرار النموذج النبوي للقيم، حتى غزت الشعوب المشبعة بالثقافة الكسروية والقيصرية من الشام والعراق ثقافة الدين، فقام تحالف معلن حيناً، وغير معلن أحياناً، بين المؤمنين الجُدد من الأرستقراطية القرشية من جهة، وبين شعوب كسرى وقيصر من العرب من جهة ثانية، مُقدمين نموذج قيم المصالح الدنيوية، القائمة على الرغبة في التمتع بالحياة، والاستحواذ على السلطة، والذي تمثله ومثله معاوية بن أبي سفيان، حيث جاء استجابة لتعاظم الثروات في أيدي الأرستقراطية العربية، والتي باتت تلحُّ على إعادة ترتيب المنظومة القيمية بشكل مختلف.

في الوقت نفسه تمسك بعض المؤمنين الأوائل بقيم عهد النبوة، التي قدمها علي، مُستندين إلى أفضلية السابقين الأولين من المؤمنين من جهة، وأصالة ترتيب القيم المستند إلى شرعية عصر النبوة من جهة أخرى.

وبين هذا الفريق وذاك، فريق اختار العُزلة السياسية والابتعاد عن مشاكلها، مؤثراً التمسك بالقيم الأولى ونشرها عن طريق العلم والتنسك، حيث استقطب هذا الاتجاه شعبيةً كبيرة، خصوصاً في مراحل الإنكسارات السياسية التي مُني بها اتجاه علي السياسي، على يدي معاوية وخلفائه.

إن الانتصار السياسي لمعاوية في أواخر الحقبة الراشدة، يدل على انتصار نموذج قيمي باتت أجندته أكثرَ واقعيةً بالنسبة لكثيرٍ من المؤمنين، الذين باتوا مُرغمين على الإذعان له، تحت وطأة إلحاح المصالح الدنيوية اليومية المُتنامية، على الرغم من حنين الجميع لقيم الدين الأولى، القائمة على العدالة والمساواة والبذل والتضحية، وهو ما خلق حالة من انقسام الوعي تكاد تكون قائمة في وعي كل مؤمن.

قيم الملك العضود:

شكل معاوية تفاصلاً على صعيد الوعي مع ما قبله، بحيث دفع المجتمع المسلم لأن يتحدث بمنطق ما قبل معاوية ومابعده.

بصرف النظر عن الانقسامات المذهبية والسياسية في أوائل العصر الأموي، فإن ثمة حالة من الانقسام حول النموذج القيمي، وأي تلك النماذج أولى بالاتباع، وهو ما كرس حالة من النزاع الدائم مع المحدث والفقيه، وذلك في سعي الخليفة الدائم إلى حيازة الشرعية لمجمل الانحرافات القيمية عن نموذج عصر النبي، وخصوصاً بعد اعتراف الخليفة بالعجز عن رياضة نفسه على سيرة أبي بكر وعمر، بالإضافة إلى ظهور النموذج الشيعي، الزاعم امتلاكه للشرعية المطلقة لنموذجه، نظراً لصلة القرابة من النبي الكريم، وذلك بعد أن ضاع طموحهم السياسي.

لايعني اعادة ترتيب القيم وفق منظور المصالح المادية، اضمحلال قيم النبوة العليا، بل تعديل المنظور الذي تصدر عنه، مع تَشرُّبٍ تختلف شدته للدوافع الأخروية بحسب منطق جديد للأولويات، وهو ما دفع إلى الواجهة مظالم لم يعرفها المجتمع الإسلامي من قبل، صدرت عن عربدة الارستقراطية الأموية، وأصحاب المنافع والإقطاعات.

غدت قيم الملك العضود لا تُعبِّر عن المنطق الأخوي بين المسلمين، حيث أعادت الاعتبار إلى منطق العلاقة بين الشريف والحقير، والعرب والموالي، والسادة والعبيد، بحيث حرَّف منظور الملك القيمي مجملَ مقاصد الدين المُتعلقة بهذا المجال، والتي تشوَّفت إلى إنهاء حالة الرق من خلال تضييق المداخل إليه، وتوسيع المخارج منه، واعادة الاعتبار للفقراء والموالي عبر منطق الأخوة الإيمانية.

بدت منظومة الملك العضود مغريةً لأرباب المصالح فحسب، بينما اصطفت غالبية كبيرة حول قيم القراء والمحدثين، حتى تحول التفاصل بين منظومتين قيميتين إلى صراع على الشرعية الاجتماعية، بحيث لم يسلم كثير من علماء الدين من بطش السلطان، ووصلت حدود التباعد القيمي أن اتخذت شكلاً سياسياً عُرف باسم ثورة القراء.

ورغم ما تمثله فترة خلافة عمر بن عبد العزيز من اصطلاح بين نموذجين قيميين، إلا أن قصر فترة ولايته، والردة السريعة لخلفائه إلى منظومة الملك العضود، تشي أن فترة خلافة عمر لم تكن سوى سباحة في عكس تيار بني أمية.

كخلاصة يمكن القول إن تفاوت الاصطفاف عبر التاريخ حول النماذج القيمية المعروضة في الساحة الاجتماعية، منوط بمدى تنامي المصالح اليومية، ومدى إلحاحها، وبقدرة كل منظور على تلبيتها، بالإضافة إلى مدى حضور الوازع الديني في نفوس المؤمنين، ومدى احساسهم بالأخوة الإيمانية.

لايعني ذلك قصور المنظور القيمي الأول عن تلبية المصالح اليومية، بقدر ما يعني عدم قدرته على الانسجام مع قررات السلطان، والتي حاولت دائماً اجتيال نموذج النبي القيمي عن مقاصده وغايته، ووفرت البدائل من منظومة الملك العضود، بحيث حصرت الحصول على منافع الدنيا بنموذجها، فانخرط فيها كثير من المتمنعين عنها، بحيث بتنا أمام انقسام وعي تاريخي، نتطلع بحنين إلى نموذج النبي القيمي، ويدعونا الشيخ إلى استعادته، في الوقت الذي ترغمنا التغيرات الجذرية على صعيد المصالح إلى الاعتراف بمثاليته، وأحياناً باستحالته، بعدما شقت المكاسب الدنيوية طريقها بعيداً عن نموذج النبي، وربط السلطان طرق تحصيلها بنموذجه.

 

 

28-05-2008 .   الملتقى /  /    .   http://almultaka.org/site.php?id=878