آخر تحديث للموقع

 2022-08-20

 
Facebook Twitter Rss

الفكر السياسي  .  الدين و الدولة

التراث السياسي    |    الحقوق و الحريات    |    الإسلام السياسي

  •     

الدولة الإسلامية ومآزقها

معتز الخطيب


في تحديد صفة الدولة وشكلها وعلاقتها بالسياسي، يكمن ابرز مَعلم من معالم تحديد الانتماءات بين العلمانيين والاسلاميين بحسب التجاذبات (الشائعة) في الفكر المعاصر، بل عادة ما يُكَنى عن كل من يرى تلازم العلاقة بين الديني والسياسي بـ"الأصوليين"، في حين أن هذا المنطق نفسه يفرض أن يسمى – في المقابل – كل من يرى حَدّية الفصل بينهما أصولياً بالاتجاه المعاكس!
ولعل من أبرز المفارقات بين الفريقين أن النزاع والسجال الذي يدور بينهما يقع خارج حدود السلطة الفعلية القائمة وعلى هامشها، والتي تارة تنزع إلى هذا ضد ذاك، وتارة تتمسح بذلك ضد هذا، فتأخذ من العلمانية ضغثا، ومن الإسلامية مثله!. فالدولة القائمة لا هي إسلامية بالمعنى الذي يريده العديدون بمعنى تطبيق الشريعة كاملة، ولا هي علمانية بالمعنى المعروف للكلمة والتي تحيد الدين فلا هو يهيمن عليها ولا هي تستغله لمآربها وتدعيم نفسها!. فضلا عن أن عزل الدين عن تفاصيل السياسة ويومياتها غير ممكن، والواقع العالمي - خصوصا بعد 11 سبتمبر - يؤكد ذلك.

الدولة الإسلامية.. وسياقها التاريخي
بعد سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924م ثم قيام أتاتورك بتدشين نظام جمهوري علماني في تركيا، تجدد الاهتمام بفكرة الخلافة وتجديد فقه السياسة الشرعية. فدافع محمد رشيد رضا عن "الخلافة أو الإمامة العظمى"، ووجدت مسوغات القول والجدل حول علاقة الديني بالسياسي، فصاغ علي عبد الرازق خطابا نقديا لنظام الخلافة في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" الصادر عام 1925م وانتشر الجدل واتسع.
بعد ذلك رفع الشيخ حسن البنا شعار "الإسلام دين ودولة" فتبلورت فكرة "الدولة الإسلامية" وانتشرت في ظل "الدولة الحديثة"، ومن ثم أرى -مع البعض- أن فكرة الدولة الإسلامية قد ظهرت كرد فعل لزوال آخر خلافة إسلامية، وأن سقوط هذه الخلافة هو مبعث ظهور نظرية "الإسلام دين ودولة"؛ التي صارت أشبه بالبدهيات في الأدبيات الإسلامية المعاصرة، والتي هي جزء من فكرة "شمولية الإسلام" التي طرحها البنا رحمه الله.
البعض يحاول الإلحاح على التأريخ للفكرة لينفي مشروعيتها عن الإسلام، ونحن وإن كنا نؤرخ لظهور الفكرة، غير أن هذا لا يعني أن مضمونها -دون تفصيلاتها- محدث وطارئ على الإسلام، فلا يماري مسلم بأن إسلامه يحكم تصوراته وحياته، كما يحكم مماته وسائر شؤونه. غير أن هذا التأريخ يشير إلى وجود مسوغات للحديث عن هذا، والجدل فيه وعليه، وكذلك إلى محاولات بلورة نماذج وتصورات له، نتفق ونختلف مع تفصيلاتها دون أصلها.

بين الدولة الدينية والدولة الإسلامية
لجأ الإسلاميون إلى الفصل والتمييز بين "الدولة الدينية" و"الدولة الإسلامية" بأثر من موروث إصلاحية محمد عبده التي جعلت السلطة "مدنية"، ولأن "الدينية/ الثيوقراطية" ذات ميراث سلبي نتج عن نموذج الدولة الدينية الكنسية، والتي قامت على أنقاضها العلمانية. غير أن المودودي وحزب التحرير ما كانا يريان حرجا في إطلاق تعبير الدولة الدينية أو دولة العقيدة على نظامهم المنشود. ومع ذلك يشير رضوان السيد إلى أن "الدولة الإسلامية" - كما تطورت رؤيتها لدى الإسلاميين العرب منذ حسن البنا وعبد القادر عودة وحتى سيد قطب والغزالي والقرضاوي - هي دولة دينية؛ بمعنى أنها تكليف إلهي، ولها مهمة رئيسة هي تطبيق الشريعة".

نموذج الدولة الإسلامية.. ومحاولات تحديده
كان البنا قد طرح فكرة الدولة كمقدمة لإقامة الخلافة، ودرس عبد الوهاب خلاف نظام الخلافة باعتباره "نظام الدولة الإسلامية"، وكتب أبو الأعلى المودودي عن نظام الدولة الإسلامية باعتباره "نظاما شموليا" قبل أن يستقر في كتابات المعاصرين واستعمالات السياسيين: تعبير "الأنظمة الشمولية"، بمعنى: الاستبدادية، الأمر الذي جعل د. القرضاوي مؤخرا يفضل تعبير "الإسلام: رسالة شاملة"، وهنا يقدم عبد الرحمن الحاج مقاله "صورة الدولة وظل الخلافة" ليقول: إن الالتباس بين مفهومي الدولة والخلافة ما يزال قائما وفعالا، وإن استعصاء تشكيل نظري لنظام سياسي إسلامي يرجع إلى هذا الالتباس".
ومع الإقرار بأن هنالك التباسا بين مفهومي الخلافة والدولة، لا يمكن حصر استعصاء تشكيل نظام سياسي إسلامي في هذا الالتباس، فلؤي صافي يقدم في معالجته أن ثمة قصورا منهجيا أحاط بالفكر السياسي الإسلامي: التقليدي والمعاصر، فهو يغلب عليه الطابع التجزيئي، بمعنى أنه انتقائي لا يعتمد على دراسة متكاملة لمختلف النصوص المتعلقة بظاهرة سياسية معينة، كما يغلب عليه الطابع الوظيفي؛ فهو يحدد البنية السياسية من خلال الوظيفة التي تؤديها دون اعتبار المقصد أو المقاصد التي توجه الفعل السياسي. وكذلك يعتمد تحليل السلوك الفردي للصحابة عموما وللخلفاء الراشدين خصوصا، متجاهلا القواعد والمبادئ العامة التي وجهت أفعالهم، والظروف الاجتماعية والنفسية التي قيدت قراراتهم.
وسبق أن أنتج د. حامد ربيع رحمه الله محاولة بالغة الأهمية؛ في "سعيها إلى استلهام التراث السياسي الإسلامي في ضوء الإطار المرجعي لهذا التراث نفسه". في حين أن الفكر السياسي الإسلامي الحديث مطبوع -عموما- بنزعة تلفيقية، تستخدم الإرث السياسي الماضي في صورة الدولة الحديثة دون إحداث تطويرات عميقة عليه، أو صبه في نظرية متماسكة، وهنا تأتي أهمية كتاب لؤي صافي (العقيدة والسياسة).
الدولة - كمفهوم حديث - هي "سلعة غربية مستوردة"، جاءت إلى العالم الإسلامي عنوة عن طريق المستعمر في جانب منها، وتدعمت فيه عن طريق اقتباس الحكام ومحاكاتهم لأساليب "هذه السلعة" ومنظماتها من جانب آخر - كما يؤكد (نزيه نصيف الأيوبي) - من هنا يغدو مصطلح "الدولة الإسلامية": "مبتدعا حيث يعبر عن التأثر الشديد للفكر الإسلامي المعاصر بالفكر القومي الحديث السائد، ذلك أن هذا الفكر هو الذي يعطي للدولة هذه الأهمية الاستثنائية والخاصة التي تجعل منها المعبود الحقيقي للمجتمع"، على حد رأي برهان غليون الذي يميز بين "النظام السياسي في الإسلام" ومفهوم "الدولة الإسلامية".
فالنظام السياسي يشير إلى مجموعة القواعد والمبادئ والأهداف التي تحدد نمط ممارسة السلطة العامة في المجتمع، سلطة الحكم، أي أسلوب استثمار الموارد المادية والمعنوية التي ينطوي عليها حقل سياسي معين.
وفي حين يؤكد محمد سليم العوا أن نموذج الدولة الإسلامية ليس فيه نص قرآني صريح لا يحتمل في تأويله الاختلاف، ولا نص سنة صحيح الورود قطعي الدلالة؛ وأن الدولة مرادفة لكلمة الشريعة التي أثبتتها نصوص صريحة قطعية الورود والدلالة. يقول عبد المنعم أبو الفتوح: إن الدولة الإسلامية على مدار تاريخها لها معالم مميزة لها، ويحدد مفهومها بأنها الدولة التي أغلب سكانها من المسلمين، وعلى هذا فهي موجودة بالفعل. وهي - لديه - دولة مدنية وليست دينية، يحكمها المدنيون المتخصصون في مختلف النواحي، لكنها مع هذا إسلامية في شتى المناحي الاقتصادية أو الأيديولوجية.
أما راشد الغنوشي فيرى أن الدولة الإسلامية: نظام سياسي اجتماعي تتحدد هويته من خلال الالتزام بمرجعية النص - من كتاب وسنة - بوصفه المصدر الأعلى للتشريع، والالتزام بالشورى مصدرا للشرعية، أي اعتبار الأمة مصدر شرعية الحكم والحاكم. وبخصوص الخلافة على منهاج النبوة وفق الوسع والاجتهاد فهي هدف لكل المسلمين الواعين بدينهم، وهو ليس هدفا خياليا.
هاني فحص تتلخص مقولته بامتناع تنميط الدولة، أي أنه يمتنع اقتراح نمط واحد لها في كل الأمكنة والأزمنة، والإسلام في الأساس، لاحظ - حسب القرآن الكريم- مدى التعدد والتنوع البشري، فلم يطمح إلى إلغائه.

الدولة الإسلامية والدولة الحديثة
المتأمل لهذه الأقوال والأطروحات جميعا ربما يجد أن الإسلاميين تجاوزوا مقولة رضوان زيادة "إن مفهوم الدولة الإسلامية أشبه بالنموذج المثال الذي يحدد بالسلب أكثر من تحديده بإحداثياته الخاصة"؛ وصاروا إلى محاولات أسلمة "الدولة الحديثة" أو اختراع نموذج مركب من هذا وذاك له صفة مدنية وإسلامية، ومن هنا يقع الالتباس والارتباك بين الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية، والدولة الحديثة والدولة القطرية القائمة. وهل إسلامية الدولة بمسلميها أم بنظامها؟ وما معنى إسلامية الدولة: هل هي نقيض الكفر؟ أم هي تطبيق الشريعة؟ وهل الشريعة غير مطبقة أصلا؟.
يبدو من تأمل كثير من أطروحات الإسلاميين حول الدولة، محاولة إعادة تأسيس الرابطة السياسية الإسلامية على قاعدة الدولة الحديثة التي تقوم على مصادرة وتقويض مفهوم الجماعة/ الأمة بمفهومه الإسلامي التعددي الذي تجسد تاريخيا ونصوصيا.
وإن الجدالية التي لفت الخطاب الإسلامي في ظل ظروف نشأته وإسقاط الخلافة والدخول في صراع مع العلمانية أثرت في طبيعة التصور الاجتهادي، وهو ما أثمر شتاتا مفاهيميا، من قبيل نقاشات التعددية الحزبية والشورى، لا تملك المفاهيم فيها -كما لاحظت هبة رءوف- قابلية العودة والتوطين في التربة المفاهيمية الإسلامية لأنها لا جذر لها فيها نظرا لاختلاف التكوين الاجتماعي- السياسي.
وبدلا من تمكين النموذج المفاهيمي الإسلامي من خلال تقديمه تصورا قويا إنسانيا وعميقا مرجعيا تقيس عليه الأنساق المفاهيمية الأخرى مفاهيمها، حدث العكس فقاس هو على الليبرالية وبشكل سطحي ومختزل أرغمته عليه جدالات السياسة والأيديولوجية وليس منطلقات المعرفة والدراسة الرصينة. فكان أن نشأت لغة موازية هجين هشة يمكن بسهولة نفيها من الخيال الإسلامي عند المواجهات السياسية وتصاعد الحروب الكلامية.
وفكرة جماعية الأمة الإسلامية، وهي جامعية غير نافية للتعدد وغير مانعة من انضواء عقائد أخرى أو ما استقر على تسميته بـ"غير المسلمين" في الدول الإسلامية، يؤكد عليها سيف الدين عبد الفتاح ليبين أن الدولة القومية المتشكلة ولدت قسمة جديدة في المنظومة الدولية ومكان المسلمين فيها، وشكلت مسارا تهميشيا لمفهوم "الوحدة"، وأن ميراث الدولة القومية حافظ بشكل حاد ومتواتر على علاقات تسير صوب التفكك لا التكامل (السيادة- الحدود)، خاصة حينما يتحول التمسك بها وبما يترتب عليها من سياسات وعلاقات إلى حالة مرضية تضعف الكيان، كما تضعف علاقاته بكيانات أقرب ما تكون إليه.
هذه مجمل أفكار وجدالات ملف الدولة الإسلامية الذي خططنا له عبر صفحات موقع إسلام أون لاين، وقصدت إلى أن يكون ملفا نقديا قدر الإمكان، يشتمل على تنويعات في الكُتاب والأشكال ما بين الحوار ومقال الرأي، ومراجعة كتاب، وتوزع الكتاب بين بعض قيادات الحركة الإسلامية وبعض الشباب من خارجها إلى أكاديميين وباحثين معروفين.
تاريخ النشر : 05-05-2005

6138 : عدد القراءات


يلفت موقع الملتقى الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.


 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية   l   دراسات قرأنية   l   دراسات حديثة   l   الفقه و الأصول   l   العقيدة و الكلام   l   فلسفة التجديد

قضايا التجـديـد   l   إتجاهات الإصلاح   l   التعليم و المناهج   l   التراث السياسي   l   الدين و الدولة   l   الحقوق و الحريات

مفاهيم و مصطلحات   l   الإسلام السياسي    l    الظاهرة الدينية   l   فلسفة الدين   l   فلسفة الأخلاق   l    قضايا فلسفية

المـــرأة و النسوية   l   الإسلام و الغرب    l   عروض و مراجعات   l   إصدارات   l    حوارات و شخصيات   l    مـؤتـمـرات و متابعات

جديد الملتقى   l   سجل الزوار   l    رأيك يهمنا   l   اتصل بنا

   ©2024 Almultaka  جميع الحقوق محفوظة 

Designed by ZoomSite.com